ميسوپوتاميا_سيرة خوف

الفصل 5: القسم الرابع

القسم الرابع

بينما كنت أنزل أبطأ فأبطأ داخل النهر، شعرت فجأة وكأن الماء نفسه يهمس لي. أو إن كان ذلك من نقص الهواء... أم من الخيال... لم يكن صوتًا واضحًا، ولا كلمات مفهومة، بل إحساس غريب جدًا… كأن هناك شيئًا ما ينتظرني في الأسفل. ليس ظلًا. وليس جسدًا. بل حضورًا غامضًا لا يُرى. وللحظة قصيرة جدًا، شعرت أن العالم كله اختفى، ولم يبقَ سوى الماء وذلك الإحساس الغريب الذي كان يسحبني نحو العمق بهدوء مخيف. ثم— اختفى الهواء من صدري فجأة. شعرت بحرقة قوية داخل رئتي، وبدأ جسدي يهبط أكثر دون أن أفهم كيف. حاولت الصعود لكنني لم أعرف الاتجاه. الضوء فوقي أصبح بعيدًا ومشوّهًا، والماء صار أثقل حولي، كأن النهر كله أغلق فوق جسدي دفعة واحدة. فتحت فمي دون شعور. فدخل الماء إلى داخلي. في تلك اللحظة شعرت بالخوف الحقيقي لأول مرة. ليس خوف الكلاب. ولا خوف المدرسة. بل خوف يشبه النهاية نفسها. كنت أسمع صوت قلبي داخل رأسي، وأشعر بجسدي يضعف بسرعة بينما الماء يملأ فمي وأنفي وصدرِي. حاولت أن أصرخ لكنني لم أستطع، وحاولت أن أتحرك لكن أطرافي أصبحت ثقيلة كأنها لا تخصني. وفجأة… رأيت شيئًا. لا أعرف إن كان حقيقيًا أم مجرد هلوسة طفل يختنق. لكنني رأيت للحظة، في العمق البعيد، شيئًا يشبه الظل يقف داخل الماء. لم أستطع رؤية ملامحه، لكنه كان هناك… ساكنًا… يراقبني بصمت. ثم شعرت بمن يسحبني بعنف. أيدٍ قوية أمسكت بذراعي وكتفي، ثم ارتفع جسدي فجأة نحو الأعلى. رأيت الضوء يعود بسرعة، وسمعت صراخًا مكتومًا، قبل أن يخرج رأسي أخيرًا من الماء. بدأت أسعل بعنف. الماء يخرج من فمي وأنفي، وصدري يحترق كأن النار بداخله. كانت وجوه إخوتي فوقي شاحبة ومرعوبة، وأمي تصرخ باسمي بينما أبي يمسك بي بقوة حتى لا أسقط مرة أخرى. كنت أتنفس بصعوبة شديدة، وأرتجف بالكامل. لكن الشيء الذي لم أنسه أبدًا… هو أنني، حتى بعد خروجي من الماء، بقيت أشعر لثوانٍ طويلة أن هناك شيئًا ما في العمق كان ينظر إليّ… وكأنه لم يكن يريدني أن أخرج بهذه السهولة. ثم رأيت أمي. كانت تبكي وتحتضنني بقوة، حتى إنني شعرت أن ذراعيها ترتجفان حولي. كان وجهها شاحبًا وعيناها ممتلئتين بالخوف بطريقة لم أرها من قبل. بقيت تكرر اسمي أكثر من مرة وكأنها تتأكد أنني ما زلت أمامها فعلًا. علمت لاحقًا أن أخي "هاشم" هو من قفز نحوي بسرعة حين رآني أغرق. قالوا إنه سبح بعمق دون تفكير تقريبًا، يبحث عني بعشوائية داخل الماء حتى أمسك بقدمي وسحبني إلى الأعلى. كل ذلك حدث خلال لحظات قصيرة، لكنها بقيت في ذاكرتي أطول من سنوات كاملة. بعدها جمع أبي وأخوتي الأغراض بسرعة، ووضعوا الأكياس والصحون داخل السيارة، وعدنا إلى البيت أبكر من المعتاد. طوال الطريق لم يتحدث أحد كثيرًا. حتى إخوتي الذين كانوا يضحكون دائمًا بقوا هادئين بشكل غريب، بينما كنت أنا أجلس قرب النافذة بصمت، أراقب الأشجار والبساتين تمر أمامي وأشعر أن شيئًا داخلي ما يزال عالقًا هناك… في النهر. مرت أيام بعدها وأنا أتجنب النظر الطويل إلى الماء. لكن هذه لم تكن أخر مرة أذهب فيها إلى "دجلة“. ففي أكثر من مناسبة، كنت أذهب مع إخوتي أو مع بعض أقاربي إلى ضفاف النهر حاملين صنارات الصيد البسيطة. كنا نستيقظ باكرًا أحيانًا ونجهز الخيوط والطُعم وكأننا ذاهبون إلى مهمة كبيرة. كان الصيد يحتاج إلى صبر أكثر مما يملكه الأطفال. لذلك كنت أقضي أغلب الوقت أراقب الماء بدلًا من مراقبة الصنارة. نجلس لساعات قرب الضفة، وأعيننا معلقة بالخيط الممتد داخل الماء. وكلما تحرك العوام قليلًا يصرخ أحدنا فرحًا ظانًا أنه اصطاد سمكة كبيرة. لكن الحقيقة أن السمك لم يكن دائمًا من نصيبنا. في بعض الأيام كنا نعود بلا شيء تقريبًا. وفي أيام أخرى نصطاد أسماكًا صغيرة لا تكفي حتى لوجبة كاملة. وأحيانًا كانت المفاجأة مختلفة. فبدل السمك كنا نخرج من الماء روبيانًا صغيرًا يتحرك بعنف فوق التراب بعد إخراجه من النهر. كنت أراقبه بدهشة. كان شكله غريبًا بالنسبة لطفل لم يرَ الكثير من مخلوقات الماء. أرجله الكثيرة وحركته السريعة وقوقعته اللامعة كانت تبدو لي وكأنها مخلوق جاء من عالم آخر تحت سطح النهر. وكان إخوتي يضحكون على اندهاشي كلما أمسكت واحدًا بين يدي بحذر شديد. ورغم أن ساعات الصيد الطويلة كانت تملّني أحيانًا، إلا أنني كنت أحب تلك الرحلات. ربما لأن النهر كان يمنحني شعورًا مختلفًا عن أي مكان آخر. شعورًا بالهدوء من جهة، وبالغموض من جهة أخرى. وكأن دجلة كان يخفي أسرارًا كثيرة تحت مياهه لا يعرفها أحد. وبعد أسابيع من الحادثة الغرق، ذهبنا كعادتنا لزيارة بيت جدي.كانت زيارات العائلة جزءًا ثابتًا من حياتنا. نجتمع جميعًا في بيت جدي، ويجلس الكبار يتحدثون لساعات طويلة، بينما ينتشر الأطفال بين الغرف والساحة والحديقة الصغيرة. وكانت هناك خالتي "ميريام“. أخت أمي. كنت أعرف أنها مختلفة عن بقية الناس، لكنني لم أكن أفهم السبب كاملًا وأنا صغير. كان الكبار يقولون إنها تعرضت لحادثة قديمة حين سقطت من أعلى السلم وارتطم رأسها بالحائط بقوة. وبعدها تغيرت حياتها بالكامل. لم تعد قادرة على العيش بصورة طبيعية. كانت تحتاج إلى من يساعدها في الطعام والملابس والاستحمام وكثير من أمور الحياة اليومية. وكانت أمي وجدي وجدتي يتحملون جزءًا كبيرًا من ذلك العبء. أما نحن الأطفال فكنا ننظر إليها بحيرة أكثر من أي شيء آخر. أحيانًا كانت تتكلم بكلمات متقطعة لا نفهمها. وأحيانًا تضحك وحدها. وأحيانًا تحدق في مكان فارغ وكأنها ترى شيئًا لا يراه أحد سواها. وفي إحدى الزيارات، بينما كان الجميع منشغلين في الحديث، أخبرتني جدتي بشيء غريب. قالت إن "ميريام" ترى الملائكة والجن وتتحدث معهم. أتذكر أنني نظرت إليها بدهشة. أما بقية الموجودين فلم يأخذوا الكلام بجدية. كان أخوالي يبتسمون أو يهزون رؤوسهم ويقولون إن ما تقوله ميريام مجرد أوهام بسبب ما أصابها. وكان بعض إخوتي يضحكون كلما سمعوا مثل هذه الأحاديث. لكنني بقيت أفكر بالأمر. ليس لأنني صدقته تمامًا. وليس لأنني كذبته تمامًا. بل لأنني كنت طفلًا يحب الغرابة بطبيعته. وفي ذلك اليوم كنت متجهًا نحو المطبخ لأشرب الماء. وحين مررت قرب "ميريام" رفعت رأسها فجأة ونظرت إليّ. نظرة طويلة وثابتة بطريقة جعلتني أتوقف دون شعور. ثم قالت بصوت متقطع وبطيء: "أنت... مبارك..." سكتت لحظة. ثم أكملت بكلمات غير واضحة لم أفهم معظمها. "...عندك... شأن كبير..." بقيت أحدق فيها بصمت. لم أفهم معنى كلمة "مبارك". ولم أفهم ما هو الشأن الكبير الذي تتحدث عنه. كل ما عرفته وقتها أن كلامها بدا غريبًا جدًا. وحين أخبرت بعض الموجودين بما قالته، ضحك أغلبهم كعادتهم، وقالوا إنها تقول أشياء كثيرة لا معنى لها. لكن الغريب أنني ظللت أتذكر تلك الكلمات سنوات طويلة بعد ذلك. لا لأنها كانت مفهومة... بل لأنها بقيت عالقة في مكان عميق من ذاكرتي، كأنها سؤال لم أجد له جوابًا بعد. ومرت فترة, وفي أحد أيام المدرسة مع بداية الشتاء، كنت أنا و"سهام" و"وسام" عائدين من المدرسة على الطريق الترابي القريب من البساتين بجانب البستاتين النخيل واشجار التكي. الهواء كان باردًا قليلًا، والسماء ملبدة بغيوم رمادية خفيفة، بينما الأرض ما تزال رطبة من مطر الليلة السابقة. قررنا ان نقطف التكي ونجمع المنتشر على الارض. في الطريق وجدنا مجموعة من أولاد القرية يلعبون قرب السكة. كانوا قد جمعوا قطع “التفل” الصغيرة المنتشرة على الأرض وبدأوا يلعبون لعبة الاختباء والرمي بالحجارة، يضحكون ويركضون كأن الدنيا كلها مجرد ساحة لعب واسعة. انقسم الأولاد إلى فريقين، واختبأ كل فريق خلف الأشجار والسواتر الترابية، ثم بدأوا يرمون الحجارة حين يظهر أحدهم. كانت الضحكات والصراخ يملآن المكان، بينما بقيت أنا وأخوتي نراقبهم من بعيد. لم أكن أحب هذه اللعبة كثيرًا. كنت دائمًا أشعر أن اللعب بالحجارة سينتهي بالأذى عاجلًا أم آجلًا، وربما لأنني ما زلت أتذكر جيدًا الحجر الذي أصاب رأسي في المدرسة. فجأة ركض أحد الأولاد نحونا وهو يضحك، ثم رمى حجرًا باتجاهنا دون انتباه. ولقصر نظري أصابني في جبيني. اقترب بعض الأولاد وهم يضحكون ظنًا منهم أنني أبالغ، بينما حاول آخرون تهدئتي: "انه جرح صغير" وبعد دقائق، بدأ "وسام" يضحك هو أيضًا ويقول: “لقد مت من الخوف!” ضحكوا جميعًا بعدها، أما أنا فمسحت دموعي بخجل وشعرت بحرارة وجهي تزداد أكثر. لكن الحقيقة التي لم يفهمها أحد وقتها… ولا حتى أنا… أنني لم أكن أبكي من الحجر نفسه. كنت أبكي من ذلك الإحساس الغريب الذي صار يسكنني منذ سنوات، الإحساس بأن شيئًا سيئًا قد يحدث في أي لحظة، حتى في أكثر الأيام هدوءًا. اخبرتني "سهام" بان اذهب للبيت، وبقيت هي و"وسام" هناك يلعبون. حين خلت للبيت لم اجد احدأ سوى اخي "هاشم"، فقام بمداوانتي وفي لحظة بدأء بالاختناق والتشنج وسقط على الأرض. فتجمت من الخوف والرعب وبدات بالبكاء الشديد ظننت انه مات، لدرجة اني بللت ملابسي من الخوف. وبعد دقائق فتح عينيه وبدأء يضحك ويواسيني ويقول لي انها كانت مزحة واراد ان يمازحني ويلعب معي. لم يكن يظن بان هذا الفعل قد يرعبني وان ابكي من شدة الخوف. توقفت مكاني مباشرة. شعرت بالخوف يضرب صدري دفعة واحدة، وكأن جسدي عاد في لحظة إلى كل تلك الذكريات القديمة؛ الحجر، الدم، الكلب، النهر… كل شيء مرّ داخلي بسرعة خاطفة. صرخت دون شعور، ثم بدأت أبكي بعنف. لم أفهم حتى أنا سبب انهياري المفاجئ، لكن الخوف خرج مني دفعة واحدة كأنه كان متراكمًا منذ زمن طويل. لم يكن يظن "هاشم" بان هذا الفعل قد يرعبني وان ابكي من شدة الخوف، فاقترب مرتبكًا وهو يسألني بسرعة: “مابك؟ لم اقصد اخافتك... كنت امزح معك” لكنني لم أستطع الإجابة. كنت أرتجف فقط. وفي المساء، بعد أن هدأت الأمور وعدنا إلى البيت، وبعد ان رجع الجميع وعلى سفرة العشاء, أخبرتنا أمي أننا سنذهب إلى عرس لبيت الحارس البستان احدى بناته قد تزوجت. فرح إخوتي مباشرة وبدأوا يتحدثون عن الطعام والموسيقى والرقص، بينما بقيت أنا صامتًا للحظات. لا أعرف لماذا… لكنني شعرت فجأة بذلك الإحساس البارد نفسه يعود مرة أخرى، وكأن شيئًا داخلي كان يهمس لي بهدوء: “هذه الليلة لن تكون عادية.” لم أغضب من "هاشم“. كنت أحبه أكثر من غيره. لكني في تلك الليلة، لم أنم بسهولة. كنت أفتح عيني كل بضع دقائق، لأتأكد أنه ما زال يتنفس. بقي المشهد عالقًا في رأسي طوال الليل. كلما أغمضت عيني رأيته ممددًا على الأرض كما رأيته في ذلك اليوم، ساكنًا بلا حركة. كنت أعرف بعد ذلك أنه كان يمزح فقط، وأنه لم يكن يقصد إخافتي، لكن عقل الطفل لا يفكر بالطريقة نفسها التي يفكر بها الكبار. بالنسبة لي كان المشهد حقيقيًا تمامًا. لذلك كنت أستيقظ بين حين وآخر، أنظر إلى المكان الذي ينام فيه، وأراقب صدره وهو يرتفع وينخفض مع أنفاسه. وحين أتأكد أنه بخير أعود إلى فراشي وأحاول النوم من جديد. منذ ذلك اليوم، لم أحب المفاجآت. في مساء اليوم التالي خرجنا جميعًا نحو بيت الحارس ونحن بكل أناقتنا. كان أغلب أهل المنطقة مدعوين إليه. كانت أمي قد سرّحت شعر "سهام" بعناية، وربطته بطريقة جميلة، بينما كانت "هيام" ترتب ملابسها وملابس إخوتي الأصغر. أما أنا فارتديت قميصًا نظيفًا تفوح منه رائحة الصابون، تلك الرائحة التي كانت تعني بالنسبة لي أن هناك مناسبة أو زيارة مهمة. كان المساء قد بدأ يرخي ستاره على البساتين، والهواء يحمل برودة خفيفة بعد يومٍ ماطر. طوال الطريق كنا نسمع أصوات الناس المتجهين إلى العرس، وأصوات الأطفال وهم يركضون أمام أهلهم بفرح وحماس. إلى أن وصلنا إلى الجسر الحديدي فوق النهر والذي كان عليه التراب. كان المطر قد هطل في ذلك اليوم، فصار اللوح مغطى بالتراب المبتلّ، وبقليل من الطحالب التي جعلته زلقًا. كان النهر في الأسفل أكثر سوادًا من المعتاد بسبب الظلام الذي بدأ يزداد، والماء يتحرك بهدوء لا يكشف ما يخفيه تحته. كان هناك النساء والأطفال والرجال الذين يعبرون الواحد بعد الآخر، بحذرٍ شديد، إذ لم تكن هناك أنوار أو مصابيح. كان كل شخص يراقب خطواته جيدًا قبل أن يضع قدمه التالية. بعض النساء كن يمسكن بأطفالهن بقوة، وبعض الرجال كانوا يمدون أيديهم لمساعدة كبار السن أثناء العبور. حين جاء دوري أمسكتُ يد أختي "هيام"، خطوتُ ببطء. كنت أنظر إلى قدمي أكثر مما أنظر إلى الطريق أمامي. كنت أحاول أن أضع كل خطوة في مكانها الصحيح، لكن كل شيء حدث بسرعة أكبر مما أستطيع استيعابه. ثم… لم أشعر إلا والماء يبتلعني. انزلقت قدمي، واختفى اللوح من تحتها فجأة. شعرت للحظة قصيرة أن الأرض نفسها سحبت من تحتي، ثم وجدت نفسي أسقط نحو الأسفل. صرخة قصيرة خرجت مني دون وعي، وصوت ارتطام الماء ملأ أذني.