أثرُ السَّماءِ الأُولَى

الفصل 11: حاضر مقيد بالماضي

✦✧ـــــــــــــــــــــــ✧✦ P . 11 ✦✧ــــــــــــــــــــــــــ✧✦

فكّر لدقيقة... إذا تغيّر واقعٌ وحقيقةٌ مؤلمةٌ تحياها... هل تضمن في تلك اللحظة الوصول إلى السعادة والراحة القابعتين داخل مخيلتك؟

فكرةٌ لطالما طافت حولي في كل يوم، ولم تفارقني وكأنها طيف يلازمني. ولكن كيف لي أن أعرف إذا لم أنسق خلفها، وأترك العنان ليس لنفسي...

بل للشيطان الساكن بداخلي، وأتجرد من ثوب إنسانيتي وأرميه عرض الحائط؟

وقد كان...

فما بالي الآن لا أشعر بشيء سوى بألم تلك الرصاصة التي استقرت في ساقي؟ رفع نظراته وهو يضيق عينيه بسبب قوة مصابيح سيارات الشرطة المتوجهة نحو وجهه مباشرةً.

أنزل سلاحك!

دوّى الصوت من حوله، ولم يكن طلبًا...

بل كان أمرًا. ابتسم وهو ينتزع ذراعة من صدر الرجل الملقي تحته ويقف على ساقيه من جديد رغم جرحه النازف الناتج عن تلك الرصاصة التي اخترقت فخذه.

سقط أرضًا بعد أن تلقى صفعةً قوية أفقدته توازنه، وهو يسمع صياح والده الغاضب. كان والده في حالة هياج، ويريد مالًا لشراء المزيد من المخدرات.

اخرج من بيتي يا نكرة، يا ابن السـ"ـاقـ"طـ"ـة! لا تعد إلا ومعك المال!!

وقف وهو يستند إلى الحائط، ويسمع تلك الكلمات التي كان قد اعتاد عليها بالفعل. أمسكه والده من كتفه وهو يجره من ملابسه بعنف، وفتح الباب دون أي تردد، ثم رماه خارج البيت.

استعاد توازنه وهو يدير ظهره بكل بساطة للباب الذي أُغلق في وجهه، وسار مبتعدًا وهو يمسح الدم عن أنفه الناتج عن تلك الصفعة اللعينة. وصل إلى حديقة عامة قريبة، وجلس على العشب وهو يتكئ بظهره على الشجرة خلفه، وأغمض عينيه لثوانٍ.

كان وقت الغروب تقريبًا.

لم يشعر بالوقت وهو يمر؛ دقيقةً لحقتها أخرى، بينما كان يستعيد في ذهنه أحداث ذلك اليوم الطويل. بدايةً من العصابة التي تعارك معها، وهرب منها بأعجوبة بعد أن اعترضوا طريقه وسرقوا معظم ماله، وانتهاءً بتعنيف والده له بعد أن عجز عن إحضار جرعة مخدرات. أخذ نفسًا عميقًا، وأخرجه على هيئة أنفاس متقطعة، ثم أخرج هاتفه من جيبه واتصل بأول رقم ظهر أمامه. رن الهاتف لدقيقة، ثم انتهى الاتصال دون أي رد من الطرف الآخر.

حاول مرة، ثم أخرى.

وفي المحاولة الرابعة تقريبًا، أجاب الطرف الآخر.

زيي: ما الأمر الذي يستدعي كل هذا الإزعاج؟ ستون: آسف... ولكن أبي طردني مرةً أخرى. زيي: يا فتى، أصبحت تقيم في بيتي أكثر مني.

قالها بنبرة ساخرة تحمل جزءًا من الانزعاج، حاول إخفاءه بالمزاح.

تنهد الآخر، فهو يعلم أن الأمر أصبح مزعجًا حتى على صديقه المقرب.

كانت تلك المرة الثالثة هذا الأسبوع.

ستون: أعلم ولكن... ليس لدي مكان آخر. زيي: ما الذي تحاول تبريره؟ هذا بيتك يا غبي، تعال.

ارتفعت زاوية شفته في ابتسامة مرهقة دون أن يرد. في الواقع... لم تكن لديه طاقة للرد حتى. أنهى الاتصال دون حتى كلمة وداع، وأرخى يده ليسقط الهاتف في حجره، ثم تبعتها يده. كان يتأمل منظر الغروب بصمت، وهو يشعر بثقل الهواء من حوله، الذي أصبح خانقًا. تحولت الدقائق إلى ساعات، وهو جالس كما هو دون أن يتحرك، وكأنه تمثال. لم يصله أي اتصال آخر من صديقه يسأله عن سبب تأخره وعدم قدومه، وكأنه ارتاح لفكرة أنه لن يأتي. وهو الآخر قرر أن يقضي تلك الليلة في الشارع.

كانت فكرة بقائه في الشارع ومحاولة تجنب أي عصابة أو تاجر أكثر راحةً من التواجد في بيتٍ غير مرحبٍ به، حتى وإن لم يُظهر الآخرون ذلك.

ولكن ما جعله ينهض أخيرًا ويقف على قدميه هو قرقرة معدته بسبب جوعه، فهو لم يأكل قبل أن يُلقى به إلى الخارج، أو بالأحرى... لم يأكل منذ الصباح.

أخذ يبحث في جيوبه عن أي مال تبقى معه ليشتري ما يسد جوعه، فأخرج يده بعدما وجد مبلغًا بسيطًا جدًا، بالكاد يكفي لشراء شيءٍ سريع، وفي جيبه الآخر وجد علبة سجائر تبقى بها ثلاث سجائر.

أعاد العلبة والمال إلى جيبه، واستند على الشجرة ليستعيد توازنه ويقرر إلى أين يجب أن يذهب، ثم دفع نفسه عنها وبدأ يتحرك.

كان يمشي على جانب الطريق وهو شارد الذهن، والسيجارة بين شفتيه، ويخرج أمامه خيطٌ رفيع من الدخان. رفع يده، وأمسك السيجارة بين أصابعه، ثم نزعها من بين شفتيه ونفث الدخان أمامه. بمجرد أن تبدد الدخان، ظهر ثلاثة رجال على مسافة ليست ببعيدة عنه. كانوا ينظرون إليه وهم يقتربون منه بخطوات بطيئة وثابتة. بمجرد أن رآهم، ابتسم بسخرية من حظه العاثر. كانت تلك العصابة نفسها التي هرب منها سابقًا. رمى سيجارته على الأرض وداس عليها بقدمه، وهو يسمع أحدهم يقول:

- انظروا ما لدينا هنا.

ضحك الآخر وهو يخرج أداةً حادة من جيبه.

- أكنت تتوقع أن ننسى أمرك بهذه السهولة يا زنجي؟

هربت ضحكة ساخرة منه بعد أن سمع تلك الكلمة الأخيرة.

- تسك... أهذه أقصى كلمة مهينة توجهها لشخصٍ أسود البشرة؟ أشعر أنني أتعرض لإهانة من طفل.

لم تتسبب كلماته إلا في زيادة غضب الرجال الثلاثة، فانطلقوا نحوه وهم يركضون.

شعر بالأدرينالين يندفع في عروقه، فتراجع إلى الخلف وهو ينظر حوله، قبل أن يجد مبنًى معينًا يعلم أن به سلالم طوارئ خلفية.

ألقى نظرة عليهم، ثم بدأ يركض نحو ذلك المبنى وهم خلفه.

كان يركض بسرعة ودخل من منعطف ليصل للمني من الخلف، اكمل ركضة ليقفز فوق حاوية قمامة قريبة، ثم دفع نفسه إلى الأعلى، وأمسك بطرف السلم بكلتا يديه، ورفع جسده إلى أعلى، ثم ارتكز بقدمه ليرفع بقية جسده، ووقف وبدأ بالصعود إلى أعلى المبنى بسرعة.

لحق به الثلاثة وهم ينظرون حولهم بحثًا عنه، حتى سمعوا صوت خطواته فوق سلم الطوارئ. ركضوا، وقام أحدهم بضم يديه وهو يقف أسفل السلم، ليركض الآخر ويرتكز على يديه، ثم دفع نفسه، ودفعه الآخر إلى أعلى. وبعد أن صعد، سحب صديقه، بينما ركض الثالث متجهًا إلى الباب الرئيسي متوقعًا أن ينزل منه. صعد ستون إلى سطح المبنى، وهو يركض حتى وصل إلى حافة المبنى ونظر إلى الأسفل. كان الارتفاع خطيرًا، ولكن المسافة بين المباني كانت متقاربةً قليلًا، رغم اختلاف الارتفاع بينها. التفت خلفه ليرى أنهما قد لحقا به، وبدآ بمحاصرته على سطح المبنى.

- لا يوجد مكان للهروب الآن.

ابتسم الآخر وهو ينظر لهما بتحدٍّ، ويتراجع إلى الخلف ببطء.

- لا أظن ذلك.

ليدير ظهره لهما وهو يركض بسرعة، وقفز من فوق المبنى إلى مبنًى مجاور كان أقل ارتفاعًا بقليل، وبالكاد تمكن من الإمساك بحافة المبنى بكلتا يديه وهو يرفع نفسه بسرعة.

اقترب الاثنان بسرعة وهما ينظران إليه بصدمة وغضب، فلا أحد منهما توقع أن يفعل شيئًا كهذا. ولأنهما لن يسمحا له بالهروب، ولن يستسلما بهذه السهولة، عاد كلاهما إلى الخلف قبل أن يركضا باتجاه الحافة ويقفزا بدورهما. تمكن أحدهما من الوصول إلى المبنى

ولكن الاخر زُلت قدمه وسقط من فوق المبنى، وكان مصيره محتومًا بعد ذلك الارتفاع.

لم يأبه الآخر، الذي بدأ بالركض خلف ستون، الذي كان يركض فوق أسطح المباني ويقفز من سطحٍ لآخر، والرجل الآخر يركض خلفه باستماتة ولا يحمل أي نية لتركه.

شعر ستون بإرهاق يجتاح ساقيه، وفي محاولة أخرى للقفز لم يكن يملك القوة الكافية، فانزلقت قدمه وسقط مباشرةً داخل حاوية قمامة. نظر الآخر إليه من فوق المبنى قبل أن يلتفت وهو ينزل بسرعة من فوق المبنى.

حاول الخروج من حاوية القمامة وهو يرتكز بذراعيه ليرفع جسده، ولكن فجأة اهتزت الحاوية لتسقط بقوة، وكان أحدهم قد ركلها. خرج منها وهو يزحف، وشعر فجأة بشخص يمسكه من قميصه ويسحبه بعنف ليقف رغمًا عنه.

الرجل الثالث غير الذي كان يطارده.

- أيها العاهـ"ـر.

قال وهو يصيح في وجهه ويسدد لستون لكمة أفقدته توازنه، فسقط مرة أخرى، ولكن الآخر لم يكتفِ وبدأ يركله بقوة في وجهه وبطنه.

نزل الرجل الذي كان يطارده من فوق المبنى، ودفع صديقه جانبًا وهو يخرج أداةً حادة، ويجثو على ساقيه، ويمسك ستون من ياقة قميصه ويضع طرف الأداة الحادة على رقبته.

كان ستون مستسلمًا تمامًا، وفقد القدرة على دفعه حتى، بينما كانت تغطي الكدمات والجروح النازفة وجهه.

ابتسم وهو ينظر إليه ويأخذ أنفاسه بصعوبة.

- أتسمي هذا سلاحًا؟ هذا الشيء بالكاد يمكنني تنظيف أسناني به.

ابتسم الآخر وهو يحدق إليه بغيظ وشر واضح.

- للأسف، إنك ستفقدها كلها بعد أن أنتهي منك.

(يقصد أسنانه)

ثم فجأة قام بضربه بتلك الأداة الحادة في وجهه، ليسبب له جرحًا امتد من تحت عينه حتى ذقنه، وقام بتمزيق شفته في طريقه.

صرخ بشدة وهو يشعر بحرارة الدماء التي تسيل على وجهه. تمكن بصعوبة من لكم ذلك الرجل ودفعه عنه، ولكن صديقه انضم إليه وهو يقيد حركته بسحب ذراعيه إلى الخلف وسحبه بعنف ليقف بساقين مرتجفتين، والدماء تقطر من وجهه على ملابسه.

ضحك الآخر وهو يقف على قدميه ويتحسس جانب وجعه الذي تلقى فيه الصفعة وهو يقترب منه.

- لم أتوقع أن يكون لديك أي طاقة للكمة كهذه.

أنهى كلماته وهو يسدد لكمة استقرت في بطن ستون، تسببت في طرد كل الهواء من رئتيه وتقوس ظهره.

لتلحق بها لكمة أخرى على وجهه، تلتها أخرى ثم أخرى، قبل أن يشير لصديقه بتركه، ثم فجأة قام بركلة في بطنه ليسقط ستون على ركبتيه، وهو لا يزال بعد لا يشعر أو يستوعب ما يحدث من حوله.

كانت رؤيته مشوشة، وأنفاسه متقطعة وحادة بدت وكأنها تمزق حلقه.

بصق الرجل الذي كان يضربه عليه، وهو يمسح الدماء عن قبضته، والتي كانت دماء ستون.

- مستعد لجولة أخرى؟

قال وهو يسحب كم القميص إلى الأعلى، ليرد عليه صديقه وهو يرفع كمه هو الآخر.

- أظن أنه دوري، صحيح؟

قال ساخرًا وهو يضحك مع زميله، بينما كان ستون في عالم آخر. كان يرتكز بيديه على الأرض، ساقطًا على ركبتيه، ويرى قطرات من دمائه تتساقط من جروح وجهه على الأرض أمامه.

فجأة شعر أنها تتساقط ببطء شديد، وكأن العالم كله أصبح بطيئًا فجأة، وليس فقط تلك القطرات التي تتساقط واحدة تلو الأخرى.

رفع نظراته بصعوبة ليرى الاثنين أمامه يضحكان، ولكن حتى هما أيضًا كانت حركتهما بطيئة جدًا، و... صوتهما؟

لا يستطيع سماع صوتهما بعد الآن.

أعاد نظراته إلى الأرض ليرى تشققات تتكون تحت كفيه. شقوقٌ صغيرةٌ جدًا، وكأنها خطوط، وبدأت تتسع شيئًا فشيئًا.

أصبح كل شيءٍ مظلمًا فجأة.

اختفى الرجلان والدماء، وكأن ثقبٍ أسود ابتلعة رفع رأسه ليرى كيانًا مشعًا أمامه. شخصًا أشبه بظلٍ مشتعل، ليتبعه صوت همسات اخترقت أذنيه.

"اسحقهم بيديك." "الأرض تستجيب لك." "أطلق العنان لشيطانك."

"اسحقهم."

شعر وكأن آخر كلمة اخترقت صدره مباشرةً وهزت كيانه، ليعود إلى الواقع وهو يقبض بيديه على الأرض، واخترقت أصابعه الأرض وكأنه غرزها في الرمال، وليس في أرضٍ صلبة.

لم يعد يدرك ما يفعل، وهو يرفع يديه ويضرب بقبضتيه الأرض، متسببًا بهزةٍ قوية أصابت من أمامه بالصدمة والذعر، خَلَفَ نظراتهم وهم يحدقون به ويرون الأرض قد تشققت تحت قبضتيه، وامتدت التشققات لتصل إليهما، وهما يتراجعان إلى الخلف وينظران إلى بعضهما.

وقف ببطء، ويداه ترتجفان واصابعة تلتوي، بينما لون ذراعيه يتغير ببطء إلى لونٍ رمادي داكن، وتتصلبان وكأنهما حجر وتلتئم اصابعة سويا لتصبح على شكل رمح مدبب.

رفع نظراته إليهما، وكانت عيناه سوداوتين تمامًا.

تقدم خطوةً بخطوة، وذراعاه ترتجفان بعنف، ويتغير شكلهما ليبدوا أقرب ما يكون إلى طرف رمحٍ حاد، ولكن من الحجر. أصابهما الذعر مما يرونه، وفي محاولةٍ يائسة للهروب، التفت كلاهما ليركضا، ولكن ظهر فجأة جدارٌ أمامهما اندفع من الأرض وسد طريقهما. نظر أحدهما إلى الآخر، وقبل أن ينطق بأي كلمة،

اخترق ذلك الرمح الحجري الضخم جسده بقوة لدرجة انه اخرج قلبة من مكانه.

صاح صديقه بذعر بعد أن تناثر الدم على وجهه، وهو يرى ذلك المنظر. سقط من الذعر وهو يزحف مبتعدًا، ويرى ذلك الشاب الأسود البشرة الذي كان يحتضر أمامه منذ لحظات، وهو الآن أشبه بوحش، ويداه على شكل رمحٍ غليظ اخترق به جسد صديقه بقوةٍ لدرجة أنه علقه على ذلك الحائط الحجري. انتزع ذراعه من جسد الرجل وهو يراه يسقط أرضًا جثةً هامدة، والتفت ببطء إليه.

كان الآخر يزحف بكل ما يمتلك من سرعة، ولكن أوقفه تشقق الأرض تحت ساقه، وخروج حواف مدببة التفّت حول قدمه وقيدته تمامًا. صرخ وهو يحاول استعطافه، ويلكم تلك القيود الحجرية.

- أرجوك اتركني، أقسم لن تراني مرةً أخرى!!

لكن الآخر استمر فقط بالتقدم، وذراعه تقطر دماءً خلفه بعد كل خطوة.

- أقسم أنني لن أخبر أحدًا، أتوسل إليك أن تتركني.

وقف أمامه مباشرةً، ورفع ذراعه ببطء نحو الآخر المقيد في الأرض.

• أتوسل إليك...لا! لاا ارجوك!!

لم يتمكن حتى من إكمال توسله قبل أن يندفع ذلك الرمح ويخترق صدره.

انتزع ذراعه من صدر ذلك الرجل، وهو يبتسم بعد أن تناثر الدم على وجهه، ويغطي ذراعه الحجرية بالكامل، وهو يجثو على ركبته. سدد ضربةً أخرى وهو يغرس يده، ثم سحبها، وكرر تلك الضربات حتى بعد أن توقف ذلك الرجل عن الحركة، وأصبح صدره بالكامل محطمًا ومسحوقًا، ويرى بوضوح رئتيه وقلبه اللذين سحقهما.

كان يبتسم وهو يكرر ضرباته دون توقف، لدرجة أنه لم يسمع صوت صافرات سيارات الشرطة التي أحاطت به، ووجهت مصابيحها إلى وجهه، وفجأة انطلقت رصاصة استقرت في فخذه.

تلاشت ابتسامته وهو يرفع رأسه لينظر إلى رجال الشرطة المحيطين به، ولكن من مسافةٍ بعيدة، مختبئين خلف سياراتهم، ويرون ذلك الوحش يحول جسد أحدهم إلى أشلاء. انطلقت رصاصة أخرى نحو رأسه، ولكنها لم تلامسه، لأنه رفع رمحه وصفعها، لترتد عائدةً وتستقر في حلق أحد الرجال. سحب ذراعه الأخرى أخيرًا من صدر الجثة، وهو يقف ببطء ويشعر بالرصاصة المستقرة في فخذه، والتي لم تكن قد أثرت عليه. كان يبتسم كالشيطان وهو ينظر إليهم، وهم ينظرون إليه بفزع وتهتز الارض من تحتهم

استيقظ ستون من ذكرياته بسبب صوت النقاش المرتفع، ليتذكر أنه داخل اجتماعٍ مهم.

شادو: ما هو غير المفهوم فيما سمعتيه للتو؟

صرخت إيلاف في وجهه معترضةً.

إيلاف: أنت مجنون! كيف لي أن أعود بالزمن لمائة عام؟؟

لوحت بيدها باعتراض، بينما كان رييس جالسًا بصمت يراقب ما يحدث.

- أنا حتى لم أعلم أنني أستطيع العودة بالزمن إلا تَوًّا، والآن تقول لي أن أستخدم تلك القوة للعودة إلى قرنٍ مضى؟؟

كان ستون ينتقل بنظراته بحيرة بينهم فهو كان شبة مغيب عن الواقع لبضع دقائق ويحاول الان استيعاب ذلك النقاش

لونغ: تبدو كالتائه

همس دون ان يلتفت له وهو يركز نظراته على نظرات رييس المثبتة على ايلاف

تبدو كالمهوس

همس رداً عليه بسخرية واضحة ويعقد ذراعية امام صدرة

رفع الاخر حاجبية وهو ينظر له بطرف عينيه قبل ان يبعد نظراته ويعيدها امامه

رييس: تحتاجين إلى دافعٍ فقط.

نظرت إليه بارتباك رافعو حاجبها ولم تفهم ما قالة

إيلاف: • دافع؟

أومأ وهو يقف بهدوء من مقعده، تاركًا كل من يجلس في حيرة، إلا شادو الذي كان يعرف إلى ماذا يؤدي هذا النقاش الغامض. كان لونغ بدوره ينتظر ما سيحدث لاحقًا، وهو جالس بصمت بجانب ستون، الذي كان مشتتًا بالفعل. مد رييس يده، وهو يفتح كف يده ببطء، ليظهر بعد لحظات إبرة بداخلها سائلٌ قرمزي لزج.

رييس: وهذا هو الدافع.

زاد الارتباك على وجهها، بينما كان لونغ يركز نظراته على تلك الإبرة الزجاجية. تحدثت إيرونا أخيرًا بعد صمتٍ طويل.

- أهذا...

رييس: دماء.