أثرُ السَّماءِ الأُولَى

الفصل 12: خطيئة الألفا

✦✧ـــــــــــــــــــــــ✧✦ P . 12 ✦✧ــــــــــــــــــــــــــ✧✦

وقفت كيرا بصمت خارج الغرفة وهي تتصنت إلى كل كلمةٍ تُقال بالداخل.

رييس: - الدماء هي مركز القوة، مثلما كانت أكثر نقاط ضعفك قوةً وتأثيرًا.

استمع الجميع بتركيز، خاصةً لونغ الذي اعتدل في جلسته، وهو يعقد ذراعيه أمام صدره ويضيق عينيه نحو تلك الإبرة، أما إيلاف فكانت في حالة ارتباكٍ تام، يتخللها بعض الخوف.

- منذ أكثر من 4500 عام، وتحديدًا في بداية العهد الثاني لألفا كاسر الحواجز الزمنية، ارتكب الألفا خطيئةً عظيمة نتج عنها حربٌ استمرت لعقود بين جميع النبضات، حربٌ كان هدفها السيطرة وفرض القوة، وذلك بعد أن قتل ألفا الزمن ألفا اللهب.

بمجرد أن سمع الجميع تلك الكلمات، دارت أنظارهم بين لونغ وإيلاف، وهما بدورهما نظرا إلى بعضهما البعض بصمت وصدمةٍ خالصة. ولكن الوحيد الذي بدا عليه التشويق والحماس لما يسمعه كان ستون، الذي ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ واسعة.

• هاه... الزمن يعيد نفسه.

قالها بسخرية، مما أزعج إيرونا الجالسة بجانبه، فقامت بلكمه على ذراعه ليصمت. أعادت إيلاف نظراتها إلى رييس، وقد اجتاحها شعورٌ قوي بعدم الارتياح مما تسمعه.

• وما كان الهدف وراء تلك الفوضى؟ ولِمَ قد... يسعى ألفا الزمن إلى ارتكاب جريمةٍ كهذه؟

- كما أخبرتك... الدماء هي مصدر القوة قبل أن تكون مصدرًا للضعف، وبسبب جشع ألفا الزمن، بعد حصوله على أقوى نبضات المذنب، رفض أن يكون هناك من ينافسه في القوة، خاصةً ألفا اللهب، لذا كان قتله واستخدام دمائه ليصل إلى ذروة قوته هو الهدف الذي سعى للوصول إليه، مما أسفر عن قتل وهلاك قبائل كاملة من البيتا.

جلست إيلاف وهي تشعر أن تلك الكلمات تصيبها بالغثيان. أما لونغ، فلم يبعد نظراته للحظةٍ واحدة عن إيلاف، وهو يرى وجهها الذي شحب تمامًا مع كل حرفٍ ينطق به رييس، ويشعر بحرارةٍ غريبة تسري في عروقه، وتنفسه مضطربٌ قليلًا. أنزل يديه أسفل المكتب الطويل الذي يجلسون حوله جميعًا، وهو يرى توهجًا بلونٍ أحمر قاتم يسري في عروقه.

- بعد تنفيذ ألفا الزمن رغبته، استغل قوة دماء اللهب، وتحدى المذنب نفسه وكل النبضات التي وُجدت في عهده، وتسبب في قتل نبضاتٍ لم نسمع عنها في زمننا الحالي، وتلاعب بشكلٍ خطير في المسارات الزمنية، ولذا تعاقبت قبائل بيتا الزمن.

صمت للحظة وهو يدور بنظراته بينهم جميعاً قبل ان يعيد تركيزة لتلك الفتاة المرتبكة وهي تسمع ماضي عشيرة من المفترض انها قائدتهم الأن

- وقام المذنب بمحو كل من شارك في تلك الخطيئة، وكأنهم لم يولدوا يومًا، هم والألفا، وبعدها أصبحت قبائل الزمن مثل الخدم والجواري والعرافات للنبضات الأخرى، وكان تحالف أي قبيلتين أشبه بالمستحيل، إلا إذا قدم أحدهم شيئًا يزيد من قوة القبيلة التي يريد التحالف معها

مع آخر الكلمات التي قالها، قبضت كيرا قبضتيها، وكأن تلك الكلمات مست ماضيًا تتذكره كما لو أنه حاضرٌ تحياه.

شادو: - لم يتوقع أحد أن تعود نبضة كاسر الحواجز الزمنية بعد كل هذه العقود.

قاطعته إيلاف وهي تقول بشرود:

- هل هناك آخرون مثلي

رفع شادو حاجبيه ببعضٍ من الحيرة قبل أن يجيب:

- أتقصدين قبائل بيتا الزمن؟

أومأت وهي ترفع نظراتها نحو رييس، وكأنها تشعر أن هناك شيئًا مهمًا، أو جزءًا مفقودًا من كل ما يقوله.

- لم يتبقَّ إلا فردٌ واحد من قبيلتك، وهي العرافة كيرا.

عقدت حاجبيها بمجرد سماعها ذلك الاسم، الذي كان جديدًا بالنسبة لها.

- عرافة؟

بمجرد ان همست بالصفة التي وُصفت بها كيرا، شعرت بشيءٍ بداخلها، وكأنها... إهانة. أغمضت عينيها وهي تشعر بشيءٍ ينبض بقوة داخلها، وكأن روحها ذاتها هي من تنبض، وهي تسمع همساتٍ بعيدة... كانت ايرونا ترى بوضوح حالتها المرتبكة، وبمجرد أن مدت يدها لتطمئن عليها، وقفت إيلاف فورًا وقالت بعزم:

- سأفعلها

اتسعت عينا كيرا بعد سماع كلمات إيلاف... شعرت هي الأخرى بنبضةٍ داخل صدرها، وتنفسها يتسارع، وكأن اقترانًا من نوعٍ ما قد حدث بينهما... رفعت يدها ووضعتها فوق قلبها مباشرتاً وهي تشعر بقوة غريبة تسري في جسدها حلَّ صمتٌ غريب في القاعة، وكل الأنظار ثابتة على إيلاف، ولكنها لم تُعر أحدًا أي اهتمام؛ لأن نظراتها كانت ثابتة فقط على رييس... وعلى تلك الإبرة. ابتسم الآخر بدوره وهو يبتعد من مكانه ويدور حول المكتب الحديدي، ويقترب منها حتى وقف أمامها مباشرةً، ومدَّ لها الإبرة.

- أول محاولة للعودة أو التقدم بالزمن تدريبٌ ليس بالسهل، وتحتاج لمن هم من نفس عشيرتك، حتى إذا كان مجرد تابعٍ لك.

كانت تنظر إليه بنظرات ثابتة وجادة، ولكن خلف تلك النظرات... شرارة بدأت بالاشتعال... انتزعت الإبرة من يده دون أن تبعد عينيها عن نظراته المثبتة عليها، ثم التفتت وخرجت بسرعة من الغرفة.

في الوقت نفسه الذي تحركت فيه كيرا من مكانها وابتعدت.

ابتسم رييس ابتسامة جانبية وهو يرى ذلك العزم المشتعل، ثم نظر بطرف عينيه إلى لونغ الذي لا يزال جالسًا في مكانه، وعروق يديه بارزة قليلًا ولونها أحمر قاتم، ولكن بدا أنه نسي أمرها وهو معلِّق نظراته على البوابة التي خرجت منها إيلاف.

اقترب شادو ببطء حتى أصبح بجانب رييس تمامًا، ليقف ستون بدوره من مقعده وهو يضع يديه خلف رقبته ويتجه إلى الباب.

- أظن الاجتماع انتهى.

خرج دون أن يلتفت خلفه، ولكن بدا أن هذا لم يؤثر بأحد أو يحدث أي فرق.

- اقتربنا؟

همس لرييس وهو ينظر بتمعن إلى ذراعي لونغ، الذي وقف هو الآخر وتبع ستون، وخلفه إيرونا.

-إنها مجرد البداية، الأمر يحتاج إلى الصبر فقط.

رد رييس بهدوء وهو يبتسم ابتسامة لم توحِ بالخير أبدًا. تنهد شادو بعد أن أصبحت القاعة فارغة تمامًا باستثنائهما.

- ألن يكون قتل ألفا ظهر بعد قرون خسارةً لنا؟ ونحن حتى لا نضمن ان يظهر اخر

قال وهو يتكئ بظهره على المكتب ويعقد ذراعيه.

- أعني، أنا أعرف أن كل ما نريد هو دماؤهم النقية، ولكن ألا تكفي قبائل البيتا لنا؟ فهي تمدنا بكل ما نحتاجه منذ عقود.

هز رييس رأسه نافيًا، وهو يدير ظهره ويتجه إلى بوابة خلفية في القاعة ويقف أمامها.

- قبائل البيتا تكفي لعقود أخرى لحين ظهور ألفا جديدة، ولكن الاحتفاظ بألفا.. وخاصةً إذا كان... مضطربًا مثل تلك الفتاة، فهو بالأمر الخطير. نقاء دمائها وقوتها يكفيان لنصل إلى ما نريد، ولكن الأمر يتطلب صبرًا حتى تصل هي أولًا إلى الكيان الساكن بداخلها.

تبعه شادو وهو واضعٌ يديه في جيوبه، ودخل معه عبر تلك البوابة، ثم أُغلقت خلفهما.

- ماذا بشأن الآخرين؟

- ماذا بشأنهم؟

رد السؤال بسؤالٍ آخر، وهو يواصل التقدم نحو أحد الأجهزة المتصلة ببعض الأسطوانات المعبأة بسائل أسود لزج، عبر أسلاك وخراطيم مختلفة في الحجم، والتي يتم فيها فصل الدماء وتنقيتها ومزجها بأحماض نووية ومركبات.

- أليس جميعهم لديهم ذلك الكيان الخامد الذي وُلِد بعد أن صدر الوهج وحصلوا على النبضة؟

قال شادو بحيرة.

- ليس نبضة الشفاء، فما دفعها للظهور هو رغبتها في الحماية، ولكن بالنسبة للهب والأرض...

توقف للحظات وهو يمد يده داخل أحد تلك الخزانات التي تقوم بتعبئة الدماء بعد كل عمليات التغيير داخل إبر.

"السرعة."

التقط إحدى تلك الإبر من داخل الخزان، ثم ألقى بها نحو شادو، ليقوم بالتقاطها وهو لا يبعد نظراته عن رييس الذي التفت أخيرًا إليه.

- هم شياطين الخراب والدمار. ما دفعهم للظهور هو الغضب والرغبة في الانتقام، وبمجرد تواصلهم مع الشيطان الكامن بداخلهم والوصول إلى أقصى نقاط قوتهم... وجب التخلص منهم.

- ولكن ما لم أفهمه... هو كيف الزمن يعيد نفسه؟

رفع رييس حاجبه بعدم فهم، وهو ينتظر من شادو أن يكمل.

- أقصد كيف، منذ عقود، وتحديدًا في العهد الثاني، كان العداء بين النبضات قد بدأ من قِبل ألفا كاسر الحواجز الزمنية وألفا اللهب، والآن عادت النبضات في أجساد شخصين يحملان النبضات ذاتها بينهما علاقة معقدة تبدو أقرب للكراهية.

ابتسم رييس وهو يتقدم بضع خطوات ويضع يديه بهدوء في جيوب بدلته.

• بعد خطيئة عشيرة الزمن بقيادة الألفا، أصبحت الكراهية بين العشيرتين وكلتا النبضتين غريزةً وُلدت فجأة داخلهم، عاقبهم بها المذنب. ولكن في هذا العهد... كلاهما نشأت بينهما علاقة لم يشهدها أي عهد، وهي الحب، ولكن بسبب الغريزة بداخلهم أصبحوا مثل قطبين متضادين، كلما اقتربا... زاد الاضطراب حتى يتناثر كلاهما بعيدًا.

فتح شادو الإبرة وهو يستمع لشرح رييس.

- قوانين المذنب... لا يعرفها إلا المذنب.

قالها بجزءٍ من السخرية، وهو يغرس الإبرة في أحد الأوردة ويدفع السائل ليمتزج بدمائه، وفي لحظتها انتفض جسده بقوة، وشعر بدوار جعل جسده يترنح، وسقطت الإبرة فارغة على الأرض ليتكسر الزجاج. وضع كلتا يديه على رأسه وهو يحاول استعادة اتزانه.

- اللعنة... يحدث هذا كل مرة.

كان رييس يراقبه بصمت بينما الاخر يلعن تحت أنفاسه المرتجفة حتى استعاد اتزانه أخيرًا.

اخذ نفس عميق وهو يقف بشكل مستقيم ويمرر يدية عبر خصلات شعرة الطويل

- هل اكتشفت إلى أي نبضة تنتمي هالة المقتحم الذي حاول سرقة الملف؟

صمت رييس للحظات بعد سماع ذلك السؤال قبل ان يجيب بنبرة يحاوطها عدم اليقين

- من الواضح أنه ألفا من العهد الثالث، وبسبب قوة هالته... أظن لايزال شاب.

رفع شادو نظراته وهو ينظر إليه ويبعد يديه عن رأسه بعد أن دخل في حالة ذهول أقرب ما تكون إلى الصدمة.

- العهد الثالث؟ ألفا شاب؟!

أومأ رييس وهو يؤكد كلامه.

- كيف يمكن؟ كيف ألفا شاب وهو من العهد الثالث؟ ثم لماذا أنت متأكد أنه الثالث؟

- تشابهت الهالة مع ألفا المتحولين، ولكنها كانت مختلفة، وبدت أضعف قليلًا، وامتزج بها أثرٌ من نفحات بيتا الزمن.

جحظت عينا شادو، وزادت علامات الاستفهام على وجهه.

• ماذا تقول بحق الجحيم؟ مستحيل... لم يظهر اي ألفا للمتحولون منذ نهاية العهد الثالث

تنهد رييس، فبدا هو الآخر في حيرة من أمره.

- لا تنسَ أن إناث عشيرة الزمن أصبحن مثل الجواري قبل أن يكنَّ عرَّافات... أظن أن هذا... نتيجة زِيجة حدثت بين ألفا المتحولين وجارية من عشيرة الزمن. لا يوجد أي تفسير آخر.

هز شادو رأسه باستهجان وهو يقول بنبرة مرتفعة ناتجة عن الصدمة:

- مستحيل أن يحدث تجاذب بين ألفا وبيتا، خاصةً في عهد الصراعات، ثم من المستحيل أيضًا أن يتم إنجاب ألفا من جاريه خاصة إذا كانت من عشيرة الزمن، بمعنى أنها لا تمت للنبضات بصلة، ناهيك عن أنه ألفا متحول.

عمَّ الصمت بينهما لدقائق، وكان شادو يتنفس بسرعة بسبب غضبه، أما رييس فاكتفى بالصمت، وهو يشعر بحيرة كهذه لأول مرة في حياته تقريبًا.

وقفت إيلاف بصمت، وهي تتأمل تلك الإبرة التي تمسك بها بين أصابعها. كانت الساحة من حولها مضاءةً بنور القمر الخافت، والنجوم التي تزين السماء فوقها. أزالت ببطءٍ وتردد الجزء البلاستيكي العازل، ورمته أرضًا، وهي تقرب الإبرة من ذراعها. كانت يدها ترتجف قليلًا بسبب التردد، فهي لا تعلم ما الذي قد يحدث لها أو ما الذي قد تراه بمجرد أن تشعر بتلك الدماء تمتزج بدمائها. أخذت نفسًا عميقًا، وأغمضت عينيها...

- تفعلينها بشكلٍ خاطئ.

فتحت عينيها بسرعة لتجد كيرا تقف أمامها مباشرةً.