✦✧ـــــــــــــــــــــــ✧✦ P . 14 ✦✧ــــــــــــــــــــــــــ✧✦
وقف رييس في حيرة من أمره بعد أن تركه الرئيس المدعو بـ"الألفا" بعد أن أصدر أمره الأخير.
- حية؟ بالكاد حية؟
فكر وهو ينظر لتلك المرأة الفاقدة للوعي التي اختطفها رجاله من فرنسا بعد أن أمر الألفا بذلك. أشاح بنظراته بعيدًا عنها وهو يشير لأحد الرجال.
- لا أريد أن يصلها أي مصدر للطعام أو الماء أو حتى الضوء.
أومأ الرجل وهو يحني رأسه له، بينما مر الآخر من أمامه للمصعد المؤدي لسطح الأرض.
بمجرد أن وطأت قدم أنس وطنه أخيرًا، سيطر عليه شعور لم يتوقعه، فبدلًا من الشعور بالراحة والاطمئنان شعر بارتباك وخوف مفاجئ.
- إيه التناقض دا بقا...
فكر وهو يخرج من بوابة المطار وينظر حوله.
- مش المفروض أكون حاسس بالقلق دا... على ما أظن يعني.
تنهد وهو يدخل لسيارة أجرة ويخبر السائق بعنوان بيته القديم. انطلقت السيارة بينما أرجع رأسه للخلف على المقعد ويتأمل الشوارع المزدحمة بالناس، حتى بدأ المشهد والشوارع مألوفين عليه. مر عام وبضعة أشهر منذ أن عاد للديار، ولكن لا يزال يخيم عليه شعور بالقلق وعدم الارتياح.
وبعد نصف ساعة تقريبًا، كان يقف الآن أمام بيته الذي أصبح مهجورًا الآن من أي حياة.
كان يتأمل البيت بنظرات غير مفهومة ومشاعر متداخلة.
سعادة وترقب وألم وحيرة.
شعر بحسرة تخيم على باقي مشاعره بمجرد إدراكه أنه عندما يدخل لذلك البيت لن تكون أخته هناك ليركض لها ويرتمي في أحضانها. أخذ نفسًا عميقًا وهو يمشي بخطوات مترددة حتى وقف أمام الباب المغلق، وبمجرد أن حاول فتحه حدث ما كان يتوقعه. الباب مغلق، وهو حتى ليس معه مفتاحه القديم، وهذا إذا افترضنا أن قفل الباب لم يتغير بعد الحادث. أشاح بنظراته بعيدًا عن الباب وهو يجوب بعينيه على كل أرجاء الهيكل الخارجي للبيت، حتى تذكر وجود نافذة خلفية.
- شباك أوضة إيلاف!!
فكر وهو يتحرك بسرعة ويدور حول البيت، متذكرًا تلك النافذة التي لطالما اشتكت منها أخته أنها لا تغلق جيدًا ودائمًا تفتح بكل سهولة حتى إذا أحكمت إغلاقها. وبمجرد أن وصل للجانب الخلفي للبيت، وقعت نظراته على تلك النافذة، والتي كانت كما توقعها مواربة قليلًا وبابها يهتز بسبب الهواء.
- طلع ليها فايدة في الآخر أهو.
ابتسم بانتصار وهو يفتحها ويرتكز بيديه ويدفع جسده للأعلى ويدخل. وبعد أن استقرت ساقاه داخل الغرفة، صُدم من كم الغبار الذي ملأها بسبب تلك النافذة غير المحكمة، ولكن بخلاف ذلك كان كل شيء كما يتذكره. صورهم المعلقة في كل ركن في الغرفة، والسرير المرتب الذي لطالما كان يختبئ تحته ليفزعها. تمشى في أركان الغرفة وهو ينظر لكل تفصيلة بحنين لا يمكن تحمله. وقعت نظراته على شيء فوق مكتبها الدراسي مغلف بطبقة من التراب تخفي معالمه. مد يده وهو ينفض الغبار عنه برفق ليشعر بشاشة زجاجية تحت يده، وبعد أن أمسك ذلك الشيء ورفعه وهو ينفخ الغبار بعيدًا، تفاجأ أنه الآيباد الخاص بأخته. اتسعت عينه بصدمة وحاول فورًا تشغيله، وهو شبه متيقن أنه الآن مثل قطعة الحديد بلا فائدة، ولكن ذلك اليقين رماه عرض الحائط بعد أن ظهرت علامة على الشاشة أن البطارية فارغة. التفت حوله بلهفة وهو يبحث عن الشاحن وينبش في ذكرياته في محاولة لتذكر أين كانت أخته تخبئ ذلك الشاحن حتى لا يأخذه ويعبث بالآيباد الخاص بها. لمعت عيناه عندما عادت نظراته للسرير.
- المرتبة!!
فكرة خرجت من عمق ذاكرته دفعته ليتقدم بخطوات سريعة للسرير ويرفع طرف المرتبة حتى تقع نظراته أخيرًا على الشاحن. ابتسم بانتصار وحماس ذكره بكل مرة كان يجده في نفس المكان ويسرقه هو والآيباد ليلعب لعبته المفضلة عليه _ PUBG _ ، ثم تجده أخته وتوبخه. هربت قهقهة منخفضة منه وهو يتذكر تلك الذكرى التي لطالما كانت محببة لقلبه وتشعره بالدفء. أمسك الشاحن وعاد بسرعة للآيباد وحاول تشغيله لعله يجد أي شيء يخبره بموقع أخته الحالي. بمجرد أن أضاءت الشاشة، ظهرت على الخلفية صورة لهما سويًا لا تظهر إلا أيديهما المتشابكة _ كان كلاهما يتمشى في الليل بينما هو يتقدمها بخطوتين ويمسك بيدها ويسحبها معه _ لم يشعر بتلك الابتسامة التي زحفت على شفتيه وهو يتذكر ذلك اليوم.
بعد جدال حاد بينهما، تخاصما لبضع ساعات قبل أن يذهب لغرفتها في الساعة 3 فجرًا ويوقظها رغمًا عنها ليصالحها، ثم اصطحبها معه للتمشية قليلًا واشترى لها الآيس كريم والشوكولاتة المفضلة لها لكي ترضى عنه.
أيقظ نفسه من تلك الذكرى بسرعة وأدخل رمز المرور، وأخذ يتنقل بين التطبيقات واحدًا تلو الآخر حتى دخل للإنستجرام، وبسرعة دخل للإعدادات يبحث عن آخر موقع وآخر جهاز سجل الدخول للحساب. توقفت أصابعه عن الحركة بمجرد أن وقعت نظراته على ما كان يبحث عنه.
الموقع: 6 أكتوبر، مصر الجهاز:***** تاريخ تسجيل الدخول: 25 يونيو 2025
- سجلت من منطقة 6 أكتوبر؟؟؟
اجتاح وجهه الكثير من علامات الاستفهام، فهو ليس له أقارب في تلك المنطقة بالتحديد، وما جعله يشعر بالمزيد من القلق أن آخر موعد للتسجيل كان منذ عام. وضع الآيباد جانبًا وهو شارد الذهن وغارق في قلقه وتفكيره، ولكنه تدارك الأمر.
جلوسه هنا لن يقدمه أي خطوة، لذا قرر البدء بالبحث من تلك المنطقة أو حتى إذا تطلب الأمر البحث في البلد بأكملها.
وقف وهو يلتقط الآيباد مرة أخرى ويفصله عن الشاحن ويضعه في حقيبته بالشاحن الخاص به، وبمجرد أن أغلق حقيبته...
كُسر باب الغرفة ودخل منه أربعة رجال شرطة وخامسهم يتقدمهم، وجميعهم يرفعون مسدساتهم في وجهه.
جفل بمجرد أن رأى ذلك المشهد، وبحركة لا إرادية تراجع بضع خطوات للخلف وقد ارتابه الفزع. قال من يتقدمهم، والذي بدا في مرتبة أعلى منهم:
- متتحركش من مكانك!
بمجرد أن سمع ذلك الأمر، ثبت في مكانه وكأنه تمثال ورفع كلتا يديه. تحرك اثنان من مكانهما وحاصراه وأمسكا به، وكان أحدهم يقيد يديه خلف ظهره بأصفاد حديدية.
- إنت مين؟ انطق.
قال ذلك الشرطي مرة أخرى وهو يتقدم نحوه حتى وقف أمامه مباشرة، ولكن أنس لم ينطق، فقد كان في حالة صدمة وارتباك من الموقف برمته، ولكن بدا الآخر غير مكترث وليس لديه وقت لهذه البلاهة.
- يعني يوم ما العصابة تبعت حد تاني يكون عيل صغير يدوب 16 سنة؟
قال بسخرية واضحة بينما وقعت تلك الكلمات على أنس مثل الصفعة، بينما الآخر أدار ظهره وهو يتحدث مع باقي الرجال.
- هاتوه.
- عصابة؟ هو بجد مفكر إني من العصابة؟؟ أحي!!
تمكن من أن ينطق أخيرًا بعد أن بدأ أحد رجال الشرطة بدفعه للتحرك.
- ثواني بس يا باشا، عصابة إيه؟!! بالله عليك دا منظر واحد في عصابة!
التفت الآخر له وهو ينظر له باستنكار.
- يبقا حرامي يا حيلتها.
- أنا مش حرامي ولا واحد من العصابة، أنا أنس خالد اللي اتخطف من سنة!!
توقف رجال الشرطة عن الحركة فجأة، والتفت ذلك الشرطي له مرة أخرى، ولكن هذه المرة ظهر على وجهه تعبير غير مفهوم بالنسبة لأنس. أشار لذلك الشرطي الذي يقيده، فقام بدفعه ليتحرك، وأنس تحرك فقط وسمح للآخر بدفعه حتى أصبح أمامه مباشرة.
- عيد اللي قلته تاني.
قال بصرامة وهو ينظر له دون أن يحرك نظراته بعيدًا عن عينيه لثانية واحدة. ورغم ارتباكه من الموقف برمته، لكنه تحدث مرة أخرى ليعيد ما قاله.
- يا باشا أنا أنس خالد، اتخطفت من سنة وكام شهر ولسة راجع مصر، مكملتش ساعتين حتى.
لم يرد الشرطي بعد سماع تلك الكلمات، بل اكتفى بأنه أشار لباقي الرجال بإحضاره، بينما سبقهم جميعًا وهو يخرج هاتفه بسرعة.
- بجد؟؟ دا أسلوب تقابل فيه حد مخطوف من سنة؟
فكر بينما كان الرجال يدفعونه ليتحرك ويخرجونه من الغرفة، وبينما كان يتحرك بصمت في الصالة متجهين نحو الباب، وقعت نظراته على بقع داكنة على الأرض. لم يحتاج الأمر لكثير من التفكير بعد أن رأى تلك العلامات الداكنة والبقع المنتشرة في معظم الأرضية.
- دم...
أبعد نظره بعد أن أخرجه الرجال من البيت ودفعوه للخارج، ليجد ذلك الشرطي يتحدث في هاتفه وهو ينظر له نظرات خاطفة، وتمكن من سماع بضع كلمات قبل أن يضعه أحد الرجال في السيارة.
كان يجلس في غرفة على مقعد وأمامه طاولة خشبية، وكانت الإضاءة مزعجة قليلًا لعينيه، كان يلتفت حوله في كل ركن، ويتأمل الغرفة التي كانت بالفعل فارغة إلا من تلك الطاولة والكرسي الذي يجلس عليه وكرسي آخر أمام الطاولة من الجانب الآخر. لم يدخل له أحد منذ نصف ساعة أو بمعنى أدق، منذ لحظة أن أدخله أحد رجال الشرطة هنا.
- حلو أوي، كان ناقصني أتحط في العك دا وألبس تهمة.
فكر وهو يعتدل في جلسته ويضع مرفقيه على الطاولة بينما يدفن وجهه بين يديه. سمع صوت الباب أخيرًا، ولكنه لم ينزل يديه، بل باعد المسافة بين أصابعه ونظر من بينها، وبمجرد أن رأى من دخل اتسعت عينه بذهول وهو يقف بسرعة. دخل عمه بسرعة وعلى وجهه تعبير من عدم التصديق، ليتبدل ذلك التعبير بسعادة وذهول، وبمجرد دخوله لحقه ذلك الشرطي الصارم.
- أنس!!
قال عمه غير مصدق لما يراه، وهو يقترب منه بسرعة ويسحبه بين ذراعيه في عناق.
- الحمد لله، الحمد لله!!
كان الآخر في حالة صدمة لدرجة أنه ظل ثابتًا في مكانه حتى وهو يشعر بعمه يعتصره بين ذراعيه، ولكن بعد عدة لحظات استفاق من صدمته ورد العناق قبل أن يبتعد أخيرًا.
- أنت كنت فين وإيه اللي حصلك؟
قال عمه بلهفة وهو يفحصه بعينيه، بينما الشرطي يقف بصمت عند الباب منتظرًا أن يسمع الإجابة هو الآخر.
- أنا... أنا كنت برا مصر...
قال وهو يتلعثم قليلًا في كلماته بسبب تلك النظرات الثاقبة المعلقة عليه. كانت علامات الحيرة واضحة على عمه قبل أن يقاطعهم الشرطي.
- بعد إذنك يا أستاذ عامر، أنا محتاج أقعد مع أنس لوحدنا.
التفت عامر وهو ينظر للشرطي، مدركًا أنه يريد التحقيق معه وأن يسأله بعض الأسئلة، لذا اكتفى بإيماءة وهو يفلت أنس أخيرًا ويخرج، تاركًا ابن أخيه مع الشرطي. جلس أنس مرة أخرى بعد أن أشار له الشرطي بيده، وهو الآخر جلس بعد أن أصبحا بمفردهما.
- مين اللي خطفك؟
قال وهو يعقد ذراعيه وينظر له بتركيز بعد ان وضع هاتفه على وضع التسجيل.
- ...أمي.
صُدم الشرطي لوهلة من تلك الكلمة.
- أمك قتلت طليقها ومراته واتسببت بعاهة في كتف بنتها؟؟
قبض أنس قبضته المرتجفة التي كان يريحها فوق فخذيه، والتزم الصمت... بجدية لا يوجد لديه تعليق على أفعال تلك المرأة.
- وهي فين دلوقتي؟
أخذ أنس نفسًا عميقًا ليهدئ نبضات قلبه وهو يحاول تذكر العنوان بالتفصيل.
- فرنسا، باريس، الدائرة السادسة عشرة. شارع أفينيو مونتين، المبنى رقم 18. الدور السابع — الجناح الشرقي.
تفاجأ الشرطي من دقة ذلك الوصف، وكأنه يجلس أمام مخبر ما.
- ليه قررت تخطفك لوحدك وسابت أختك يومها؟
- قالت إنها مش عايزاها...
قال أنس بصوت منكسر دون أن يرفع نظراته.
- يعني مكنتش عايزاها من سنة وفجأة افتكرت إن ليها بنت وعايزاها!
رفع أنس نظراته بعد أن سمع تلك الكلمات، وهو يشعر أنه لا يفهم ما يلمح له الشرطي، وبدا الارتباك واضحًا على وجهه. أما الشرطي فقد لاحظ ذلك وهو يكمل ويوضح كلماته.
- إيلاف اتخطفت هي وبنت عمك من شهر.
اتسعت عيناه بصدمة وقال بصوت مرتفع دون وعي:
• أنت بتقول إيه؟!!
كان لونغ يمسك رأسه بقوة وظهره منحنيًا للأمام، وهو يشعر وكأن رأسه سينفجر منذ اللحظة التي خرج فيها من القاعة بعد ذلك الاجتماع اللعين. كانت عروق ذراعيه بارزة بشدة وتنبض بلون قرمزي داكن، وهو يشعر بحرارة تجتاح جسده، وكأن بركانًا ثائرًا انفجر بداخله، وأنفاسه تخرج على شكل بخار. سقط على ركبتيه وهو يضع يده على قلبه، وهو يشعر بألم حاد يجتاح صدره لدرجة أنه لا يستطيع الوقوف بعد الآن. كانت همسات مشوشة بعيدة تحاوطه من كل اتجاه، وهو عاجز تمامًا عن تحديد مصدر تلك الأصوات أو حتى فهم ما تقوله، ولكن كل ما يراه وهو في حالته تلك مجرد ذكريات مشوشة.
كل ذكرى كان فيها مع "إيلاف"، سواء في محادثة وهو يبتسم كالأبله ويرد بشغف على كل رسالة، أو في مكالمة فيديو عشوائية بحجة تعلم اللغة، وكلاهما يحدق في الآخر ويبتسم، نهاية بذلك اليوم الذي انقلبت حياته رأسًا على عقب. بعد تلقيه لرسالة من حساب فتاة من أقاربها، محتواها أن إيلاف الآن مخطوبة لشخص آخر، وهذا سبب اختفائها عنه لثلاثة أشهر.
تذكر كيف بكى بحرقة وتحول نحيبه إلى صيحات غضب من كل شيء.
خذلان حبيبته له بعد أن سعى جاهدًا للوصول لها.
تجاهل أهله لوجوده والتقليل من شأنه إلا وقت احتياجهم للمال.
خيانة أصدقائه له بكل وسيلة أتيحت لهم، وكأنه شيء يمكن الاستهانة به والتخلي عنه.
هي السبب.
همسة بعيدة سمعها بوضوح من بين كل الضوضاء داخل رأسه.
لو لم تتخلَّ عنك...
- كفى!!
نطق بصعوبة معترضًا على تلك الهمسات اللعينة التي اجتاحت رأسه ويحاول جاهداً المقاومة.
هي سبب لعنتك... هي السبب.
وضع يديه فوق أذنيه وهو يضغط بقوة، وكأنه على وشك سحق جمجمته، ولكن دون جدوى، وارتفعت الهمسات في الارتفاع حتى أصبحت واضحة تمامًا... صوت خشن يحمل بغضًا وكراهية واضحين في كل كلمة يقولها.
كانت مجرد كاذبة، لم تحبك يومًا. بسببها قتلت كل أسرتك. بسببها لُعنت.
أغمض عينيه بقوة وهو يطلق صيحة متألمة هزت أرجاء الغرفة، بينما بدأت أطراف يده تشتعل ببطء بلهب... أسود قاتم.
فتح عينيه الدامعتين وهو ينظر لأصابعه المشتعلة، ولا تزال تلك الهمسات تتردد في رأسه دون رحمة. اجتاح صدره شعور كان قد أوشك على نسيان أنه يمتلكه. شعور سعى جاهدًا للتخلص منه ورميه في أعماق اللاوعي.
شعور بالعجز... بل حتى بالخوف...
شعر وكأن روحه ترتجف خوفًا مما هو آتٍ. أشاح بنظراته بعيدًا عن أصابع يده المشتعلة والتي ألحقت لهبها بكامل كفه. ارتكز على يديه وهو يدفع جسده ليقف بصعوبة رغمًا عنه. كان يترنح ويتكئ على الجدار وهو يمشي بصعوبة ليخرج من تلك الغرفة الخانقة، وبمجرد أن فُتح الباب وجد نفسه يسقط مرة أخرى على ركبتيه في الردهة الطويلة الخالية من أي شخص سواه. بدأ يزحف وهو يستند بيده على الجدار ويحاول الوقوف مرة أخرى، وتليها الأخرى بمجرد فشله. رؤيته ضبابية مشوشة من كل الدموع المتجمعة في عينيه بسبب الألم الحارق المنتشر في صدره ورأسه، وشعوره لأول مرة بألم بسبب اللهب المشتعل في يديه.
نظر ليده المستندة على الحائط وهو يرى اللهب يبدأ بالتوسع والانتشار حتى وصل لبعد معصمه بقليل، وتزايدت الهمسات أكثر وأكثر.
بعد سماعه سابقًا من رييس في ذلك الاجتماع بماضي ألفا اللهب وألفا الزمن، أدرك أن تلك الهمسات ما هي إلا مجرد غريزة مدفونة بداخله... وها هو الآن يصارعها حتى ولو بدا الأمر محسومًا مسبقًا.
استمر بالمشي بضعف في الردهة، ولكن ذلك اللهب الأسود اللعين استمر بالانتشار حتى أوشك على الوصول لنصف ذراعيه. ارتجف جسده بقوة وهو يشعر بذراعيه تحترقان كلما زحف اللهب أكثر وأكثر على ذراعيه.
• آهـ-ه تباً...
لعن وهو يضرب بقبضته على الجدار ويطلق صيحة أخرى من شدة الألم.
بمجرد أن فتح عينيه ونظر أمامه مرة أخرى، رأى ستون وخلفه بخطوتين إيلاف.
كلاهما ينظران له بصدمة من منظره. مستند على الحائط وذراعاه بالكامل تقريبًا مشتعلان بلهب أسود قاتم ووجهه شاحب وعيونه بالكاد يستطيع ابقائها مفتوحة.
- ما الذي يحدث لك بحق اللعنة!!
قال ستون وهو يقترب منه بضع خطوات، ولكن أوقفه صوت إيرونا.
- لا تقترب منه!!.
قالت وهي تمسك بذراعه وتسحبه للخلف.
- هو غير مستقر الآن ولا في وعيه، ربما يؤذيك عن طريق الخطأ.
نظر لها بطرف عينيه، واكتفى بالتراجع بضع خطوات للخلف ويدفعه بذراعه برفق خلفه.
- ما المطلوب منا الآن؟ حبسه؟
نظرت له إيرونا بارتباك، وهي الأخرى لا تعلم ما الذي يجب فعله الآن. ولكن إيلاف لم تكن تسمع أي كلمة تقال حولها. كانت نظراتها معلقة عليه بثبات. ذراعاه المشتعلان بلهب أسود. تذكرت تلك الرؤية.
اللهب الأسود. الكيان الذي قتلها.
شعرت أن حركتها شُلت تمامًا، وهو الآخر لم يحرك نظراته عنها.
- إيلاف...
همس بصوت مبحوح وهو يتحرك نحوها ولا يزال متكئًا على الحائط.
شهقت وهي ترى المشاهد تتداخل بين الحاضر وتلك الرؤية عندما سمعت ذلك الكيان يهمس بإسمها بنفس النبرة لم تتحرك خطوة واحدة، لا للأمام أو حتى تتراجع للخلف.
نظر كلٌّ من ستون وإيرونا لها منتظرين منها أن تتحرك أو تقول أي كلمة، ولكن لا يوجد أي رد فعل.
فقط تحدق به وهو يقترب منها ببطء. حاولت إيرونا أن تتحرك من خلف ستون لتسحبها بعيدًا، ولكن ستون لم يسمح لها لأنه أحاط ذراعها بيده وسحبها بقوة خلفه.
- لا تتحركي!!
همس وهو يراقب ما يحدث بتركيز. استمر الآخر بالتقدم حتى وقف أمامها مباشرة. كانت ترفع رأسها قليلًا لتتمكن من النظر لوجهه.
التقت أعينهما.
عيناه دامعتان، لاحظت اتساع بؤبؤ عينيه وهو لا ينظر لأي شيء آخر إلا لعيونها.
شعرت بنبضات قلبها تتسارع بجنون.
همس وهو يمد يده نحوها.
ولكن توازنه اختل في تلك اللحظة، لينهار جسده عليها ويسحبها ويسقط كلاهما على ركبتيهما.
- إيلاف، ابتعدي!!
صرخت إيرونا وهي تحاول جاهدة الإفلات من يد ستون.
ولكن صوتها لم يصل لإيلاف... شُلَّت كل الأصوات وكل الأشخاص المحيطين بهما.
كل ما تشعر به هو رأسه المستند على كتفها وحرارة ذراعيه المشتعلين التي تحرق جلد ذراعيها.
- إيلاف...
همس مجددًا، ولكن هذه المرة صوت الهمس واضح لأن رأسه لا يزال مستندًا على كتفها.
- لِمَ رحلتِ وتركتِني وحدي...
كلماته كانت ثقيلة على قلبها وهي تسمع الضعف في صوته.. لم تجد ردًا... بل عجزت حتى عن التفكير في أي رد.
شعرت أن الهواء من حولها أصبح قليلًا جدًا لدرجة خانقة.
- لـ... لونغ...
همست بصوت مرتجف وهي تشعر بغصة في حلقها ودموع بدأت بالتجمع في عيونها.
رفع رأسه قليلًا عن كتفها لينظر لعيونها مرة أخرى من بين جفونه.
بؤبؤ عينيه يتسع لثانية ثم يضيق في الثانية التالية، وكأنه في صراع داخلي.
- أكره كوني عاجزًا عن كُرهك...
وصلت همساته تلك لإيرونا وستون، اللذين بدورهما كانا يشاهدان ما يحدث بعدم تصديق أن ذلك يحدث أصلًا. كان اللهب الأسود وصل لكتفيه، والاخرى شعرت بالنار تلفح كتفيها من شدة القرب بينهما. كانت تنظر لعينيه وهي لا تشعر بدموعها التي بدأت تنهمر على خديها. هبطت نظراته لدموعها قبل أن تعود مرة أخرى لعينيها. رفع يده المشتعلة وهو يقربها من وجهها ورغم وعيها ان وجهها سيحترق اذا لمسها بذلك اللهب ولكنها لم تكن قادرة حتى على النطق اغمضت عيونها بقوة وهي تشعر بحرارة حارقه في يدة التي يقربها من خدها ولكن تلك الحرارة تلاشت فجأة لتشعر فقط بدفء كفة الذي استقر على خدها وهو يمسح دموعها بحنان. فتحت عينيها لترى اللهب الاسود اختفى من يدة عكس ذراعة الذي لايزال مشتعل وهو يهمس مرة اخرى...
- أكره أنني لا أزال أحبك...