تحرك الثالث في مقعده بانزعاج واضح، ونظر طويلاً نحو سقف الورشة الرخامي كأنه يزن الكلمات، ثم التفت نحو كايل وقال بنبرة جافة وقاطعة: — هذا هو المنطق.. لكنه منطق صحيح في رأسك أنت فقط يا كايل! لا يوجد أي دليل ملموس يثبت أن هذا الابتكار لن يتعطل فجأة ويفجر جسدي إلى أشلاء بسبب فيضان الطاقة المقدسة.. لذلك: لا، لن أجرب أي شيء يتعامل مع الطاقة السحرية. هبطت علامات الخيبة على وجوه أكي، وليون، وكايل. وفي الحقيقة، كان الثالث في عقله يحسب الاحتمالات أيضا ؛ نعم، الحصول على درع طاقة يوفر حماية شبه كلية قد يمنحه بضع فرص إضافية للنجاة في المواقف الحرجة، لكن المخاطر الكامنة فيه أكبر بكثير من فوائده، فاحتمالية انفجاره نتيجة عدم وجود طاقة حيوية في جسده لامتصاص الصدمة الارتدادية كانت مرتفعة للغاية. تنهد كايل بإحباط، لكنه ابتسم بتفهم قائلًا: — حسناً.. لا بأس يا صاح، أنا أتقبل شكوكك وحذرك. ولكنني أعدك بأنني سأصنع لك في المرة القادمة شيئاً ميكانيكياً بحتاً يساعدك في الدفاع عن نفسك دون الحاجة لملامسة طاقة الهالة. تدخل ليون ليعيد توجيه النقاش: — حسناً، الآن بعد أن حصلنا على بعض الدفاعات الجيدة بفضل قلاّدات كايل، علينا البدء فوراً في التخطيط لكسب القوة الحقيقية. يجب أن نحقق في أمر الملعون الأول، وكيف يمكننا البقاء أحياء لمدة 500 سنة، أو ربما البحث عن وسيلة سحرية تمنح هذا العالم فرصة لاستدعاء أبطال آخرين بعدنا. هنا، تقدمت أكي خطوة وقالت بنبرة ذكية: — حسناً.. بما أننا ما زلنا داخل الأسوار، يمكننا الحصول على هذه المعرفة من مكتبة القلعة الملكية؛ فأنا أشك في وجود مصدر للمخططات التاريخية أفضل منها في الجنوب. وكذالك، فإن التدريب المستمر هنا سيجعل الإمبراطور يمنحكم كل الموارد والأسلحة التي نحتاجها.. لنستغل هذا الأمر لصالحنا تماماً. وفي نفس الوقت الذي كان فيه الخماسي يخطط في الورشة، لم يكونوا يعلمون أن تروس العالم الخارجي قد بدأت تتحرك بالفعل بسرعة مرعبة. وفي أقصى الصحراء الشرقية، داخل البرج الشاهق المنتصب وسط الواحة.. وقف ضابط الكشافة أمام المكتب الخشبي الكبير، وقال بنبرة قلقة: — سيدي القائد.. لقد انقطع الاتصال تماماً مع الجواسيس الذين أرسلناهم إلى إمبراطورية الجنوب، وغالباً تم الإمساك بهم وتصفيتهم من قِبل الحرس الإمبراطوري.. أظن حقاً أن الإمبراطورية تجهز لشيء ضخم وقريب. تحدث الرجل الجالس وراء المكتب بنبرة هادئة وعميقة، ولم يبدُ عليه الاضطراب: — أه.. شكراً لك على التقرير، يمكنك المغادرة الآن. وقف القائد ذو البشرة السمراء، والشعر القصير الذي يمتزج لونه بين الأبيض والنيلي البارد. كان عريض المنكبين، ذو ملامح حادة وصارمة تخترقها ندبة عميقة في وسط وجهه تشهد على معارك ماضية طاحنة. تحرك نحو النافذة الكبيرة لبرجه الشاهق، وأخذ ينظر إلى الرمال الذهبية الممتدة في الصحراء اللامتناهية. قُطِع سكونه بقرع مجدد على الباب، فقال بصوت جهوري: — تفضل. دلفت فتاة من فرقة القيادة، وكانت أصغر سناً من القائد، وقالت والاضطراب بادٍ على وجهها: — سيدي القائد، نحن نواجه مشكلة خطيرة! الطريق الرئيسي المؤدي إلى السهول الوسطى يتعرض لهجمات شرسة ومتكررة من وحوش الطاقة البنية الكثيفة في الآونة الأخيرة، مما يمنع وصول القوافل التجارية والبضائع إلينا تماماً. لقد بدأ هذا الأمر يؤثر سلباً على اقتصاد "المدينة الشق" و"واحة الرحالة"، وأظن أن الأزمة ستزداد سوءاً لتصل إلى بقية المناطق المحيطة؛ فإقليمنا الشرقي يعتمد كلياً على حركة التجارة والموارد الغذائية القادمة من السهول الوسطى! قبض القائد يده بغضب مكتوم وتمتم: — أولاً أخبار الإمبراطورية والأبطال، والآن هياج الوحوش هذا في الشريان التجاري!.. حسناً، قومي بجمع أعضاء الطاقم العسكري كله فوراً، سنعقد اجتماعاً طارئاً وحاسماً الليلة في المساء لتوزيع الفيالق وتأمين الطرق. انحنت الفتاة باحترام شديد وقالت: — حسناً سيدي. ثم غادرت وأغلقت الباب خلفها. التفت القائد نحو مكتبه، ووقع نظره على كتاب قديم ذو غلاف جلدي مهترئ كان موضوعاً فوق الأوراق، يحمل عنواناً قديماً: "رحلة البطل". وفي إمبراطورية الجنوب، بعد مرور عدة أيام.. خرج ليون وكايل ودرون، وبرفقتهم أكي، إلى الغابات المحيطة بالعاصمة في مهمة صيد رسمية واكتساب خبرة قتالية ميدانية واختبار الدروع، بينما تم تكليف البطل الثالث بالمهمة؛ البقاء في القصر والتوجه إلى المكتبة الملكية لجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات اللوجستية والتاريخية. كان الشاب الأسمر يجلس وسط أطنان من الكتب والمخططات القديمة في قاعة المكتبة الشاسعة والمظلمة. في الحقيقة، كان يعرف بالفعل الكثير من جغرافية وتاريخ هذا العالم بفضل قراءاته السابقة، لكن ما أثار اهتمامه هذه المرة كان شيئاً آخر تماماً.. أراد فهم "منطق وقوانين القوة" في هذا العالم بشكل علمي، وكيف أن جسده هو الوحيد الذي يمثل "الصفر المطلق" ولا يملك أي ذرة طاقة حيوية. انغمس لساعات طويلة في دراسة أساسيات الهالة وتدفق الطاقة، لكنه اكتشف أن معرفة هذا العالم وتوثيقه الأكاديمي كانت سطحية ومفتقرة للمنطق؛ فكل ما ورد في المخططات البشرية كان مجرد رصد لبعض الأشخاص الاستثنائيين الذين امتلكوا مهارات غريبة، أو فرسان استخدموا طاقاتهم بطرق مبدعة لتجاوز الحدود البشرية، دون شرح "السبب " وراء ذلك. وبعد تقليب مئات الصفحات الغامرة بالغبار، عثر على كتاب قديم يتحدث عن "الملعون الأول". احتوى الكتاب على نفس المعلومات التاريخية التي عرفها سابقاً ، لكن كان هناك اختلاف جوهري واحد صدم عقله البارد؛ المخطوطة كانت تركز على فرضية غريبة ومختلفة تماماً.. وهي أن "الملعون الأول ليس شخصاً أو وحشاً ينتمي لهذا العالم من الأساس.. بل هو كيان قادم من مكان آخر تماماً، تم استدعاؤه بطقوس شبيهة بطقوس استدعاء الأبطال!". طرح الكتاب تساؤلاً مرعباً في نهايته: «إذا كان الملعون الأول وحشا مستدعى في الأصل.. فمن الذي قام باستدعائه من البداية ولأي غرض؟» توقفت أصابع الثالث فوق الصفحة، وتوسعت عيناه خلف قناعه البارد؛ بدت الفكرة غريبة لمادا يستدعي أحد وحش لايستطيع تحكم الفيه تبا سكان هادا العالم غريبون.