أسطورة العهد والدنس: كيف دمرنا كل شيء

الفصل 13: الصيد

استمر الثالث في بحثه المجهد، يسبر أغوار الوثائق واللفائف القديمة، لكن كل ما وقعت عليه يداه لم يكن سوى خيبة أمل متكررة ومعلومات لا نفع منها. وبينما كان ينوي تحويل مسار بحثه إلى أماكن أخرى، التقطت أذناه بالصدفة همساتٍ تتردد في أروقة القصر؛ شائعات تُفيد بأن «خزينة القصر المحصنة» تحتفظ بآثار ومعدات نادرة خلفها البطل السابق. ​ضيّق الثالث عينيه مفكراً: ​"ربما يتطلب الأمر مني التسلل إلى هناك.. إن الوصول لآثاره قد يعطيني لمحةً حقيقية عما حدث في الماضي... لكن كيف لي أن أقتحم خزينة القصر؟ تباً، إنه صداعٌ حقيقي!" ​في هذه الأثناء، وفي قلب غابة كثيفة يلفها الصمت، كانت المجموعة تتحرك بحذر وشبه انعدام للوزن. تسللت «أكي» بخفة يتلوها «ليون»، وعيونهما ترصد المحيط كشبحين يتربصان بفريسة. ​وفجأة، شق صوت «كايل» سكون الغابة صارخاً: «الآن!» ​من أعلى القمة الصخرية لشلال هادر، قفز القزم «درون» والهواء يعصف حوله، قابضاً على فأسه بجلادة وهو يهوى كالصاعقة نحو كائن ضخم للغاية—وحشٌ يُشبه وحيد القرن لكنه بحجم فيلٍ بالغ، كان يلغ بلسانه من مياه الشلال. ​هوى الفأس كالمقصلة، غير أن غريزة الكائن كانت أسرع؛ فاندفع بضع خطوات إلى الخلف مجتنباً الضربة الفتاكة. وفي لحظة، اشتعلت هالة ضارية حول جسد الوحش، واستدار مستعداً للانقضاض على درون! ​تراجع درون خطوة إلى الخلف وهو يتمتم بحنق: «تباً.. يبدو أن الخطة قد فشلت! حيوانات "تورك" هذه حساسة للغاية تجاه الطاقة الحيوية.. ماذا نفعل الآن؟» ​جاءه صوت كايل الهادئ والمُستفز من أعلى الشلال: «ماطله قليلاً حتى نجهز الفخ!» ​صَرَخ درون وهو يراوغ بعينيه: «لماذا تتركون دائماً المهام الصعبة لهذا العجوز؟ أليس لديكم ذرة احترام لكبار السن؟!» ​رد كايل بنبرة ساخرة وهو يُعد أدواته: «عجوز؟ أجل، يمكنك خداع الجميع بهذه الحيلة إلا أنا! هل يستطيع عجوزٌ هرمٌ ومتهالك أن يفلق صخرة صماء بفأسه بنصف ضربة؟ لا أظن ذلك!» ​في تلك اللحظة، انقض وحش «تورك» بكامل ثقله نحو درون. اندفع القزم جانباً في آخر جزء من الثانية، متفادياً الهجوم ببراعة، لكن الوحش غيّر اتجاهه بسرعة وكرر المحاولة زاعقاً بغضب. استمر درون في التفادي والمراوغة بصعوبة، حتى جاءه صوت كايل مجدداً: «حسناً! استدرجه نحو الأشجار هناك!» ​ركض درون بكل ما أوتي من قوة بين جذوع الأشجار وهو يصرخ كالمجنون: «أي شجرة بالتحديد؟! هذا الشيء قد جن جنونه بالكامل، والغابة تفيض بالأشجار!» ​وبينما كان القزم يركض للهرب والحيوان يلاحقه كالجبل المتحرك، تسللت خيوطٌ أثيرية دقيقة من بين جذوع الأشجار كأنها أفاعٍ غير مرئية. التفت الخيوط بسرعة خاطفة حول أطراف الوحش، لكن ضخامته وقوة اندفاعه جعلته يتجاهلها تماماً ويواصل الركض. ​وفجأة، انقبضت الخيوط بقوة محاولة كبح الكائن، فتوقف جسده الضخم لحظياً، غير أن زخم حركته الهائل لم يتوقف! استمر الوحش بالاندفاع إلى الأمام ساحباً معه مصدر الخيوط—والتي لم تكن سوى «أكي»! ​لم تستطع أكي السيطرة على زخم القوة، وحاولت بعناد تثبيت قدميها في الأرض وإطلاق طاقتها، لكن دون جدوى؛ لم تكن القوة متكافئة، فبدأ الوحش يجرها خلفه كالعصفور في مهب الريح. ​أصبح المشهد فوضوياً؛ درون يركض هرباً في الأمام، والوحش يطارد درون بضراوة، وأكي تنجر خلف الوحش وهي تقاوم بكل جوارحها! ​أدرك درون أنه لا مفر من المخاطرة. توقف فجأة في مكانه، وسحب فأسه إلى الخلف، ثم شحذ طاقته الحيوية إلى أقصاها قبل أن يكبحها داخلياً فوراً—مراهناً بالكامل على درع القلادة السحرية. ​وقف القزم كالسد المتين، معززاً بنيته الداخلية بالهالة. في تلك اللحظة، استجابت القلادة واشتعل الدرع بوميض خافت! ​اصطدم وحش «تورك» بدرون مباشرة! حدث الصدام بحجم انفجار صغير؛ أوقف الدرع تقدم الوحش، لكن قوة الارتطام جعلت الأمر أشبه بوضع حاجز متين بين قاطرة مسرعة وجدار. وفي حركة غير متوقعة وبردة فعل خاطفة، انزلق درون من أسفل بطن الوحش، ليمر الكائن الضخم فوقه ويستمر في اندفاعه إلى الأمام.. سابحاً في أثره «أكي» التي كانت تنجر خلفه كالخرقة البالية! ​وفجأة... توقف الوحش تماماً في مكانه. ​تغير الحضور في أرجاء الغابة بالكامل. سكن الهواء، وانخفضت درجة الحرارة لمستويات مرعبة. ​إنه «ليون». ​أطلق ليون طاقته الرهيبة، وتحرك بسرعة تتجاوز حدود البصر؛ وفي أجزاء من الثانية، كان قد قطع الخيوط الأثيرية التي تربط أكي بالوحش، وأمسك بها قبل أن ترتطم بالأشجار. ​تكلم ليون بصوت هادئ وهو يتفحص المكان: «يبدو أن هذا الكائن قويٌ بالفعل..» ​كانت أكي تعاني من دوارٍ شديد وألمٍ جراء الجر السريع على الأرض. وضعها ليون برفقة ولطف على الأعشاب، ثم التفت بخطوات ثابته نحو الوحش. ​أدرك وحش «تورك» بفطرته وغريزته الحيوانية أن الكائن الواقف أمامه ليس فريسة.. بل هو الموت نفسه. أردك أنه يجب أن يهرب فوراً، وهذا ما كان سيفعله بالضبط، لولا أن ليون تحرك بسرعة مرعبة وشق الهواء—قاطعاً أطراف الوحش الخلفية قبل أن يدرك أحدهم حركة سيفه! ​أصيب الوحش بارتباكٍ شديد وخوف شل حركته؛ فهو لم يلاحظ حتى كيف ومتى قُطعت أرجُله! وعندما رفع رأسه المذعور، وجد ليون واقفاً أمامه مباشرة... ​بلمحة عين، وجه ليون ضربة خاطفة قاطعة، فصلت رأس الوحش الضخم عن جسده في كسر من الثانية، ليهوي الجسد الهائل أرضاً وتتفجر الدماء. ​من أعلى التل، كان «كايل» يراقب المشهد بأكمله بعينين مذهولتين، ثم زفر بنشيج وتمتم لنفسه: ​«تباً... إنه في مستوى مختلف تماماً عنا. هذا الشيء الذي يمتلكه... فوق قدراتنا جميعاً دون أدنى شك!»