أكاديمية الدم الملعون ج2

الفصل 2: Part 2

Part 2

لم يكن صباح أكاديمية فالينور يشبه أي صباح آخر ، السماء الرمادية فوق الأبراج الحجرية بدت أثقل من المعتاد و كأن الغيوم نفسها رفضت أن تتحرك ، الرياح الباردة كانت تمر ببطء بين الأشجار القديمة في الساحة الكبرى تحرك الأوراق اليابسة على الأرض بصوت خافت يشبه الهمس . لم يتحدث أحد و الطلاب اصطفوا في صمت طويل يمتد عبر الممرات الحجرية المؤدية إلى ساحة الطقوس حتى الكائنات التي كانت تملأ الأكاديمية بالحياة عادة _ الذئاب المتحولة ، السحرة الشباب ، مصاصو الدماء _ وقفوا اليوم بلا حركة . الكل يرتدي الأسود و في وسط الساحة ، ارتفعت منصة حجرية قديمة استخدمت منذ قرون لمراسم الأكاديمية الكبرى ، و على تلك المنصة وُضع تابوت طويل من الخشب الداكن ، محفور على جوانبه رموز قديمة للحماية. لكن التابوت لم يكن مغلقًا كان مفتوحًا و الجميع يستطيع أن يرى ما بداخله - جسد آلثاك ، كن مستلقيًا بهدوء غير طبيعي ، يديه متقاطعتين فوق صدره ، عباءته السوداء التي اعتاد ارتداءها في الأكاديمية أُعيد ترتيبها بعناية حوله . لكن وجهه لم يعد وجهًا لأن القناع الأسود الأملس غطى ملامحه بالكامل ، لم يكن قماشًا أو معدنًا بل شيء آخر ، سطح مظلم لامع قليلاً بلا عينين و بلا فم و بلا أي تعبير و كأن الظل نفسه قرر أن يتخذ شكل وجه ، كل من نظر إليه شعر بقشعريرة تسري في عموده الفقري . همسات خافتة انتشرت بين الطلاب_ " هل ... هذا حقًا وجهه " _ " إنه ليس قناعًا ... " _ " يبدو وكأن الظل تجمد هناك " لكن لم يجرؤ أحد على الاقتراب أكثر ، وقف المعالجون حول المنصة في صمت ، أرديتهم البيضاء تتمايل مع الرياح الباردة و على الأرض حول التابوت كانت مرسومة دائرة سحرية خافتة التوهج . رموزها تتحرك ببطء و كأنها تحاول احتواء شيء لا ينبغي أن يكون هنا لأن الظل لم يختف ، كان القناع الأسود على وجه آلثاك ساكنًا ، لكن أحيانًا للحظة قصيرة جدًا كان سطحه يتموج كالماء كأنه يتنفس. في الصف الأمامي من الحشد وقفت مارغريت لم ترتدِ عباءة الأكاديمية اليوم ، فستان أسود بسيط يصل إلى الأرض ، شعرها الفضي منسدل على كتفيها بلا ترتيب و وجهها شاحب أكثر من المعتاد و عيناها ثابتتان على التابوت . لم تبكِ فمنذ الليلة الماضية لم تبكِ مرة أخرى ، كانت فقط تنظر الجسد الذي كان يومًا أخاها ، حولها وقف الطلاب بصمت لكن المسافة بينهم و بينها كانت واضحة . لم يقترب أحد كثيرًا و كأن هالة باردة غير مرئية تحيط بها بجانبها كانت نيكيتا ، عيناها حمراوان من البكاء و يداها متشابكتان بقوة أمامها ، كانت تحاول أن تبقى واقفة لكن كتفيها يهتزان أحيانًا حين يهرب منها نفس مرتجف ، همست دون أن تنظر بعيدًا عن التابوت_ " ما زلت لا أصدق..." لم تجب مارغريت ، ظل نظرها مثبتًا على القناع الأسود ، أما على الطرف الآخر من الصف الأول وقف لوسيان ، ذراعاه متقاطعتان أمام صدره تعبير وجهه هادئ لكن الهدوء لم يكن حقيقيًا ، كان يشعر بشيء ضغط خفيف في صدره ونبض غريب يسري تحت جلده كلما نظر إلى جسد آلثاك . - رابطة الدم - لم تكن قوية لكنها كانت موجودة مثل خيط غير مرئي يشد بينه و بين الجسد داخل التابوت ، و أكثر ما أزعجه أن ذلك الخيط لم يكن ميتًا ، خفض لوسيان عينيه للحظة ثم رفعهما مجددًا نحو القناع الأسود و لوهلة قصيرة جدًا أقسم أنه رأى الظل على سطح القناع يتحرك ببطء كأنه يحاول أن يتشكل ، شد قبضته دون أن يدرك. صوت خطوات ثقيلة قطع الصمت أخيرًا ، تقدم المدير فيكتور نحو المنصة ، عباءته الداكنة الطويلة انسابت خلفه و هو يصعد الدرجات الحجرية ببطء ، وجهه كان جامدًا كعادته لكن التعب كان واضحًا في عينيه ، توقف بجانب التابوت نظر إلى الجسد داخله لثوانٍ طويلة. ثم رفع رأسه أخيرًا نحو الحشد ، صوته حين تكلم كان منخفضًا لكنه وصل إلى الجميع_ " آلثاك " توقف لحظة ، الريح مرت بين الأشجار خلف الساحة حاملة صوت الأوراق اليابسة معها ثم أكمل ... " لم يكن مجرد أستاذ في هذه الأكاديمية " عيناه انتقلتا للحظة نحو مارغريت ثم عادتا إلى الطلاب ... " كان حارسًا " صمت قصير ... " و كان مقاتلًا " أحد الطلاب في الصفوف الخلفية خفض رأسه ... " و كان ... الشخص الذي وقف بين هذه الأكاديمية و الظلام أكثر مما يعرف معظمكم " الهمسات اختفت تمامًا ثم أكمل فيكتور بصوت أثقل ... " لقد قاتل مجلس الظلال مرات أكثر مما يمكنني أن أذكر " عيناه عادت للحظة إلى القناع الأسود ... " و حتى في موته " توقف ثم قال ببطء ... " ما زال يقاتل " بعض الطلاب تبادلوا نظرات مرتبكة لكن لوسيان فقط شعر بالقشعريرة لأن الكلمات لم تبدُ كخطاب جنازة بل كتحذير . اقتربت نيكيتا خطوة أخيرًا من التابوت لم يمنعها أحد ثم وقفت بجانبه ، تنظر إلى القناع الأسود الذي ابتلع ملامح الرجل الذي عرفت ضحكته و صوته لسنوات ، يدها ارتفعت ببطء ترددت في الهواء ثم وضعت شيئًا صغيرًا فوق صدره ، كان عبارة عن خاتم فضي بسيط . همست بصوت بالكاد سمعه من يقف قريبًا._ " قلت إنك ستستعيده عندما تنتهي هذه الحرب " دمعة سقطت على العباءة السوداء ... " لكنك كذبت " اقتربت مارغريت أخيرًا ، لم يكن اقترابًا سريعًا أو عاطفيًا كما توقع البعض بل خطوة ثم خطوة أخرى ببطء شديد كأن كل حركة تكلفها جهدًا أكبر مما ينبغي ، الطلاب في الصفوف الأمامية ابتعدوا قليلًا دون أن يطلب منهم أحد ذلك ، و الطريق إلى التابوت انفتح أمامها بصمت . صوت حذائها الخفيف على الحجر كان الصوت الوحيد في الساحة ، توقفت أمام المنصة للحظة ، رفعت عينيها نحو الجسد داخل التابوت و نظرت إلى القناع الأسود الذي كان يعكس ضوء السماء الرمادية فوقهم ، سطحه الأملس بلا أي تعبير و بلا أي شيء يشبه الإنسان الذي كان يومًا يقف أمامها و يوبخها ببرود . ظلت تنظر ثانية ، ثانيتين ثم صعدت الدرجات الحجرية الثلاث ببطء ، حين وصلت إلى التابوت لم تمد يدها مباشرة وقفت فقط ، نظرت إليه من الأعلى إلى الجسد الذي كان يومًا أطول منها بكثير ، إلى الرجل الذي كان يقف دائمًا خلفها كجدار لا يتحرك ، صمت طويل مر كان صمت أطول مما يستطيع معظم الناس احتماله ثم تكلمت أخيرًا ، و صوتها خرج هادئًا بشكل غير طبيعي_ " تبدو .... هادئًا " بعض الطلاب تبادلوا نظرات سريعة لم تكن هذه الجملة ما توقعه أحد لكن مارغريت لم تنظر إلى أحد ، كانت تنظر فقط إلى القناع الأسود_ " أكثر هدوءًا من المعتاد " صمتت لحظة ثم أمالت رأسها قليلًا ... " لا أحد هنا يصرخ عليك " زفرة خفيفة خرجت من أنفها كأنها سخرية صغيرة ... " و لا أحد يجادلك " عينها تحركت قليلًا فوق القناع ... " راهن أنك تكره ذلك " الرياح مرت بين الأشجار مرة أخرى و حملت معها بضع أوراق جافة عبر الساحة ، أخفضت مارغريت نظرها نحو صدره حيث وُضع الخاتم الفضي ، تعرفت عليه فورًا ثم ارتفعت زاوية فمها قليلًا و ابتسامة صغيرة جدًا لكنها اختفت بسرعة . رفعت يدها أخيرًا توقفت فوق القناع الأسود ، بقيت هناك لحظة ثم وضعت أطراف أصابعها على سطحه ، كان باردًا بشكل غير طبيعي ، همست_ " كنت دائمًا تقول إنني أتصرف كطفلة " إصبعها تحرك ببطء فوق القناع الأملس ... " و أنني لا أفكر قبل أن أتصرف " صمت ... " كنت مخطئًا " سكتت لحظة ثم أضافت بهدوء ... " أنا أفكر " أخذت نفسًا بطيئًا ... " فقط لا أستمع " في الصفوف الخلفية خفض بعض الطلاب رؤوسهم لأن شيئًا في صوتها كان مؤلمًا أكثر من الصراخ ، عين مارغريت ظلت على القناع ثم قالت بهدوء_ " قلت لي مرة " صوتها توقف للحظة ... " إنك لا تموت بسهولة " شدت أصابعها قليلًا على القناع ... " إذن ... " نظرت إليه بثبات ... " لماذا مت " لم يجب أحد و لم يتحرك شيء لكن في داخل القناع مر تموج خافت جدًا ، ضعيف لدرجة أن معظم العيون لم تره ، دمعة واحدة ظهرت أخيرًا في عين مارغريت ، لم تحاول منعها فقط انزلقت ببطء على خدها ثم سقطت على سطح القناع الأسود ، نقطة شفافة فوق الظلام لم تمسحها مارغريت فورًا بل وقفت فقط و هي تنظر . دمعة ثانية ظهرت و هذه المرة انزلقت أسرع ثم ثالثة لكن وجهها بقي جامدًا ، لا تشنج و لا بكاء مرتفع فقط الدموع تنزل بصمت ، بعد لحظة قصيرة صدرها ارتفع قليلاً و نفس غير منتظم خرج منها ، ثم فجأة سيل خفيف من أنفها ، تجمدت للحظة كأن جسدها خانها. مسحت أنفها بسرعة بظهر يدها بعصبية خفيفة ، حركة سريعة حاولت إخفاءها ثم أزاحت يدها فورًا و كأن شيئًا لم يحدث ، تنفست ببطء و رفعت رأسها قليلًا كأنها تستعيد السيطرة لكن عينيها بقيتا لامعتين ، همست أخيرًا_ " كنت غاضبة منك " صمت ثم تابعت بصوت مرتجف قليلا .... " غاضبة لأنك تركتني " أصابعها ما زالت على القناع ... " لكنك تعرف ذلك " صوتها انخفض أكثر ... " كنت دائمًا تعرف " ثم أضافت بهدوء شديد ... " و لهذا ... " توقفت كأن الكلمات أصبحت ثقيلة ... " كنت تنتظرني هنا " سكون تام في الساحة ، أخذت مارغريت نفسًا عميقًا ثم قالت الجملة الأخيرة بصوت ثابت ... " إذن استمع جيدًا " أصابعها شدّت على القناع مرة أخرى و عيناها أصبحتا قاسيتين فجأة و باردتين كما عرفها الجميع ... " إذا كنت ميتًا " صمتت ثم نبست بهدوء ثابت ... " فسأقتله " الرياح مرت مرة أخرى و هذه المرة أقوى قليلًا ، إنحنت مارغريت قليلًا نحو التابوت ثم اقتربت من القناع الأسود و همست بصوت لم يسمعه إلا من كان قريبًا جدًا ... " و إذا كنت ما زلت هناك " توقفت ... " فتمسك جيدًا " بقيت مارغريت واقفة للحظة أخرى أمام التابوت ، الدموع على خديها بدأت تجف ببطء تحت الهواء البارد لكنها لم تحاول مسحها هذه المرة ، وجهها عاد تدريجيًا إلى الصلابة التي يعرفها الجميع كأن الانكسار الذي ظهر قبل لحظات لم يحدث . إنزلقت أصابعها أخيرًا بعيدًا عن القناع الأسود ثم تراجعت خطوة ثم أخرى أخرى ، لم تنظر إلى أحد لا إلى نيكيتا التي ما زالت تبكي بصمت بجانب التابوت و لا إلى المدير فيكتور و لا إلى الطلاب الذين كانوا يراقبونها بصمت ثقيل. استدارت ببساطة و نزلت درجات المنصة الحجرية ببطء ، كل خطوة بدت ثابتة و محسوبة كما لو أن جسدها قرر العودة إلى الانضباط الذي عاشت به طوال حياتها لكن شيئًا في كتفيها كان مختلفًا ، ثقل خفي لا يراه معظم الناس ، مرت بين الصفوف و الطلاب فتحوا لها الطريق بصمت بعضهم خفض نظره و بعضهم تابعها بعينين متوترتين لكن لم يجرؤ أحد على التحدث إليها ، عندما وصلت إلى حافة الساحة لم تتوقف. تابعت السير نحو الممر الحجري الطويل المؤدي إلى أروقة الأكاديمية ، ابتعدت خطوة ثم خطوتين ثم اختفى فستانها الأسود بين الظلال الحجرية للممر . في الساحة بقي الصمت للحظة ثم عاد صوت الريح بين الأشجار لكن شخصًا واحدًا لم يعد قادرًا على الوقوف في مكانه - لوسيان - صدره كان يضيق ليس بسبب الحزن بل بسبب الشعور الذي اندفع فجأة عبر رابطة الدم ، الألم لم يكن ألمًا جسديًا كان شيئًا آخر ، فراغًا باردًا يضغط داخل صدره . تنفس ببطء لكن الشعور لم يختف بل ازداد ، رفع عينيه نحو الممر الذي اختفت فيه مارغريت و كان يعرف أنها لا تبكي أمام الناس لكن ما يحدث داخلها الآن أسوأ بكثير ، شد قبضته مرة واحدة ثم استدار فجأة و تحرك ، الممرات الحجرية في أكاديمية فالينور كانت شبه فارغة فمعظم الطلاب بقوا في الساحة ، صوت خطوات لوسيان كان يتردد بين الجدران القديمة و هو يسير بسرعة أكبر مما أراد أن يظهر. الضوء الرمادي القادم من النوافذ الطويلة كان يسقط على الأرضية الحجرية في خطوط باهتة ، وصل إلى تقاطع الممرات و توقف لحظة ، أغلق عينيه - الرابطة - كان يشعر بها ضعيفة لكنها واضحة كخيط مشدود في صدره . اتبع الاتجاه الذي يسحبه ثم بدأ السير مرة أخرى و في نهاية الممر الطويل كانت مارغريت هناك ، وقفت عند الشرفة الحجرية التي تطل على الغابة المحيطة بالأكاديمية ، ظهرها له و يديها مستندتان على الحافة الباردة ، الريح تحرك شعرها الفضي الطويل لكنها لم تتحرك و لم تلتفت ، توقف لوسيان على بعد عدة خطوات منها ، لم يقل شيئًا فورًا لأن الشعور الذي كان يصل إليه عبر الرابطة أصبح أوضح الآن . الفراغ و الصدمة و الغضب و الحزن ، كمية الحزن التي كانت تضغط داخل صدرها جعلت صدره هو أيضًا يؤلمه ، تنفس ببطء ثم قال أخيرًا بصوت هادئ_ " كنت أعرف أنني سأجدك هنا " لم تلتفت و لم تجب بقيت تنظر إلى الأشجار البعيدة ، صمت طويل مر بينهما ثم قالت أخيرًا_ " إذا جئت لتقول شيئًا ذكيًا ... لا تفعل " صوتها كان هادئًا و باردًا لكن لوسيان شعر بالحقيقة خلفه ، الصوت كان متعبًا اقترب خطوة أخرى_ " لم آتِ لأقول شيئًا ذكيًا " ردها جاء فورًا ... " جيد " صمت قصير ثم أضافت دون أن تلتفت ... " إذن عد إلى الجنازة " الريح مرت بينهما و لوسيان نظر إلى كتفيها ، كان يرى التوتر فيهما حتى لو حاولت إخفاءه ، قال بهدوء ... " انتهت " هذه المرة تحركت لكن ليس لتلتفت إليه ، أحد كتفيها ارتفع قليلًا ثم انخفض ... " بالطبع " همست ... " الجنازات تنتهي دائمًا " لوسيان لم يرد ، اقترب خطوة أخرى الآن كان يقف خلفها مباشرة تقريبًا ، الرابطة بينهما أصبحت أقوى و كان يشعر بوضوح ، أنها تقاتل نفسها كي لا تنهار مرة أخرى ، قال بهدوء_ " لم يكن يجب أن تريهم ذلك " سألت ببرود ... " ماذا " _ " الدموع " صمت قصير ثم ضحكة خافتة خرجت منها لكنها لم تكن ضحكة حقيقية ... " أنت الوحيد الذي رآها " لم يجب لوسيان لأنها كانت مخطئة ، هو لم يرها فقط هو شعر بها و بكل واحدة منها ، يد مارغريت ارتفعت فجأة إلى وجهها ، مسحت أنفها مرة أخرى بحركة سريعة كأنها منزعجة من نفسها ثم قالت ببرود متعمد_ " توقف عن النظر إلي هكذا " رفع حاجبه قليلًا ... " كيف " أجابت دون أن تلتفت ... " و كأنك تشعر بكل شيء " هذه المرة صمت لوسيان لأنها كانت محقة ، نظر إلى ظهرها للحظة ثم قال بهدوء ... " أنا أشعر " تحركت ببطء ثم استدارت أخيرًا و عيناها التقتا بعينيه ، الاحمرار فيهما ما زال واضحًا رغم أنها استعادت معظم هدوئها ، نظرت إليه بثبات ثم قالت_ " هذا مزعج " إبتسم لوسيان ابتسامة صغيرة جدًا ... " بالنسبة لي أيضًا " صمت مر بينهما و الريح مرت مرة أخرى عبر الشرفة ، شعرها تحرك قليلاً حول وجهها ثم قالت أخيرًا بصوت أخفض_ " هل شعرت به " فهم لوسيان السؤال فورًا ، القناع و التموج أجاب بعد لحظة ... " نعم " عينا مارغريت ضاقتا قليلاً ، همست ... " إذن لم أتخيل " صمت ثم نظرت نحو الغابة مرة أخرى و عيناها أصبحتا باردتين ، أبرد مما كانتا عليه في الساحة ثم قالت الجملة التي جعلت الهواء بينهما يبرد أكثر ... " هذا يعني " توقفت لحظة أن أخي ما زال هناك " ثم أضافت ببطء شديد ... " و في مكان ما ... " عيناها أصبحتا قاسيتين ... " ذلك الشيء الذي سرق جسده " صمت ثقيل استقر بينهما ، ثم قالت أخيرًا ... " و سأجده " وقف الصمت بينهما للحظات طويلة بعد كلمات مارغريت الأخيرة ، الريح الباردة القادمة من الغابة مرت عبر الشرفة الحجرية ، حركت خصلات شعرها حول وجهها ، لكنها لم ترفع يدها لتعيدها إلى مكانها . كانت ما تزال تنظر إلى الأشجار البعيدة كأنها تحاول تثبيت نظرها في نقطة ما حتى لا تسمح لعينيها أن تضعفا مرة أخرى لكن لوسيان شعر بما يحدث داخله ليس تخمينًا بل إحساسًا واضحًا يسري في صدره كتيار بارد ، الحزن لم يختفِ والغضب كان هناك أيضًا. لكن الأعمق من كل ذلك كان الشعور بالذنب ، و هذا ما جعل صدره يضيق أكثر ، خطا خطوة أخرى نحوها ، المسافة بينهما أصبحت صغيرة جدًا الآن ، مارغريت لم تتحرك لكنها شعرت به يقترب ، تنفسها أصبح أبطأ قليلًا ثم و بهدوء شديد رفع لوسيان يديه لم يكن في حركته أي تردد هذه المرة ، راحتيه وصلتا إلى جانبي وجهه ، لم يمسكها بقوة بل وضع يديه على وجنتيها برفق كأنه يخشى أن تنكسر بين أصابعه. الجلد تحت يديه كان باردًا ، مارغريت تجمدت للحظة و عيناها اتسعتا قليلاً ، لم تكن تتوقع هذه الحركة ، رفع لوسيان رأسها قليلًا نحوه ، ثم بإبهاميه مسح الخط الرفيع للدموع الذي بقي على وجنتيها . حركة بطيئة و هادئة ثم مرر إصبعه أسفل عينها الأخرى ، يمحو اللمعان الذي بقي هناك ، بقيت تنظر إليه ثانية ، ثانيتين ثم قالت بصوت منخفض ، لكن بحدة خفيفة تحاول استعادتها_ " لا تجعلني أبدو كأنني ضعيفة " كلماتها خرجت باردة كما لو أنها تحاول استعادة شخصيتها المعتادة ، لكن صوتها لم يكن قويًا كما أرادت ، توقف لوسيان لحظة ، عيناه بقيتا ثابتتين عليها ثم قال بهدوء_ " مارغريت ... " صمت قصير مر و صوته حين تكلم مرة أخرى أصبح أخفض ... " أنا آسف " تجمدت ملامحها لكنها لم تبتعد و عينيها ضاقتا قليلًا ، ثم قال الكلمات التي كان يحملها في صدره منذ الليلة الماضية_ " آلثاك مات بسببي " مرت الريح عبر الشرفة مرة أخرى و هذه المرة أقوى قليلًا ، لم تتحرك مارغريت فورًا فقط نظرت إليه بهدوء شديد ثم رفعت يدها ببطء ، أمسكت معصمه لكنها لم تدفعه بعيدًا فقط أبعدت يديه قليلًا عن وجهها ليس بعنف بل بحركة ثابتة ، ثم قالت بصوت هادئ أكثر هدوءًا من المتوقع_ " لا " توقف لوسيان ثم قال بهدوء ... " قد جاء من أجلي " _ " أعرف " _ " و لو لم أكن ... " قاطعته ... " لو " كلمة واحدة و باردة و حادة ثم أكملت وهي تنظر مباشرة في عينيه ... " أنا لا أتعامل مع كلمة لو " مر صمت قصير ثم استدارت قليلاً لتستند بظهرها إلى حافة الشرفة ، ذراعاها تقاطعتا أمام صدرها و عينها بقيت عليه._ " مجلس الظلال كان سيأتي سواء كنت هنا أم لا " توقفت لحظة ثم أضافت ... " أخي كان يعرف ذلك " شد لوسيان فكه ... " لكنه مات وهو يحاول حمايتي " لم تهتز عين مارغريت لكن في داخلها الرابطة جعلت لوسيان يشعر بالضيق الذي مر عبر صدرها للحظة ، قالت ببطء_ آلثاك لم يكن شخصًا يموت من أجل أحد " توقفت ثم أضافت بنبرة أكثر صلابة ... " كان يختار معاركه " حركت الريح شعرها مرة أخرى و عيناها أصبحتا باردتين ... " و هو اختار أن يقاتل " صمتت لحظة ثم قالت بصوت أخفض قليلًا ... " كما كان يفعل دائمًا " لم يرد لوسيان فورًا لكن الشعور بالذنب ما زال يضغط في صدره ، قال بهدوء ... " لو لم أكن ... " تحركت مارغريت فجأة خطوة واحدة للأمام و أصبحت قريبة منه الآن كما كان قبل لحظات ، رفعت يدها و ضربت صدره بخفة بقبضتها ، ليست ضربة غضب بل حركة حادة لإيقافه ، قالت ببرود._ " كفى " عيناه التقتا بعينيها ثم أكملت ... " لن أستمع إلى هذا " بقيت قبضتها للحظة فوق صدره ثم خف الضغط لكنها لم تبعد يدها فورًا فقط قالت بصوت منخفض ... " إذا أردت أن تعتذر ... فافعل ذلك لشيء يمكن تغييره " صمت ثم أضافت ... " الموت ليس واحدًا منها " نظر لوسيان إليها لثوانٍ ثم قال بهدوء ... " لكن الألم ... " توقفت ، انتظر حتى رفعت عينيها نحوه ثم أكمل ... " أستطيع الشعور به " الرابطة بينهما اهتزت للحظة ، فهمت مارغريت ما يقصده و عيناها ضاقتا قليلًا ... " هذا ليس شأنك " قال بهدوء ... " هو كذلك " مر صمت بينهما و الهواء أصبح أثقل قليلاً ثم زفرت مارغريت ببطء ، رفعت يدها إلى وجهها مرة أخرى و مسحت أنفها سريعًا بحركة صغيرة كأنها منزعجة من نفسها ثم نظرت إليه مجددًا ، هذه المرة نظرتها أصبحت أكثر هدوءًا ، قالت ببطء_ " إذا كنت تشعر به " توقفت لحظة ثم أكملت ... " فاستعمله " رفع حاجبه قليلاً و هو يسأل ... " كيف " عيناها أصبحتا قاسيتين مرة أخرى و باردتين كما عرفها الجميع ثم قالت الجملة التي غيرت الجو بينهما ... " ساعدني في قتله " مرت الريح عبر الشرفة بقوة أكبر و شيء في صدر لوسيان استجاب.