- أكاديمية فالينور العليا - Part 1
كانت الأمطار تنهمر على سقف الميتم العتيق كأن السماء تحاول غسل ذنوب هذا المكان ، في الداخل ... كان الصمت يُخيم الا من صرير النوافذ المتهالكة و همسات الأطفال النائمين. جلس لوسيان قرب المدفأة القديمة ، يراقب اللهب يتراقص في عينيه الرماديتين و كأنه يرى فيهما شيئا أبعد من النار ، شيء لا يفهمه ... منذ صغره ، كان يشعر بأن هناك ما يميزه عن الآخرين ، نبضه أبطأ من الطبيعي ، جروحه تلتئم بسرعة و أحيانا يرى أشياء لا يراها غيره لكن الراهبة ماريان كان تقول دائما أن " الله يختبر من يحبهم بالغرابة ". دوى صوت خطوات ثابتة في الممر الحجري ، تلاه صوت طرقات خفيفة على الباب. _ " لوسيان ، الأم ماريان تريدك في مكتبها فورا ". رفع راسه نحو الصوت كان أحد الأطفال الصغار يحمل شمعة خافتة ترتجف في يده ... تنهد لوسيان ثم نهض من مكانه ببطء و سار في الممر الطويل ، كانت الجدران مغطاة بصور قديمة لأشخاص لا يعرفهم ، لكن عيونهم الباهتة كانت تبدو و كأنها تلاحقه أينما ذهب عندما وصل إلى باب المكتب ، طرق مرتين ثم دخل ، كانت الراهبة ماريان تجلس خلف مكتب خشبي ضخم ، ووجهها المجعد يحمل ملامح قلق لم يعهده فيها من قبل ، رفعت رأسها نحوه و قالت بصوت منخفض. _ " اجلس يا بني " جلس لوسيان بصمت و عيناه تنتقلان بين الكتب المتناثرة و المخطوطات القديمة ... مدت يدها إلى درج المكتب و أخرجت منه ظرفا أسودا مختوما بشعار غريب : رمز دموي تتداخل فيه أنياب ذئب مع عصا سحرية. _ " وصل هذا إليك هذا الصباح ... لوسيان ، لم يُرسَل شيء كهذا لأحد من قبل بإسمه الكامل ، لكن الرسالة كانت واضحة ، إنها لك " تناول الظرف بحذر ، الورق بارد على غير العادة و كأن فيه نبضا خافتا ، فتح الختم بحذر و بدأ يقرأ بصوت خافت بعض الشيء { الى السيد لوسيان أريندل ، نعلم أنك لم ترد أن تكون مختلفا ، لكن قدرك لا ينتظر اختيارك لقد تم قبولك في أكاديمية فالينور العليا المعروفة بين القلقة بأكاديمية الخوارقالحضور الزامي في اليوم الأول من القمر الجديد التوقيع أعضاء المجلس + المدير فيكتور } رفع نظره ببطء نحو الراهبة ثم قال .... " هل هذه مزحة ؟ لا أعرف أي أكاديمية بهذا الإسم " أجابت و هي تنظر إلى النافذة المبللة... " و لا أنا يا بني ... لكن الغريب أن الطائر الذي سلم الرسالة لم يكن عادي" صمتت لمدة وجيزة محاولة تذكر ملامح ذلك الطائر الغريب الذي جاء صباحا إلى الميتم ، أضافت بعد برهة بصوت خافت لا يكاد يُسمع _ " كانت عيناه حمراوين ... كالدم " شعر لوسيان بقشعريرة تسري في جسده ، نظر مرة أخرى إلى الختم و إلى النقوش التي بدت الآن و كأنها تتحرك بخفة تحت الضوء تأمل لوسيان الخطوط المتشابكة من جديد على الورقة كأنها تتنفس تحته ، كان الضوء القادم من الشمعة المرتجفة ينساب على حروفها الغريبة ، فتبدو أحيانا كأنها تتبدل و تُعيد رسم نفسها بلغات لا يفهمها ، أعاد الظرف إلى الطاولة و قال بصوت خافت. _ " أعضاء المجلس و المدير فيكتور ... من هؤلاء ؟ و لماذا أنا ؟ " لم تجب الراهبة على سؤاله مباشرة بل شابكت أصابع يديها فوق صدرها كمن يصلي في سر خافت. _ " لوسيان ... أنت تعلم اني ربيتك منذ كنت رضيعا ، و لا اعلم شيئا عن والديك سوى أن أحدهم تركك عند باب هذا الميتم في ليلة عاصفة و ... كان معك هذا ". فتحت درجا آخرا و أخرجت منه قلادة فضية داكنة اللون تحمل نفس الرمز المنقوش على الظرف .. تسارعت أنفاس لوسيان و هو يتناولها من يدها كأنه وجد قطعة ناقصة من نفسه ، ملمسها كان بارد كالثلج لدرجة كبيرة. _ " كنت أظنها مجرد تذكار ". _ " ربما هي أكثر من ذلك يا بني ... الرسالة ذكرت اسمك الكامل ، شخص ما كان يراقبك طيلة هذه السنوات ". سكن المكان فجأة حتى بدا صوت المطر و كأنه توقف ، رفع لوسيان رأسه بعدما أخذ نفسا عميقا و نظر إلى الراهبة نابسا بتردد _ " هل ... هل تريدين مني أن أذهب ". تنهدت ماريان و في عينيها مزيج من الحزن و الخوف و هي تردف ... " لا أريد أن تفعل ، و لكن ... ربما قدرك أكبر من هذا المكان ، اذا كانت هذه الدعوة حقيقية ، فربما هناك من يملك اجابات عن أصلك ، عن ما أنت عليه يا لوسيان ". بقي واقفا لبضع لحظات ، لا يعلم ما يشعر به : خوف ، فضول أم حنين ... أمسك بالظرف بإحكام و خرج من المكتب تاركا الراهبة ماريان خلفه و دفء الشمعة و رائحة البخور يحيط بالمكان. في الخارج ... الممر أصبح مظلما أكثر و كان الظلام و كأنه حي و يُراقبه من بين الزوايا ، حين مر بجانب النافذة لمح انعكاسه في الزجاج لكن شيئا لم يكن طبيعيا ، ظله لم يتحرك كما تحرك هو ، و كأنه تأخر جزءا من ثانية ، يتأمل وجهه بتمعن ، تراجع خطوة و هو يحدق في الزجاج ، لكن حين عاد ، عاد كل شيء كما كان ، إبتلع ريقه و همس لنفسه. ( مجرد وهم ... فقط وهم ) واصل طريقه نحو غرفته في الطابق العلوي ، حيث كان يقيم بمفرده بعد أن غادر جميع رفاقه الميتم في السنوات الماضية و لم يبق سواه ، هو أكبر شخص متواجد في الميتم ... فتح الباب ببطء و دخل الغرفة الصغيرة التي لم يتغير فيها شيء منذ طفولته : سرير خشبي ،خذانة قديمة و نافذة تطل على المقبرة المهجورة خلف الميتم. جلس على حافة السرير و أخرج الدعوة من جيبه ، قرأها مرة أخرى بصوت مسموع هذه المرة و كأن الكلمات تملك نغمة خفية لا تُسمع إلا عندما تُتلى ... كلما نطق جملة ، ازداد الهواء حوله برودة ، حتى إنطفأت الشمعة الموضوعة على الطاولة دون سبب واضحفي تلك اللحظة ، شعر بوخزة في عنقه ، ثم نبضة غريبة في صدره ، مد يده نحو قلبه ، أحس بخفقان غير طبيعي ، إيقاع مزدوج كأن في داخله قلبين ينبضان معا. _ " ما هذا ". ارتجف و هو ينهض ، يبحث عن مصدر الهواء البارد لكن لا شيء ، فجأة ... رأى شيء صغير يلمع على النافذة ، إقترب بخطوات متوجسة فرأى غرابا أسودا يقف هناك ، ينظر إليه بعينين حمراوين ، تماما كما وصفته ماريان. لكن الأغرب ... أن الغراب كان يحمل في منقاره خيطا فضيا يتدلى منه ختم الأكاديمية نفسه فتح النافذة ببطء فتطايرت بعض الرياح المبللة نحو وجهه ، لم يتحرك الغراب بل أسقط الخيط داخل الغرفة ، ثم طار تاركا خلفه صرخة غريبة تشبه الهمس. _ " القمر الجديد ... لا تتأخر يا وريث الدم " _ أغلق لوسيان النافذة بيد مرتجفة ، و الرمز في قبضته يرتجف هو الآخر ، جلس على الأرض يحاول إستيعاب ما يحدث ، لكن ذهنه كان مشوشا بالكامل ، كان يشعر أن شيئا يستيقظ داخله ، شيئا لم يعد بإمكانه بعد الآن ... رفع رأسه نحو النافذة مرة أخرى حيث كان المطر يغسل الزجاج كأن السماء تحاول محو ما حدث ، لكن لوسيان كان يعلم أن لا شيء يمكن أن يمحو ذلك ، الشعور الذي زرعته تلك الدعوة في قلبه ... شعور غريب لا يعرف معناه.