أكاديمية الدم الملعون

الفصل 2: Part 2

Part 2

مرت ساعات الليل ببطء مؤلم و الظلام في الغرفة بدا أثقل من أي وقت مضى ، لم يستطع لوسيان النوم رغم محاولاته ، كانت الكلمات التي قرأها تترد في رأسه بلا توقف. _ " لقد تم قبولك في أكاديمية فالينور العليا ". _ " الحضور إلزامي في اليوم الأول من القمر الجديد ". _ " أعضاء المجلس + المدير فيكتور ". كل حرف منها كان ينبض داخل عقله كصدى بعيد لا يمكن إسكاته ، جلس قرب النافذة ، يراقب المطر الذي لم يتوقف منذ المساء ، كانت أصابعه تعبث بالقلادة الفضية التي سلمتها له الراهبة ماريان ، و كلما لامست جلده شعر بدفء غريب يتسلل إلى عروقه. _ " ربما ... هذه فرصتي الوحيدة لأعرف من انا فعلا " قالها بصوت خافت لنفسه ، ثم أغلق يده على القلادة بعزم خفي. في داخله ، كان هناك خوف كبير : الخروج من الميتم كان يعني ترك المكان الوحيد الذي منحه شعورا بالأمان لكن في الوقت ذاته ، كان الميتم سجنا من الأسئلة التي لا إجابات لها ... هو لا يعرف من أين أتى ، من هما والداه ، و لماذا يبدو مختلفا عن الآخرين ، و الآن ... يبدو أن الأكاديمية هي المكان الوحيد الذي قد يمنحه تلك الإجابات. وقف ببطء ، ارتدى معطفه الأسود القديم ، ثم وضع الظرف و القلادة في حقيبته الصغيرة ، كانت الساعة تقترب من الرابعة فجرا ، و الهدوء يلف المكان إقترب لوسيان من باب غرفته و فتحه بحذر ، سار بخطوات مُتردِدة نحو مكتب الأم ماريان ، كانت الأنوار مطفأة ، لكنه لمح وهج الشمعة الخافتة من تحت الباب ، طرق مرتين بخفة. _ " أمي ماريان ، أنا ... لوسيان ". _ " أدخل يا بني ". كان صوتها هادئ لكنه يحمل لمسة قلق واضحة ، دخل لوسيان الغرفة ليجدها جالسة قرب النافذة و كتاب مقدس مفتوح امامها ، رفعت راسها إليه فور دخوله ، نظرتها كانت مزيجا من الحنان و الخوف ، قالت بصوت مرتجف قليلا. _ " لم تنم الليلة ، أليس كذلك ؟ ". _ " لم أستطع ". إقترب أكثر ثم وضع الحقيبة على الكرسي و قال بثبات مفاجئ ... " قررت الذهاب ، أمي ماريان ". ساد صمت طويل ، لم يُسمع خلاله سوى صوت المطر ، رفعت ماريان نظرها إليه ، و الدموع تلمع في عينيها الباهتتين _ " كنت أعلم أنك ستقول هذا ... لقد رأيت القرار في عينيك منذ أن قرأت الرسالة ". تقدم نحوها ببطء و أجاب ... " أعلم أن الأمر خطير و ربما يكون فخا ، و لكن ... لا أستطيع البقاء هنا اكثر ، هناك شيء في داخلي يصرخ بأن علي الذهاب ، أشعر و كأن هذه الدعوة ... كانت تنتظرني منذ زمن ، أمي ماريان ". وضعت ماريان يدها على صدرها و قالت بصوت حزين ... " أخشى عليك يا بني ، العالم خارج هذه الجدران ليس كما نظنه ... الميتم قديم و ممل لكنه آمن ، أما هذا المكان الذي يدعوك إليه هؤلاء المجهولين ... فمجرد اسمه فقط يُرعِبني ". إبتسم لوسيان بخفة حزينة ... " أنا لم أعرف الأمان يوما يا أمي ، فقط العادة ... لكن اذا بقيت هنا ، سأظل أجهل من أكون ، و لماذا أختلف عن الجميع ، ربما تلك الأكاديمية تحمل الإجابات التي أبحث عنها ". أغمضت ماريان عينيها للحظة ثم قامت واقفة بخطوات بطيئة نحو الخزانة ، أخرجت منها صندوق خشبي صغير مغطى بالغبار و ناولته إياه. _ " احتفظ بهذا ، لوسيان ... كان بجانبك ليلة وجدناك عند الباب ، لم أفتحه قط لكن ربما جاء الوقت لتعرف ما بداخله ". أخذ الصندوق بين يديه ، كان ثقيل على غير المتوقع ، محكم الإغلاق بسلسلة دقيقة من الفضة ، على غطائه نفس الرمز المنقوش على القلادة ، شعر بشيء في داخله يرتجف كأن دمه تجاوب مع ذلك النقش الغريب. _ " ما هذا ؟ " _ " لا أعلم يا بني ، لكن أرجوك ... مهما وجدت هناك ، تذكر من أنت ، لا تدع الظلام في ذلك المكان يبتلعك " إقترب منها لوسيان و إنحنى ليطبع قبلة على يدها برفق ثم همس بخفوت._ " لن أنساك أبدا ، أمي ماريان... و هذا وعد من إبنك لوسيان " لم تتمالك نفسها فوضعت يديها على وجهه و قبلته على جبينه كما كانت تفعل عندما كان صغيرا ثم قالت الراهبة ماريان بصوت متهدج _ " اذهب أنت و لتحفظك السماء من كل مكروه " إبتسم لوسيان إبتسامة خافتة باهتة ثم إبتعد عن الراهبة ماريان و إلتفت نحو الباب ، نظر للمكان الذي قضى فيه حياته و شعر بغصة صغيرة في صدره ثم خرج بهدوؤ تاركا خلفه دفء الميتم و ذكريات الطفولة ~~~~~~~~~~~~~~~ عاد لوسيان إلى غرفته بعد لقائه بالراهبة ماريان ، كان الفجر قد بدأ يُلوِن السماء بخيوط رمادية باهتة ، و الضباب يتسلل من بين الأشجار ليبتلع أطراف الميتم العتيق ، كانت رائحة المطر لا تزال عالقة في الجو و رائحة الخشب الرطب تعبق في المكان. أشعل شمعة صغيرة على الطاولة و بدأ يجمع أغراضه القليلة : بعض الكتب القديمة التي كانت له منذ طفولته ، دفتر ملاحظته الذي يكتب فيه أحلامه الغريبة ، المعطف الأسود الثقيل الذي ورثه من أحد المتبرعين و القلادة الفضية التي لم تُفارِق يده منذ الليلة الماضية كانت حقيبته صغيرة لكنها بدت ثقيلة ، ليس بما فيها من الأشياء بل بما تحمله من ذكريات ... كل غرض كان يُذكِره بسنوات الوحدة الطويلة التي عاشها في هذا المكان ، بين جدران باردة و أحلام لم يعرف لها معنى. في تلك اللحظة ، طرق الباب بخفة و صوت الخطوات وراءه كان مألوفا جدا ... إلتفت ، لتظهر في فتحة الباب الأم ماريان ، تحمل في يدها فنجان من الحليب الدافئ ، قالت بإبتسامة حزينة مخاطبة لوسيان. _ " ظننت أنك قد تحتاج شيئا قبل الرحيل يا لوسيان ". إبتسم بخفة و هو يأخذ منها الفنجان ... " شكرا لك ... ما زلت تعاملينني كطفل صغير ". جلست على حافة السرير ، تراقبه و هو يطوي سترته بعناية و يضعها في الحقيبة ، قالت بصوت هادئ _ " مهما كبرت يا لوسيان ، ستبقى بالنسبة لي ذلك الطفل الذي وجدته على عتبة الباب في ليلة عاصفة ". ضحك بخفوت و هو يغلق الحقيبة ... " كنت تقولين دائما أنني أتيت من المطر ". أجابت بإبتسامة غامضة ... " ربما فعلت " ثم أضافت بعد صمت قصير ... " كنت مختلفا منذ اللحظة الأولى حتى بكاؤك لم يكن طبيعيا ، عيناك كانتا بلون غريب ، رماديتان تميلان إلى الفضي عندما يضربهما الضوء ". توقف عن ترتيب اغراضه و نظر إليها بإستغراب ... " لم تخبريني من قبل بذلك ". _ " لم أرد أن أُقلِقُك ، ظننت أن الأمر سيزول مع الوقت ، لكنه لم يزل ... بل ازداد وضوحا " ... ثم رفعت بصرها نحوه بعينين قلقتين و قالت ... " أتعلم يا لوسيان ؟ عندما كنت تمرض و كنت أصلي قرب سريرك ، كانت الشموع تنطفئ وحدها ثم تشتعل من جديد ... كنت أقول لنفسي إنها معجزة ، لكن في قلبي كنت أعلم ... أن هناك شيء آخر ". ظل صامتا ينظر إليها دون أن يعرف ما يقول : تلك الأحداث التي عنها بدت له مألوفة ، كم مرة إستيقظ ليلا ليجد نافذة غرفته مفتوحة رغم أنه أغلقها ، أو يسمع صدى صوته يُجيب من مكان لا يرى فيه أحد ... أخء نفسا عميقا ثم سألها بهدوء _ " هل كنت تخافين مني ". رفعت ماريان رأسها ببطء و نظرتها مملوءة بالحنان ... " لا يا بني ... لم أخف منك يوم لكنني كنت أخاف عليك ... من العالم ، من الناس ، من المجهول الذي يسكنك ، كنت أعلم أن يوما هكذا سيأتي ، يوم تغادر فيه هذا المكان لتكشف من تكون حقا ". إقترب منها و جلس إلى جانبها ، نظر إلى يديها المتعبتين و قال بصوت منخفض ... " أنا مدين لك بكل شيء ، أمي ... لولاك لما كنت هنا اليوم ، حتى و إن إكتشفت اني لست مثل الآخرين ... سأظل دوما إبنك ". لم تتمالك نفسها من جديد فمدت يدها تربت على شعره ... " أرجوك يا لوسيان ، أينما ذهبت ... تذكر هذا : الخير لا يُمحى من الإنسان ، مهما إختلط دمه بالظلال ". ثم أشارت نحو الحقيبة و أضافت بإبتسامة خفيفة ... " هل انتهيت من جمع أغراضك " _ " تقريبا ... لم يتبق سوى الكتاب القديم الذي وجدته في المكتبة القديمة " _ " الكتاب المجلد بالجلد الأسود " _ " نعم ... كنت دائما أشعر أنه يناديني بطريقة غريبة ... هل تعلمين أن الغلاف عليه نفس الرمز المنقوش على القلادة " تغيرت ملامحها و انكمش قلبها للحظة لكنها حاولت إخفاء خوفها بإبتسامة مصطنعة ... " إذن ، احتفظ به ... ربما كان ذلك سبب دعوتك إلى الأكاديمية " _ " ربما " ثم أغلق الحقيبة بإحكام ، و ألقى نظرة أخيرة على الغرفة ، السرير ، الطاولة ، النافذة الصغيرة التي كان يراقب منها القمر كل ليلة ، كل شيء بدا أصغر مما يتذكره ... قال بصوت خافت. _ " كم هو غريب ... عندما نستعد للمغادرة تبدو الأماكن التي عشنا فيها كأنها تبتعد عنا ". _ " ربما لأنك بدأت تنتمي لمكان آخر يا لوسيان " ... أجابت الراهبة ماريان بحزن ثم تابعت و هي تضع يدها على كتفه ... " قدرك ليس هنا يا بني ... أشعر بذلك منذ زمن بعيد لكن إن شعرت يوما بالضياع ، تذكر أن لك بيتا بإمكانك العودة إليه في الوقت الذي تريده " إبتسم ثم إنحنى يقبل يدها بهدوء ، قال بصوت مبحوح ... " وداعا أمي ، سأعود يوما ما ، أعدك ". _ " اذهب يا بني ... فالقمر الجديد لم ينتظرك طويلا ". نظر إليها نظرة طويلة أخيرة ثم حمل حقيبته على كتفه و غادر الغرفة ببطء ، لم تدر ماريان إن كانت ستراه مرة أخرى أم لا لكنها كانت تشعر في أعماقها أن هذه الرحلة ستكون بداية لقدر أكبر من كليهما ... وقفت عند النافذة ، تراقب ظله و هو يسير في طريق يغمره الضباب و في قلبها ترددت صلاة صامتة. _ " اللهم احم هذا الطفل ... من الدم الذي يجري في عروقه و من كل ماهو محيط به "