Part 3
كانت السماء رمادية قاتمة ، تتحرك فيها الغيوم مثل أمواج بحر مظلم لا يعرف السكون ، خرج لوسيان من بوابة الميتم حاملا حقيبته الصغيرة على كتفه و الراهبة ماريان تمشي بجانبه ، تمسك طرف معطفها حتى لا يبتل بالمطر المنهمر بخفة. لم يتبادلا الكلام في البداية ، فكل خطوة كانا يسمعان فيها صدى الماضي و كأن الأرض تحفظ آثار قدميه منذ الطفولة و تصر على توديعهما معا ... الطريق الضيق المؤدي إلى محطة القرية كان يمر بين أشجار عارية من الأوراق ، تتشابك فروعها فوقهما مثل أيد نحيلة تحاول الإمساك بالسماء ، كانت رائحة الطين ممزوجة برائحة المطر التي تشي بالبرد و الرحيل في آن واحد ، أمسكت ماريان بطرف معطف لوسيان و هي تقول بصوت مرتجف. _ " هل أنت متأكد من هذا يا لوسيان ؟ ما زال بإمكانك البقاء حتى تتأكد من هوية مرسل الرسالة ". إبتسم بخفة و هو ينظر أمامه ... " إن لم أذهب الآن ، سأقضي حياتي أتساءل عمن أكون ، ربما هذه الفرصة الوحيدة التي أمتلكها لأجد الأجوبة ". أومأت برأسها بصمت ، لكن قلبها كان يشتعل بالخوف كلما تذكرت الختم الغريب على الرسالة ، كانت تشعر بأن شيئا مظلما يترصد بلوسيان ، ينتظر لحظة خروجه من الميتم لينقض عليه. وصل الإثنان إلى مفترق الطريق المؤدي إلى المحطة ، كان المكان مهجورا ، يُغطيه الضباب الكثيف من كل جنب حتى أن القضبان الحديدية بدت و كأنها تمتد نحو المجهول ... توقفت ماريان فجأة ، وضعت يدها على ذراعه و قالت بصوت حازم رغم رعشة الخوف فيه. _ " لوسيان ... هناك شيء لم أخبرك به من قبل ... ". نظر إليها بإستغراب ، فقالت و هي تُخفِض عينيها نحو الأرض ... " في الليلة التي وجدناك فيها أمام بوابة الميتم كان هناك رجل يقف في الظلال ، لم أستطع رؤية وجهه بوضوح ... لكن عينيه كانتا تلمعان كدم مسكوب تحت ضوء القمر ". تجمدت أنفاس لوسيان للحظة ثم قال ... " رجل ؟ و لماذا لم تُخبريني من قبل ؟ ". _ " لأنني لم أكن متأكدة إن كان حقيقي أم ... شيء آخر ". ساد الصمت للحظة بينهما إلا أن كسره صوت لوسيان بعد إستجمع شجاعته_ " ربما ... سأعرف من هو ذلك الرجل في الأكاديمية ... و ربما سأعرف لماذا تركني هناك ". واصلا السير حتى وصلا إلى منصة القطار ، كانت فارغة تماما ، لا أحد في الجوار فقط الضباب الكثيف يملأ المكان و الصمت يُخيم كأن الزمن توقف ... قالت ماريان بقلق واضح. _ " لا أرى أي قطار هنا ... هل أنت متأكد من الموعد ". أخرج لوسيان الرسالة من جيبه ، فتحها من جديد و عندما إقتربت الراهبة ماريان لترى ، لاحظت أن الكلمات التي كانت مكتوبة بالحبر الأسود قد تغيرت ... السطور أصبحت تتوهج بلون قرمزي خافت ، و في أسفل الصفحة ظهرت جملة جديدة لم تكن موجودة من قبل. [ أنظر إلى القمر الجديد ، و سيفتح لك الطريق إلى فالينور ] رفع لوسيان بصره نحو السماء ، و رغم الضباب و السحب الكثيفة ، إنشقت الغيوم للحظة كاشفة عن قمر نحيل بلون فضي مائل و فجأة ... دوى صوت بعيد ، صوت صفير طويل إخترق السكون كأن الزمن عاد إلى الحركة ، اهتزت الأرض قليلا تحت أقدامهما و ظهر من بين الضباب قطار أسود ضخم ، لا يُشبه أي قطار عرفاه من قبل. كانت نوافذه مظلمة ، و العربات تلمع ببريق معدني بارد ، أما الشعلة الحمراء المثبتة على مقدمته فبدت كعين حية تنظر نحوهما مباشرة ... تراجعت ماريان خطوة إلى الوراء ، وضعت يدها على صدرها و قالت بصوت مبحوح. _ " يا إلهي ... من أين أتى هذا ". لم يتحرك لوسيان من مكانه ، كان واقفا مذهولا ، يحدق في القطار كأنه يناديه بإسمه دون أن ينطق ... فتح أحد الأبواب ببطء من تلقاء نفسه و ظهر ضوء خافت من الداخل يتراقص كلهيب ذهبي في الظلال ، إستدار نحو ماريان ثم نظر إليها بعينين فيهما مزيج من الخوف و العزم. _ " يبدو أن هذا هو القطار الذي سيأخذني إلى هناك " _ " لكن يا لوسيان ... هذا غير طبيعي ، لا تركبه ، ربما هو فخ " إقترب منها لوسيان ، أمسك يديها برفق و قال ... " كل شيء في حياتي لم يكن طبيعي ، أمي ماريان ... ربما حان الوقت لأعرف السبب ". تجمعت الدموع في عينيها و هي تقول بصوت متهدج ... " عد إلي حيا ... أرجوك " إبتسم بحزن ثم إنحنى و قبل يدها كما يفعل كل إبن قبل وداع والدته ... " سأعود ... أعدك " ثم إستدار و خطى نحو القطار ، ما إن وضع قدمه على العتبة حتى شعر بنسيم بارد يعبر جسده كتيار من طاقة غريبة حتى بدا العالم من حوله و كأنه تغير في هذه اللحظة ، أغلق الباب خلفه ببطء و تراجع القطار عن المنصة وسط صفير منخفض يشبه النحيب ... كانت ماريان تراقبه من مكانها و المطر ينهمر على وجهها دون أن تُميز دموعها منه ، بينما إختفى القطار تدريجيا وسط الضباب ، همست في خوف خافت _ " يا رب احفظ لوسيان من كل خطر محدق فيه في ذلك المكان الغريب ...و أعده إلي سالما " ~~~~~~~~~~~~~~~ جلس لوسيان على المقعد قرب نافذة القطار ، ينظر إلى المناظر المتغيرة بسرعة ، لكن الغريب لم يكن المنظر بالخارج بل ما كان يحدث داخله ... القطار كان ضخما لكنه خال تقريبا من البشر ، من خلال الزجاج لاحظ اشخاص ليسوا عاديين : أحدهم كانت بشرته شاحبة جدا و كأن الدم إختفى من وجهه ، و ثاني تبدو عيناه متوجهة تحت شعره الأسود الطويل ، و ثالث يحمل قناعا جزئيا يغطي وجهه و يصدر منه طاقة غريبة. ثم أدرك لوسيان أن كل الركاب من الشباب من نفس عمره تقريبا ، و كل واحد منهم يبدو مختلفا عن الآخر بطريقة لم يفهمها ، كانوا يهمسون ، يضحكون ، و أحيانا يظهرون أنيابا صغيرة كالذئاب ... شعر لوسيان بشيء من الخوف و الرهبة ، لكن الفضول تغلب عليه ، نظر حوله و حين حاول فهم من هم هؤلاء ، لفت انتباهه فتى يجلس على المقعد المقابل ، يبستم بسخرية و يبدو أكثر حيوية من الجميع. إقترب الفتى منه ، وضع قدمه على المقعد و أمال ظهره مسترخيا ثم قال بصوت مرح _ " أهلا ، يبدو أنك جديد هنا ... أليس كذلك ؟ ". إبتسم لوسيان بخجل و أومأ برأسه ... " نعم ... أنا لوسيان أريندل " _ " أنا جاسون " قال الفتى ، مصافحا يد لوسيان بسرعة ، ثم أضاف و هو يرمق القطار بحركة سريعة ... " مرحبا بك في ... حسنا ، لنقل أكاديمية لا تشبه أي مدرسة عرفتها من قبل ". رفع لوسيان حاجبه و قال ... " كل الركاب ... هم طلاب ". ضحك جاسون بخفة ثم أشار حولهما ... " نعم ... و كلهم من نوع ما ، مصاصين الدماء ، مستذئبون ، سحرة و بعضهم .... دعنا نقول أشياء لا يمكن شرحها بالكلمات العادية ". - " أشياء ... لا يمكن شرحها " _ " أجل ... ستتعلم لاحقا ، بعضهم يستطيع التحكم في الظلال ، البعض الآخر يُحوِل نفسه إلى ما يشاء " تراجع لوسيان خطوة ، ينظر حوله مرة أخرى ، يحاول إستيعاب ما يقوله ... " أهذا حقيقي ؟ أنا لا أزال أرى دماء البشر تسري في عروقي ... لكن يبدو أنني الوحيد بينهم " ضحك جاسون بشكل ساخر لكنه بلطف ... " أوه ، لا تقلق لن تكون الوحيد ... فقط ، لا تفزع عندما ترى أشياء تتغير أمامك ، القاعدة الأولى هنا : توقع الغريب ، و اعتبر كل شيء ممكنا " إبتسم لوسيان بخجل ثم قال ... " ألم أستطع رؤية احد منهم قبل الآن ... كيف أتيت أنت إلى هنا بسهولة " _ " آه ... إنه سؤال جيد " ... قال جاسون و هو يرمق النافذة بإبتسامة ماكرة ... " دعنا نقول أن القطار لا يقيم قواعد للغرباء ، لكنك يا لوسيان ... لن تظل غريبا لفترة طويلة ، سوف تكتشف أن دمك مميز جدا " توقف لوسيان فجأة ، ينظر إليه بإستغراب ... " ماذا تعني بخصوص دمي " إبتسم جاسون إبتسامة خبيثة ، ثم أدار ظهره إلى النافذة و قال ... " اوه ، لا تقلق الآن ، كل شيء في وقته ، فقط إستعد لتعرف أن الأكاديمية ليست مجرد مدرسة ، إنها مكان ستتعلم فيه كيف يكون الدم ... و الظلال ... و حتى العقول شيئا مختلفا تماما " لاحظ لوسيان تحرك بعض الركاب الغريبين نحوهما ، لكن جاسون أشار إلى النافذة ... " لا تلتفت لهم كثيرا ... فهم يُراقبون كل جديد بعناية ، البعض فضولي و البعض الآخر ... يحاول رؤية من يستحق البقاء و من لا يستحق " سكت قليلا ، ثم أضاف بصوت أقل جدية ... " أما أنا ... فسأكون صديقك ، اذا إستطعت تحمل أسلوبي المرح و المزعج قليلا " ضحك لوسيان رغم نفسه ، و ارتاح قليلا ... كان الجو داخل القطار لا يزال غريبا ، لكن وجود جاسون بجانبه أعطاه شعورا بأنه ربما لن يكون وحيدا تماما في هذا العالم الجديد. بعد لحظات ، مر القطار عبر نفق من الضباب الكثيف و انعكست الأشعة الفضية للقمر على عرباته حتى بدا و كأنع قطار يسافر بين العوالم ، و ليس مجرد مكان على الخريطة ... نظر لوسيان إلى جاسون و قال بحذر. _ " إذن ... كل من هنا يدرسون " _ " نعم ... و كلهم يسعون إلى تعلم ما يجعلهم مختلفين عن العالم البشري " ثم أومأ برأسه و تابع ... " و لكن تذكر ... بعضهم لن يكون ودودا دائما أو حتى صديقا لذلك ... كن حذرا يا لوسيان ، الأكاديمية تبدأ الآن و القواعد ليست كما تتخيل "ز إبتسم لوسيان رغم شعوره بالرهبة و كرر لنفسه بصوت منخفض ... " حسنا ... دعنا نرى ماذا سيحدث بعد ذلك " حدق فيه جاسون لوهلة ثم أخذ نفسا عميقا و قال بإبتسامة ساخرة ... " حسنا يا لوسيان ... بما أنك جديد ، دعنا نبدأ بالقوانين الأساسية للأكاديمية " _ " قوانين ؟ ما نوع القوانين المتواجدة في هذه الأكاديمية " _ " أولا ... البشر لا يُسمح لهم بالإنضمام ، أي شخص يُولد بدم بشري خالص ، يحظر عليه دخول الأكاديمية ، أما من يحمل دماء غير بشرية سواء مصاص دماء ، مستذئب ، ساحر أو حتى هجين ... فله الحق في التعلم ، لكن عليه احترام قوانين العوالم المختلفة داخليا " أومأ لوسيان برأسه و هو يحاول إستيعاب ما يقوله ، ثم أضاف جاسون بنبرة أكثر جدية رغم ابتسامته المرحة. _ " ثانيا ... العنف ممنوع ، لكن الاختبارات و الخلافات بين الأجناس مسموح بها ضمن حدود معينة ... في الأكاديمية ، القوة تُقاس بالقدرة على التحكم في نفسك لا بقدرتك على القتل ". إبتسم لوسيان بخفة لكنه لم يستطع كبح قشعريرته عند سماع هذه القواعد ، ثم أشار جاسون إلى لوحة صغيرة على أحد أبواب العربات معلقة و قال _ " هذا هو المدير ... فيكتور ، الرجل الوحيد الذي يمكن أن يفرض النظام في الأكاديمية حتى على أمثالنا " _ " هل هو إنسان ؟ " _ " لا أحد يعرف بالضبط ... بعض الناس يقولون إنه مجرد أكثر من بشري ، كل ما أعرفه أن كلامه قانون ، و كل قرار يصدر عنه يُنفذ فورا " أشار جاسون بسبابته إلى رجل آخر يقف على يسار المدير فيكتور ... " هذا الياس ... أستاذ الظلال ، يمكنه تعليم أي شخص التحكم في قوى الظلام ، لكنه صارم جدا ، تُخطئ معه مرة واحدة و ستدفع ثمنها " _ " أستاذ الظلال ؟ " _ " أجل ... لا تقلق ، هو ليس شريرا ، فقط ... صارم جدا و يحب أن يرى الطلاب يواجهون مخاوفهم " تنهد لوسيان محاولا إستيعاب حجم المكانة التي دخلها ، ثم تابع جاسون بنبرة مرحة. _ " أما بالنسبة للطلاب البارزين : سيرينا ... مستذئبة و قائدة فصيل الذئاب ، قوية و شديدة و حازمة ، إيلارا ... ساحرة مهتمة بالسحر الممنوع ، كن حذرا منها فكلامها أحيانا يحمل فخاخا سحرية ، لوكاس ... مصاص دماء قوي و متهور ، يحب الإستعراض و إثبات نفسه و قوته ، لكنه غالبا ما يُزعج الآخرين و أخيرا هناك ... مارغريت ". توقف جاسون للحظة ، و نظر إلى لوسيان بعينين لامعتين ... " مارغريت ... هي مزيج من كل شيء : مصاصة دماء ، ساحرة و مستذئبة ، بمعنى آخر فتاة هجينة حقيقية ، مفتاح ما لكن لا تسألني لماذا ... لأنك ستعرف كل شيء لاحقا " أخذ جاسون نفسا عميقا ثم إبتسم و قال مازحا ... " أما باقي الركاب هنا ... فهم كلهم تلاميذ عاديون أو غير عاديين ، يتعلمون ، يتدربون و أحيانا يتشاجرون ، لكن تذكر قاعدة ذهبية : لا تثق في كل ما تراه ... بعضهم أكثر مكرا من الظلال نفسها " نظر لوسيان حول القطار ، و لاحظ كيف يهمس بعض الطلاب فيما بينهم ، و يضحك اخرون بطريقة غير طبيعية و يختفي بعضهم للحظات قبل أن يظهر فجأة في مكان آخر ... سأل لوسيان بعد برهة من التحديق. _ " و هل كل هؤلاء هنا منذ البداية " _ " آه ... بعضهم هنا منذ سنوات ، بعضهم جديد مثلك ، لكن تذكر : الأكاديمية ليست مجرد مدرسة بل هي اختبار دائم و النجاة فيها يعتمد على ذكاءك ، قوتك ، و مقدار ما تستطيع أن تتحمل من الغرابة " جلس لوسيان في مكانه ، يحاول إستيعاب و فهم ما سمعه من جاسون الذي تمدد على المقعد المقابل و إبتسم بسخرية و هو يقول _ " لا تقلق كثيرا ... خلال الأيام القادمة ، سأريك كل شيء ، حتى القواعد الغريبة التي قد تبدو مستحيلة الآن ... ستصبح طبيعية لك " ارتاح لوسيان أكثر و بدأ يشعر أن وجود جاسون بجانبه قد يخفف من رهبة هذا العالم الغريب ، لكن شيئا ما في داخله لم يتوقف عن التحرك ... ربما دمه ، و ربما شيء أعمق سيجعله مختلفا عن كل هؤلاء الطلاب.