أكاديمية الدم الملعون

الفصل 19: Part 19

Part 19

خرج لوسيان من القوقعة التي صنعتها إيدواردا ببطء ، يتنفس بعمق بعد المواجهة المكثفة مع مخاوفه ، كان الجو في الممر هادئا نسبيا ، لكن الشعور بالضغط النفسي و التوتر لم يُغادِره تماما . على الفور : لاحظ أصدقاؤه إيفن ، جوناس ، إيما و أوليا أنه غادر الدائرة دون أن يبدو عليه الدوار أو الإعياء الذي عادة ما يُصاحب مواجهة المخاوف العميقة ، اقتربوا منه بسرعة و بدأوا يسألون_ إيفن " لوسيان ... كيف حالك ؟ لم تظهر أي علامات ضعف عليك ". _ إيما " حقا ... خرجت دون أي تأثير ؟ أنا بالكاد استطعت الوقوف على قدماي ". _ جوناس " هل لديك طريقة خاصة للتحمل ؟ أم أن شيئا آخر حدث ؟ ". _ أوليا " أخبرنا ... لا يمكن أن يكون الأمر طبيعيا ". إبتسم لوسيان إبتسامة خفيفة لكنه شعر بالحذر ، فقد كان يعلم أن دماءه الهجينة لم تظهر بالكامل بعد ، و أنه يحمل فقط دماء السحرة في الوقت الحالي ، همس لنفسه بصوت منخفض_ " الآن فقط دم السحرة ... البقية ستظهر لاحقا ... يجب أن أكون حذرا ". نظر إليهم و قال بصوت هادئ محاولا تقليل القلق ... " لقد كان الأمر أصعب مما توقعت ... لكن يبدو أنني تمكنت من السيطرة على الأمور ". تبادل أصدقاؤه النظرات فيما بينهم و لاحظوا شيئا غريبا في تصرفاته : هدوء غير مُعتاد و نظرة مركزة ، و كأن شيئا في داخله لم يره أحد بعد ، همس إيفن إلر جوناس و أوليا و إيما_ " هناك شيء مختلف ... شعوره بالقوة ... ليس مجرد تحمل ، إنه شيء آخر ". شعر لوسيان بمزيج من الراحة و القلق ، فهو يعلم أن هذه القوة مؤقتة ، و أن دمائه الهجينة التي باتت معروفة للجميع - ساحر و بشري - ستُسيطر عليه ، لكنه لم يكشف شيء لأصدقائه و كأن ذلك سرا يحتفظ به لنفسه فقط . بينما مارغريت وحدها تعرف الحقيقة كاملة ، أخذ نفسا عميقا و أشار إلى أصدقائه بإبتسامة مزيفة_ " لن أكشف لكم كل شيء الآن ... لكن صدقوني ، سأتمكن من التعامل مع ماهو قادم ". جلست المجموعة للحظة مع شعور بالدهشة و الفضول و كل منهم يحاول تخمين ما حدث داخل في الداخل ، بينما لوسيان يحتفظ بسر دمائه الهجينة تحت السيطرة ، و يشعر بأن طريقه لاكتشاف قواه لم يبدأ بعد. لم يكِد الطلاب يبتعدون عن قاعة الاختبارات حتى بدأ التوتر يطفو على السطح ببطء ، كدخان خفي لا يُرى يكنه يخنُق الأنفاس ، كان لوسيان يسير أمام المجموعة بخطوات هادئة أكثر مما ينبغي ، ظهره مستقيم ، كتفاه ثابتتان و كان المواجهة التي خرج منها لم تمسه كما مست الآخرين. كان إيفن لا يزال يشعر بثقل الإختبار في صدره ، راقب خطوات لوسيان بعينين ضيقتين ، ذلك الهدوء لم يكن طبيعيا ، تقدم إيفن خطوة ثم خطوتين حتى أصبح بمحاذاة لوسيان ، و قال بصوت منخفض لكنه حاد_ " لوسيان ... ماذا رأيت هناك ". لم يتوقف لوسيان ، لم يلتفت حتى لكنه أجاب ببرود ... " قلت لك ... لا شيء مهم ". توقف ايفن عن السير و رفع حاجبه بإستنكار ، هذا الرد لم يكن رد لوسيان الذي يعرفه ... " لا شيء " ضحك بسخرية مشوبة بالغضب و هو يُتابِع ... " أنا كدت أفقد السيطرة على سحري ، جوناس خرج و كأنه قاتل أشباحه ، إيما كانت ترتجف ، و أنت تخرج و كأنك كنت في نزهة ". توقف لوسيان أخيرا و إلتفت ببطء نحو إيفن ، و عيناه تحملان نظرة مظلمة لم يعتدها منه ... " قلت لك ... لا تضغط ". إقترب ايفن خطوة أخرى ، صوته إرتفع دون أن يشعر ... " نحن أصدقاؤك ... من حقنا أن نعرف ما يحدث معك ... أو هل تُخفي شيئا عنا ؟ ". ساد الصمت فجأة حتى الطلاب القريبون بدأوا يلتفِتون ، شد لوسيان فكه و حاول أن يكبح ذلك الإحساس الغريب الذي بدأ يتصاعد في صدره ، حرارة باردة ، نبض غير منتظم و شيء بداخله يتحرك_ " إبتعد عن طريقي يا إيفن ". لكن إيفن لم يفعل بل أمسك بذراع لوسيان بقوة و أجبره على النظر إلى عيونه ... " لا ... لن أفعل حتى ... ". لم يُكمِل جملته ، في لحظة خاطفة ، إندفع لوسيان للأمام دافعا إيفن بكتفه بعنف ما جعله يتراجع خطوتين تحت أنظار الطلاب الذي تجمدوا في أماكنهم و علامات الدهشة و الإستغراب قد اكتست ملامح وجههم ، ايفن و لوسيان الجديدان اللذان اشتركا ليلة أمس نفس الغرفة و ناما فيها برفقة جوناس يتشاجران الآن ... وقف إيفن مذهولا من فعلة لوسيان ، احتقنت الدماء في وجهه و هو يرفع رأسه و يُصوب نظره نحو لوسيان ، عض على شفته باحتقار ثم قال بغضب_ " ما خطبك ... هل جُنِنت ؟ ". إندفع مجددا و هذه المرة كان هو من ضرب أولا ، قبضته اصطدمت بصدر لوسيان بقوة سحرية غير مستقرة ، دفعة مباشرة حملت فيها شحنة من الغضب و الإرتباك لكن لوسيان لم يسقط . ترجع نصف خطوة فقط و رفع رأسه ببطء ، عيناه تلمعان بوميض أحمر خافت لم ينتبه لم معظم الطلاب ، لكن مارغريت التي كانت تُراقب من بعيد انتبهت فورا_ " توقفا حالا " ... جاء صوتها كحد السكين لكنه جاء متأخرا. إندفع لوسيان فجأة أسرع مما ينبغي لساحر عادي ، أمسك إيفن من ياقة زيه و دفعه إلى الحائط بقوة جعلت الهواء يخرج من بين رئتيه ، نطف لوسيان بصوت خرج منخفضا لكنه مخيف_ " قلت لك ... لا تضغط ". تجمع الطلاب في دائرة تلقائية ، همسات و شهقات و ذهول ، إيما وضعت يدها على فمها و أوليا تقدمت خطوة ثم توقفت ، بينما جوناس شد قبضتيه دون أن يتحرك ، صوت آخر انضم فجأة_ " كفى ". كان جاسون هو من صرخ هذه المرة ، ظهر عند المدخل ، شعره الأشعث و ايتسامته المعتادة إختفت تماما ، لكن عينيه مازالتا تحملان ذلك الوميض الساخر حتى في أخطر اللحظات_ " حسنا ... لم أطلب عرضا قتاليا بعد الاختبارات ". في اللحظة نفسها ، ظهرت الأستاذة ايدواردا بجانب مارغريت ، حضورها جعل الهواء يثقل أكثر ، رفعت يدها فتجمد لوسيان فجأة في مكانه كأن شيئا غير مرئي أمسكه من الداخل ، قالت بهدوؤ قاتل مُخاطبة لوسيان_ " ابعد يديك عنه ... الآن ". تردد لوسيان للحظة ثم ترك ايفن الذي سقط على ركبتيه يلهث ، بينما مارغريت تقدمت بخطوات بطيئة ، نظرتها كانت مثبتة على لوسيان وحده كأن باقي العالم إختفى ، ثواني مرت و هي تُحملق فيه ثم نطقت اسمه فقط_ " لوسيان ". لكن تلك الكلمة حملت تحذيرا واضحا ، شعر لوسيان فجأة بثقل ما فعله ، الطلاب ، العيون ، الهمسات فما كان عليه إلا أن خفض رأسه قليلا و قبضته لا تزال مشدودة . أخذ جاسون نفسا عميقا ثم نبس و هو يعقد ذراعيه نحو صدره_ " حسنا ... هذا تصعيد مثير للاهتمام ، لكن أنصحكم الأكاديمية لا تحب الدراما غير المصرح بها ". نظرت إيدواردا إلى إيفن ثم إلى لوسيان و قالت ... " ما حدث هنا ... لن يمر دون حساب ". إقتربت مارغريت خطوة أخيرة من لوسيان ، و همست بصوت لا يسمعه سواه ... " تحكم بنفسك ... أو سأفعل أنا ". رفع لوسيان عينيه إليها ، و في داخله كان يعرف أن هذا لم يكن مجرد شجار ، كانت أول شرخ علني و أول مرة تُفلت فيها قوته أمام الجميع ، و الأسوأ أن ما كبحه الآن لم يكن كل شيء ، بل جزء فقط من ماهو بداخله في وسط أكاديمية الدم الملعون.