أكاديمية الدم الملعون

الفصل 20: Part 20

Part 20

غادر لوسيان الممر بخطوات سريعة ، يكاد يركض غير مكترث بالعيون التي تُلاحقه أو بالهمسات التي تتصاعد خلفه كالجدران ، كان صدره يعلو و يهبِط بعنف و حرارة غير طبيعية تشتعل في داخله و كأن شيئا ما إستيقظ ، و لن يعود إلى النوم بسهولة ... إنعطف في أحد الممرات الجانبية المؤدية إلى الأجزاء الأقدم من الأكاديمية ، حيث الجدران الحجرية أكثر ظلمة و الرموز السحرية أقل توهجا ، حتى بدا المكان و كأنه يتجنب النظر إليه و ما إن وصل إلى زاوية معزولة حتى توقف فجأة . وضع يده على صدره بقوة نتيجة ألم حاد إخترقه ، ليس كألم جسدي عادي بل كضغط داخلي حتى شعر بأن قلبه يُعصر من الداخل ، شيئا ما يحاول الخروج أو السيطرة. إنحنى قليلا و أسنانه تنطبِق على بعضها و نفسه خرج متقطعا و هو يهمس لنفسه ... " تماسك يا لوسيان ... ليس الآن ". لكن جسده لم يكن يستجيب ، شعر بوخز حارق يمتد من صدره إلى عنقه كأن نارا باردة تشق طريقها تحت جلده ، رفع يده إلى عنقه و تجمد ... تحت أطراف أصابعه كان هناك نتوء غريب ، خطوط بارزة لم تكن موجودة من قبل . و في اللحظة نفسها جاء صوت من الخلف ، خفيف النبرة لكنه يحمل قلق حقيقي_ " كنت أعلم أنك ستفعل هذا ". إستدار لوسيان ببطء ، كان جاسون يقف عند مدخل الممر ، يديه في جيبيه كعادته و لكن إبتسامته الساخرة المعتادة لم تكن كاملة هذه المرة ، عيناه كانتا تفحصان لوسيان بدقة و مهنية أكثر مما ينبغي ، تقدم خطوة واحدة فقط ثم توقف فجأة لأن ما رآه جعله يتجمد في مكانه. إحدى عيني لوسيان - اليُسرى - لم تعد بلونها الطبيعي ، ، كانت سوداء بالكامل ليس سواد ظلام بل سواد عميق و كثيف كأنه يبتلع الضوء من حوله ، جاسون رأى أكثر من ذلك ، على عنق لوسيان و بالضبط تحت الجلد مباشرة كان هناك وشم يتشكل ببطء ، خطوط سوداء داكنة متشابكة ترسم ملامح تنين ، رأسه ملتف نحو القلب و كأنه يحرسه أو يُطالب به ... لم يكن وشما عاديا ، كان حي يتحرك بخفة مع كل نبضة ألم تصدر من لوسيان ، فتح جاسون فمه ثم أغلقه ، زفر ببطء و قال أخيرا بصوته الذي حاول أن يجعله خفيفا لكنه فشل في ذلك_ " لوسيان ... هل أنت بخير ". رفع لوسيان رأسه بصعوبة ، نظر إليه بعين واحدة طبيعية و الأخرى سوداء مرعبة جعلت الدم في عروق جاسون يتوقف عن السريان ، حاول ذلك الأخير أن يبتسم لكن الألم شق تعبيره_ " لا ... لا أعتقد ذلك ". خطا خطوة ثم اهتز جسده قليلا ، فاندفع جاسون نحوه فورا و أمسكه من ذراعه قبل أن يفقِد توازنه_ " مهلا ، مهلا ... " قالها جاسون و هو يُثبِته ... " هذا ليس طبيعيا ، حتى بمعايير الأكاديمية ". ضحك لوسيان ضحكة قصيرة و متكسرة ... " صدقني ... هذا أقل ما يُقلِقُني ". نظر جاسون مباشرة إلى عينه السوداء ، صوته انخفض فجأة و هو يقول ... " منذ متى ". _ " لا أعلم " أجاب لوسيان و هو يضغط على صدره مجددا ... " لكن منذ دخلت غرفة المخاوف ... شيء ما انكسر ". إقترب جاسون أكثر ، مرر نظره على الوشم المتشكل على عنقه ، ثم تمتم قائلا و كأنه يُخاطب نفسه ... " تنين " رفع عينيه بسرعة و قال ... " هذا ليس دم ساحر أو بشري أو مصاص دماء فقط لو كان بداخلك دم مصاصين الدماء ". تصلبت ملامح لوسيان و هو يسأل ... " ماذا تقصد ". إبتسم جاسون إبتسامة جانبية باهتة لكنها خالية من المزاح هذه المرة ... " أقصد أنني رأيت أشياء كثيرة هنا و لكن هذا ... " توقف لحظة ثم أكمل بعدما إبتلع ريقه ... " هذا ختم ". شعر لوسيان بقشعريرة تسري في جسده رغم الحرارة ... " ختم ... ماذا ؟ ". لم يُجِب جاسون فورا ، مد يده ببطء و لمس الهواء قرب الوشم دون أن يلمسه فعليا و كأش شيء منعه ، حدق فيه لمدة طويلة يحاول أن يجمع شتات أفكاره ثم قال_ " شيء قديم ... شيء لا تحب الأكاديمية الحديث عنه ". عاد الألم يشتد فجأة فشهق لوسيان ، قبضته تشد على قميصه بقوة و العين السوداء لمع فيها وميض خافت ضغط جاسون على ذراع لوسيان بقوة و قال بلهجة حاسمة ... " اسمعني جيدا لوسيان ... لا تُر أحد هذا ". همس لوسيان بصوت خافت ... " أظن أن ... مارغريت تعرف ". أغلق جاسون عينيه للحظة ثم فتحهما ببطء ... " هذا أسوء مما توقعت " ثم نظر إليه بجدية لم يسبِق للوسيان أن رآها في جاسون من قبل ... " و إن أردت أن تظل حيا ... ستحتاج إلى حلفاء " تلاشت الإبتسامة الساخرة عن وجهه تماما و هو يقول ... " و يبدو ... أنني تورطت معك الآن ". في تلك اللحظة هدأ الألم قليلا لكن الوشم لم يختفِ و العين السوداء بقيت كما هي و كان لوسيان يعلم في أعماقه أن ما ظهر اليوم لن يعود إلى الظل أبدا. ~~~~~~~~~~~~~~ كانت الساحة المركزية تعُج بالطلاب ، دوائر صغيرة من الكائنات الخارقة موزعة بين الأعمدة الرخامية و النوافير السحرية التي تنبض بضوء أزرق خافت . الهمسات لم تهدأ منذ ما حدث في الممرات ، اسم لوسيان كان يتردد كتعويذة محرمة ... بعد ذهاب إيدواردا بخطوات صارمة نحو مكتب المدير لإعلامه بما حدث ، عم شعور ثقيل و كأن الأكاديمية تحبِس أنفاسها. وسط الساحة ، وقفت مارغريت بثبات يليق بمكانتها ، كتفاها مستقيمان و نظرتها باردة كحد السيف ، أمامها مباشرة كان إيفن ، ملامحه مشدودة بالغضب و عيونه لا تزال مشتعلة بالإهانة بعدما حدث بينه و بين لوسيان ، إقترب خطوة ثم أخرى غير مُدركا أو بالأحرى مُتجاهلا للعيون التي بدأت تلتفِت إليهما. قال إيفن بصوت منخفض لكنه حاد ... " أنت تعرفين ما حدث في الداخل ... لا تحاولي التهرب ، مارغريت ". رفعت حاجبها ببطء و ردت ببرود ... " اختر كلماتك جيدا ". ضحك بسخرية قصيرة و هو يشبك ذراعيه نحو صدره ... " أوه ... هل أخطأت أم أن لقبك يمنع الناس من سؤالك ". بدأ بعض الطلاب يلتفون ، دائرة صامتة تتشكل ، التوتر يُرى في الهواء و مارغريت تنظر إليه بإشمئزاز ، نظرت إليه من رأسه حتى قدميه ثم قالت بنبرة هادئة و خطيرة_ " أنا لست مضطرة لشرح أي شيء لك ". إقترب أكثر منها حتى لم يعد يفصل بينهما سوى بضع سنتيمترات ، كانت بالكاد تصل إلى كتفيه و رغم ذلك رفعت رأسها إليه و إلتقت عيونهما ، تأمل إيفن ملامح وجهها ثم نبس قائلا_ " أم لأنك تُخفين شيئا ؟ لأنك تعرفين أن ذلك البشري ليس كما يبدو ". تغيرت نظرة مارغريت للحظة لم تكن خوفا و لا تحذير ... " تراجع خطوة يا إيفن ". لكن الغضب أعماه و هو يرد ... " أم ماذا ؟ ستستدعين المجلس ، أم ستختبئين خلف الأستاذة ايدواردا " ثم قال الجملة التي حسمت كل شيء بالنسبة لمارغريت ... " أو ربما ... أنت خائفة لأنك متورطة معه ". ساد صمت ثقيل و في أقل من رمشة عين تحركت مارغريت ، لم ترفع صوتها و لم تتخِذ وضعية القتال ، كل ما فعلته هو أنها رفعت يدها قليلا و كأنها تستدعي شيئا من الهواء نفسه . إنفجر ضغط غير مرئي : قوة ساحقة ، نقية و باردة اصطدمت بصدر إيفن مباشرة ، ضربة واحدة و طار جسده للخلف عدة أمتار . إرتطم بالأرض بقوة جعلت الحجارة تتشقق تحته ، شهق بعض الطلاب و تراجع آخرون لا إراديا ، توقف الزمن لثانية ثم نهض إيفن بصعوبة و هو يتنفس بصوت متقطع . عينيه متسعتين بصدمة حقيقية هذه المرة ، تقدمت مارغريت نحوه بخطوات بطيئة ، خطوات شخص يعرف أن لا أحد سيمنعه و وقفت أمامه ، نظرتها نزلت عليه من عُلو و صوتها خرج واضحا . ثابتا و مسموعا لكل من في الساحة_ " لا تتمادى مع من هو أقوى منك أيها الطالب الجديد " توقفت لحظة ، ثم أضافت بنبرة تحمل سلطة لا جدال فيها ... " أنا مارغريت من أعضاء المجلس في أكاديمية فالينور العليا و الجميع يعرف ذلك ". سرت همهمة بين الطلاب ، البعض شهق و البعض الآخر تبادل نظرات مذهولة حتى أولئك الذين كانوا يشِكُون بمارغريت و قوتها و قوة أي عضو من أعضاء المجلس لم يعودوا يفعلون . حاول إيفن الوقوف بشكل مستقيم لكن ركبته خانته ، رفع عينيه إليها و الغضب إختفى و لكن حل مكانه شيء آخر يُعرف بالإدراك المتأخر بأنه واجه من هو أقوى منه_ " أ ... أنا ل... لم أكن ... ". قاطعته ببرود ... " لم أطلب تبريرا " ثم إستدارت ببطء ، نظرتها جالت على الحاضرين ثم قالت ببرود أكبر ... " ما حدث اليوم لا يعنيكم ... و ما سيحدث لاحقا أقل من أن يُناقش في ساحة عامة ". تحركت مبتعدة و عباءتها السوداء ترفرف خلفها تاركة خلفها ساحة غارقة في الصمت و إيفن جالسا على الأرض ، يُدرك متأخرا أنه لم يُواجه مجرد طالبة بل سلطة كبيرة و معروفة في أكاديمية فالينور العليا ... لم يواجه الطالبة مارغريت بل واجه أقوى الأعضاء داخل الأكاديمية و أكثرهم إثارة للرعب.