Part 21
إبتعدت مارغريت بخطوات هادئة و ثابتة من الساحة و كأن ما حدث لم يكن أكثر من تصحيح بسيط لمسار خاطئ ، لم تلتفِت إلى خلفها و لم تحتج إلى ذلك من الأصل . بمجرد أن إختفت بين أروقة الأكاديمية ، بدأ الضغط الخانق الذي خيم على الساحة يتبدد تدريجيا لكن أثره بقي عالقا في صدور الجميع ، ساد صمت ثقيل ثم بدأت الهمسات تتصاعد و كل ما كان مكبوت بداخل كل فرد في الأكاديمية تنفس عن نفسه و نطق بما كان يجثم على قلبه. كان إيفن لا يزال جالسا على الأرض ، يضغط بيده على صدره ، أنفاسه غير منتظمة و عيناه مثبتتان على الفراغ و كأن الضربة لم تكن جسدية فقط ، بل صفعة على غروره و ثقته بنفسه ، إقتربت خطوات جوناس السريعة منه و كان أول من وصل إليه ، ركع أمامه دون أن يلمسه و قال_ " إيفن ... هل تستطيع الوقوف ؟ ". لم يرد إيفن فورا بل أغمض عينيه للحظة و كأن صدى صوت مارغريت يزال في أذنيه يرن ، وقفت أوليا بجانب جوناس ، ملامحها متوترة و أنفها يلتقط الروائح في الهواء لا إراديا ، نبست بعد برهة من التأمل الصامت في تعابير وجه إيفن _ " قوتها ... لم تكن مجرد سحر ، كانت سيطرة كاملة ". لحقت إيما بهما و جثت على ركبتيها من الجهة الأخرى ، يدها تُلامس الأرض المتشققة حيث سقط إيفن ... " لم أر أحدا يُسقِط ساحرا بهذه السهولة من قبل ". فتح ايفن عينيه أخيرا ، نظر إليهم بنظرة مختلفة عن تلك التي عرفوها سابقا ، لم يكن الغضب حاضرا هذه المرة ، بل صدمة صافية لما حدث معه ، إبتلع ريقه بصعوبة بالغة ثم قال بصوت مبحوح _ " هي ... لم تستخدم كامل قوتها ، أليس كذلك ؟ ". تبادل الثلاثة النظرات الصامتة بينهم ثم قال جوناس بهدوء ... " لو فعلت ... لما كنت تتحدث الآن ". حاول إيفن النهوض لكن تعثرت حركته فسارعت أوليا بالإمساك بذراعه ، دعمته بقوة جسدية لم يكن يتوقعها منها ، كان جسد إيفن يئن من الألم و الصدمة لا تزال عالقة على وجهه ، صدمة أن مارغريت لم تستخدِم كامل قوتها لكنها أطاحت به بشكل مريب ، أردفت أوليا قائلة بنبرة حازمة رغم القلق_ " توقف عن العناد ... جسدك مازال تحت تأثير الضربة ". تنفس إيفن بعمق ثم قال بمرارة ... " كنت أظن أنني أفهم هذه الأكاديمية ... أن القوة هي كل شيء و لكن ... ". صمت فنظرت إليه إيما مباشرة ثم قالت ... " القوة بدون معرفة حدودك ؟ هذا طريق سريع للهاوية ". ساد صمت قصير بعد كلمات إيما إلا أن رفع إيفن رأسه فجأة و قال ... " لوسيان ". تصلبت ملامح أوليا إلا أنها كتمت غيظها منه و قالت بتحذير ... " لا تجرؤ ". مال إيفن قليلا للأمام ثم نبس ... " لم أكن أريد إيذائه ... أردت فقط أن أعرف ". شد جوناس على كتفه قليلا و أجابه ... " بعض الأسرار لا تُنتزع بالقوة يا ايفن ". نظر إيفن حوله و لاحظ الطلاب الذين يُراقبون من بعيد ، بعضهم بفضول و بعضهم الآخر بخوف و آخرين على أطراف بإعجاب صامت بما فعلته مارغريت ، إزدرد ريقه ثم قال بمرارة خافتة_ " الآن ... الجميع يعرف مكاني حقا ". ردت عليه أوليا بهدوء ... " ليس المكان ... بل الدرس ". وقفت إيما أولا ثم مدت يدها له ... " تعال ... لن تظل هنا ". أمسك يدها و تنهد ثم وقف بمساعدتهم ، خطواته لا تزال غير مستقرة ، و بينما كانوا يبتعدون عن مركز الساحة لم يستطع إيفن منع نفسه من الإلتفات مرة أخيرة إلى حيث وقفت مارغريت منذ دقائق ، همس بصوت بالكاد سمعه جوناس_ " لوسيان ... أخطر مما توقعت ". لم يرد جوناس لكنه كان يعلم في قرارة نفسه أن ما قاله إيفن صحيح ، و أن هنالك ما يُخفى عن الجميع و ما يُحاك في الخفاء دون أن يعرف أحد عنه. ~~~~~~~~~~ كان لوسيان يسير بخطوات غير متزنة ، يده لا تزال تضغط على صدره حيث ينبض الألم بنبض غريب ، غير مألوف و كأن شيئا في داخله لم يستقر بعد ، الهواء هنا أبرد من المعتاد و الممر شبه خال لا يُسمع فيه سوى صدى خطواته المترددة . إستدار عند منعطف حجري ضيق و إصطدم بجسد ثابت ، اختل توانه و مال جسده إلى الخلف و كاد يسقط لكن قبل أن يُلامس الأرض ارتفعت يد واحدة بهدوء. لم تنطق مارغريت بتعويذة طويلة و لم ترفع صوتها و لم ترسم دوائر معقدة ، مجرد حركة خفيفة من أصابعها تسببت في ظهور سحابة سوداء كثيفة من تحت قدمي لوسيان ، التقطته في الهواء بلطف مُريب و أسقطته عليها بدلا من الأؤض الصلبة ... توقف الزمن لثانية ، جلس لوسيان على السحابة السوداء مذهولا ، أنفاسه متقطة و عينيه تتسعان و هو يرفع رأسه ببطء. كانت مارغريت تقف أمامه ، مستقيمة و هادئة و باردة كما عهدها الجميع بل أكثر ، عيناها لم تحملا دهشة و لا غضب فقط تقييم دقيق و كأنها تنظر إلى معادلة ناقصة ، تأملته لوهلة وجيزة ثم قالت بصوت منخفض و صارم ، يخلو من أي عاطفة_ " انتبه إلى طريقك ، لوسيان ... السقوط هنا ليس دائما بسيطا كما يبدو ". حاول لوسيان النهوض لكن السحابة تحركت قليلا تحت جسده فجلس مجددا رغم عنه و هو يقول بتلعثم ... " أ ... أعتذر لم أكن ... ". قاطعته بنبرة أكثر حدة لكنها لم ترفع صوتها ... " لا تعتذر ، أجب فقط ". تقدمت خطوة واحدة نحوه فشعر لوسيان فجأة بأن الهواء أصبح أثقل ، كأن صدره يُضغط من الداخل ، و كأن الدم في عروقه يستجيب لوجودها دون إرادته ، ثبتت نظرها عليه مباشرة في عينيه ثم قالت_ " لوسيان ... ماهي الدماء التي تحملها بداخلك ". تجمد لوسيان على السحابة فالسؤال لم يكن عابرا بل كان اختبار ، إبتلع ريقه و حاول السيطرة على تسارع نبضه و تذكر ما يعرفه ، أو ما يظن بأنه يعرِفه ، أجاب بعد تردد قصير بصوت يسعى فيه أن يكون ثابتا_ " دماء السحرة ... و البشر ". لم يتغير تعبير وجه مارغريت ، لا دهشة و لا إستنكار و لا قبول ، فقط صمت قصير و ثقيل ، دارت حوله ببطء ، خطواتها هادئة على أرضية الممر بينما السحابة السوداء أبقته معلقا في مكانه ، عاجزا عن الحركة دون إرادتها ، قالت أخيرا بنبرة باردة تحمل ماهو أخطر من الغضب_ " إجابة ناقصة ". رفع رأسه بسرعة و تمتم قائلا ... " ماذا ... ماذا تقصدين ، هذا كل ما أعرفه ". توقفت أمامه مباشرة و إقتربت هذه المرة أكثر ، حتى أحس ببرودة حضورها تُلامس جلده ، خفضت صوتها أكثر حتى أصبح همسا لا يسمعه سواهما_ " الدم لا يكذب يا لوسيان ... و الخوف لا يخلِق قوة من العدم ". شدت قبضتها قليلا حتى إستجابت السحابة السوداء و ارتفعت به بضع سنتيمترات ثم ثبتت ، تسارعت أنفاسه و شعر بوخز حاد في صدره و بحرارة باردة تسري في عروقه ، كأن شيئا في داخله يريد أن يستيقظ لكنه قاوم ، قال بصدق مشوب بالإرتباك_ " لا أشعر بشيء آخر ... لو كان هناك شيء لكنت عرفت ". نظرت إليه مارغريت طويلا ، طويلا جدا ثم إستدارت فجأة و لوحت بيدها بخفة فاختفت السحابة السوداء ، و سقط لوسيان على قدميه هذه المرة ، متماسكا بالكاد . قالت مارغريت و هي تُعطيه ظهرها_ " الجهل ... أحيانا نعمة مؤقتة " خطت خطوة إلى الأمام ثم توقفت دون أن تلتفت ... " لكن تذكر هذا جيدا ... عندما يستيقظ الدم الذي تنكره لن أكون أنا من يمنعه ". ثم تابعت سيرها و خطوتها تتلاشى في عمق الممر ، تاركة خلفها صمتا خانقا ، وقف لوسيان في مكانه ، يده مستقرة على صدره و عيناه مثبتتان على الفراغ ، لم يكن يعرف لماذا لكن جزءا منه كان متأكدا أن مارغريت تعرف أكثر مما قالت و أن دماءه لن تبقى صامتة طويلا.