Part 24
كانت قاعة التدريب السفلية غارقة في ضوء باهت يتسلل من الشقوق البلورية في السقف العالي ، الضوء لا يُنير المكان بقدر ما يُراقِبه ، الأرضية الحجرية السوداء كانت محفورة بدوائر تعويذة قديمة ، آثار معارك لا تُمحى و خطوط طاقة لا تزال نابضة رغم صمت المكان ، وقفت مارغريت في منتصف القاعة ، عباءتها مطوية بإحكام خلفها ، شعرها مرفوع و عيناها ثابتتان بلا تردد ، أمامها مباشرة كانت إيلارا. رفعت إيلارا كفيها ببطء ، و إبتسامة خفيفة تُلامس شفتيها ، تلك الإبتسامة التي لا تعني البراءة بقدر ما تعني الفضول الخطير ، توهجت الرموز على معصميها بلون اخضر داكن ، لون لا ينتمي لأي مدرسة سحرية مُعتمدة ، قالت مارغريت ببرود محسوب _ " لا تخلطي بين الفضول و السيطرة ... السحر الممنوع لا يرحم من يظنه أداة ". ضحكت إيلارا بخفة و هي تُدير الطاقة بين أصابعها ... " و لهذا أتعلمه تحت إشرافك ... أو على الأقل تحت نظرتك الحادة ". لم تُجِب مارغريت بل رفعت يدها فجأة ، و إندفعت موجة طاقة شفافة اصطدمت بتعويذة إيلارا ، تداخل الضوء و اهتزت القاعة للحظة قبل أن تتراجع إيلارا نصف خطوة ، عيناها تلمعان لا خوفا بل نشوة ، تمتمت مارغريت قائلة_ " أسرع مما توقعت ". ردت إيلارا بإبتسامة أوسع ... " لأنني لم أفكر ... السحر الممنوع لا يُحب المترددين ". و قبل أن تستأنف المواجهة ، إنفتح أحد الأبواب الجانبية للقاعة دون ضجيج ، تغير الهواء تزامنا مع دخول سيرينا ، لم تكن ترتدي عباءة تدريب بل زي فصيل الذئاب القتالي ، جلد داكن و حزام معدني ، كتفاها مرفوعان بثقة مفترس يعرف مكانه في السلسلة ، عيناها مسحتا في ثانية واحدة ثم توقفتا عند مارغريت ، قالت سيرينا بنبرة هادئة تُخفي قوة خام_ " يبدو أنني لم أتأخر كثيرا ". شدت مارغريت فكها قليلا ثم أومأت ... " التدريب بدأ بالفعل ". إقتربت سيرينا بخطوات ثابتة ، و وقفت بمحاذاة إيلارا ، نظرت إليها نظرة جانبية سريعة كأنها تُقيم تهديدا محتملا ، ثم إبتسمت إبتسامة ذئب و هي تقول مُوجهة نظرها نحو إيلارا_ " ساحرة تهتم بالممنوع " ثم نظرت إلى مارغريت ... " و مراقِبة لا تخطئ ... تشكيل غير مألوف ". رفعت إيلارا حاجبها بسخرية لطيفة ... " قائدة فصيل الذئاب بنفسها في قاعة تدريب سحرة ؟ يبدو أن الليلة غير تقليدية ". خلعت سيرينا قفازيها ببطء و وضعتهم جانبا ... " بعدما حدث الليلة الماضية ... لا شيء تقليدي بعد الآن ". ساد صمت قصير ، صمت يحمل في طياته إسما لم يُنطق ، و دما لم يُذكر ، قالت مارغريت أخيرا_ " سنختبر السيطرة تحت الضغط " نظرت إلى إيلارا و نبست ... " سحر بلا قيود " ثم إلى سيرينا و أردفت ... " قوة بلا تحول كامل ". إنحنت سيرينا قليلا ، و عيناها تلمعان بتحدِ خفي ... " أخيرا ... تدريب حقيقي ". أما إيلارا فابتسمتها خفتت للحظة و كأن فكرة ما عبرت عقلها ، صورة عابرة و عينان تعرفان سرها ، و اسم يُقال داخل جدار فالينور : جاسون ... رفعت يديها مجددا و هذه المرة كان الضوء أعمق و أخطر ، قالت مارغريت بنبرة منخفضة لكنها حاسمة_ " تذكير أخير ... هذه القاعة لا تحمي أحد ". و في اللحظة التالية ، إنفجرت الطاقة في القاعة كعاصفة مكتومة ، الدوائر التعويذية تحت أقدامهن أضاءت دفعة واحدة ، و اهتز الحجر الأسود و كأن القاعة نفسها تستعد لما هو فيهم ، كانت سيرينا أول من تحرك . أغمضت عينيها للحظة قصيرة ، أنفاسها تعمقت و بدأ جسدها يتغير دون صرخة أو تردد ، العضلات تشُد و العظام تُعيد ترتيب نفسها بصوت خافت لكنه مُقلق ، الفراء الفضي الداكن ينساب فوق جلدها ، و في ومضة واحدة لم تعد فتاة بل ذئبة ضخمة ، عيناها تلمعان بذكاء مفترس لا يفقد السيطرة. قفزت ، لم يكن الهجوم فوضويا بل مدروسا ، هاجمت سيرينا مارغريت مباشرة ، مخالبها تشق الهواء و سرعتها كأنها ظل يتحرك قبل الجسد . لم تتراجع مارغريت بل رفعت يدها بزاوية دقيقة ، و انفجرت أمامها طبقة سحرية شفافة ، اصطدمت بها الذئبة بقوة فارتد جسدها نصف متر قبل أن تلتف في الهواء و تهبِط بسلالة ، لم تتوقف و إنما زأرت زئير منخفض يحمل تحديا لا غضبا ، ثم غيرت اتجاهها فجأة و دفعت بجسدها نحو إيلارا. إبتسمت إيلارا بخفة ، لم ترفع صوتها و لم تتلو تعويذة واضحة ، وضعت كفها على الأرض و همست بكلمة واحدة ، كلمة غير مدونة في أي سجل رسمي ، انشقت الدائرة السحرية تحت الذئبة و خرجت منها ظلال كثيفة . ليست سوداء تماما بل خضراء داكنة ، تلتف حول أطراف سيرينا و تحاول تقييدها ، إنقلبت الذئبة على ظهرها و قطعت الظلال بمخالبها لكن ذلك لم يكن سحر عادي ، كان عنيد يلتف و يعود من جديد ، قالت مارغريت بحدة_ " إيلارا ... لا تذهبي بعيدا ". أجابت إيلارا دون أن تنظر إليها ، عيناها متوهجتان ... " أنا أعرف إلى أي حد ". قفزت سيرينا مجددا ، هذه المرة تجاوزت التعويذة بالقوة و إصطدمت مباشرة بدرع مارغريت ، دفعتها خطوتين للخلف ، في تلك اللحظة مارغريت لم تكن هنا بالكامل ، عيناها شردتا لجزء من ثانية : جناح العرافين ، الرموز التي إنطفأت ، الإنذار القديم و دم لوسيان الذي صرخ دون صوت ، رأت مرة أخرى عينين ذهبيتين و تحولا ، توقف في منتصف و شعور مألوف ، دم مختلط أكثر مما يجب أن يوجد. كان درعها السحري يتصعد ، لاحظت سيرينا ذلك فورا ، غرست مخالبها في الأرض لتثبت نفسها و مال رأسها قليلا كأنها تشم ترددا ، لكن قبل أن تستغل اللحظة ، انفجرت طاقة موجة جانبية ، كانت من إيلارا . هذه المرة لم تكن الظلال فقط بل رموز قديمة ظهرت في الهواء ، غير مستقرة ، تتحرك كأنها كائنات حية ، ضربت الذئبة من الجانب ، دفعتها بعيدا دون أن تُصيبها إصابة قاتلة ، تدحرجت سيرينا ثم نهضت بمرونة ، تراجعت خطوة واحدة فقط و وقفت تُراقب ، قالت مارغريت بنبرة حادة_ " كفى ". توقفت الطاقات فجأة و إنسحبت الرموز ، بدأت سيرينا بالتحول العكسي ، العظام تعود و الفراء يختفي حتى عادت واقفة ، تتنفس بعمق و جبينها يتلألأ بالعرق ، قالت و هي تمسح فمها بظهر كفها_ " كنت شاردة ". لم تنكر مارغريت ، وقفت مستقيمة و عباءتها عادت إلى سكونها ، لكن في عينيها شيء لم يكن موجود قبل التدريب ، شيء أثقل ، قالت إيلارا و هي تُخفِض يديها أخيرا_ " ليس شرود .... بل إنشغال ". سادت لحظة صمت قصيرة ، ثم قالت إيلارا بنبرة أخف لكنها مباشرة ... " سمعت بما حدث مع لوسيان في جناح العرافين ". لم تلتفت مارغريت إليها فورا ، قالت سيرينا ببطء و فضولها واضح ... " الجميع سمع ... لكن لا أحد يعرف التفاصيل ". إستدارت مارغريت أخيرا ، نظرتها حادة كأنها تقطع أي محاولة للضغط ، لكنها لم تنفِ ، قالت بهدوء ثقيل_ " بعض الدماء لا يجب أن توقظ ". نظرت إليها إيلارا بتمعن ثم قالت ... " و بعض الأسرار ... لا تبقى أسرار طويلة ". إلتقت أعينهما ، سحر ممنوع و دم مختلط و ذئبة تعرف متى تُهاجم و متى تتراجع ، أردفت مارغريت قائلة ببطء_ " ما حدث في جناح العرافين ... لن يبقى هناك ". ساد الصمت للحظة بعد كلمات مارغريت ، صمت لم يكن فارغ بل ممتلئ بما لم يُقال بعد ، كانت القاعة قد هدأت ، الدوائر السحرية خفت توهجها ، لكن الهواء مازال مشحونا و كأنه يحتفظ بأثر التدريب ، إلتفتت مارغريت إلى إيلارا ، نظرتها ثابتة و مباشرة و بلا مجاملة_ " هل جاسون أخبرك عن الأمر ". لم تتفاجأ إيلارا بالسؤال ، رفعت كتفيها بخفة ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها ، نبرة صوتها كانت هادئة لكنها صادقة_ " نعم ". لم تُضف تبريرا و لم تحاول التخفيف ، إجابة واحدة كانت كافية ، زفرت مارغريت ببطء ببطء ليس غضبا بل ضيق محسوب ، و قالت بنبرة باردة تعرفها إيلارا جيدا_ " ساحر ثرثار و مزعج ... و لا يُجيد إخفاء الأمور مهما إدعى العكس ". إبتسمت إيلارا إبتسامة جانبية خفيفة ، تلك الإبتسامة التي تظهر فقط عندما يُذكر اسم جاسون ، قبل أن ترد تدخلت سيرينا ، كانت تمسح أثر العرق عن عنقها لكنها كانت تراقبهما بعينين حادتين ، عيني قائدة تعرف من يكون الصمت خطرا_ " ألا تزال علاقتك به سرية ". توقفت يد إيلارا في الهواء لجزء من ثانية ، نظرت إلى سيرينا ثم إلى مارغريت ، و كأنها تقيس المسافة بين الصراحة و الخطر ثم قالت بنبرة ثابتة_ " نعم ". رفعت سيرينا حاجبها قليلا ، ليست مستغربة بل مستنكرة ... " غريب ... في أكاديمية تعج بالأسرار ، تختارين إخفاء شيء واحد ". تقدمت مارغريت خطوة واحدة و قالت ببرود واضح ... " بعض الأسرار ... لا تُخفى لأنها خطيرة بل لأنها ثمينة ". نظرت إيلارا إليها بحدة خفيفة ثم أردفت ... " أو لأنها قد تُستخدم ضدنا إن عُرِفت ". لم تُنكِر مارغريت ، سادت لحظة صمت قصيرة قطعتها سيرينا بصوت أهدأ لكنه أكثر عمقا مُخاطبة مارغريت_ " و لوسيان ؟ هل سيبقى سرا أيضا ؟ ". تغير الجو فورا حتى إيلارا شعرت بذلك ، ثبتت مارغريت نظرها على الأرض للحظة ثم رفعت رأسها ، و عيناها تحملان ثقل ما رأت في جناح العرافين_ " لوسيان لم يعد خيارا بين الإخفاء أو الكشف " توقف ثم أكملت بصوت ثابت ... " هو أصبح نقطة جذب ". مالت إيلارا للأمام قليلا و اهتمامها اشتد و هي تسأل ... " مجلس الظلال ؟ ". لم تُجِب مارغريت مباشرة لكن صمتها كان جوابا كافيا ليُقمِع فضول إيلارا ، شدت سيرينا قبضتها و هي تنبس_ " إن كانوا قد شعروا به ... فالذئاب لن تقف متفرجة ، الدم الذي يوقظ النداء ... يوقظ الغرائز ". نظرت مارغريت إليها بحدة ... " لهذا السبب تحديدا يجب أن نكون متقدمين بخطوة ، لا ذئاب و لا سحرة و مجالس ... بل نحن ". مالت زاوية فم إيلارا بإبتسامة خفيفة لكنها خالية من المزاح ... " إذن ، لم يعد الأمر تدريبا ... أليس كذلك ". أجابت مارغريت دون تردد ... " لم يكن كذلك منذ اللحظة التي بدأ فيها دمه بالرد ". إلتقت نظرات الثلاثة : ساحرة سحرها ممنوع ، قائدة ذئاب لا تُخطئ الإشارة ، و مارغريت التي تعرف أكثر مما تقول ، عم الصمت المكان للحظات طويلة ، كل منهن شردت في فكرها حتى كسرت سيرينا الصمت أخيرا_ " إن سقط هذا الفتى ... سيسقط معه توازن كامل ". ردت مارغريت بصوت منخفض لكنه حاسم ... " و لهذا ... لن أسمح بسقوطه ". لم يكن وعد بل كان إعلان موقف ، خرج من فم مارغريت الهجينة التي يخشاها أعضاء المجلس و يحترمها الطلاب داخل فالينور العليا ، الفتاة التي باتت على معرفة بسر لوسيان و حقيقة دمائه الأربعة. ~~~~~~~~~~~~~~~ كانت الغرفة غارقة في ضوء خافت مصدره المشاعل السحرية المثبتة على الجدران ، ظلالها تتحرك ببطء فوق الأسرة الحجرية الثلاثة ، جلس جوناس على سريره ، كتاب مفتوح أمامه لكنه لا يقرأه ، كان واضح أن تركيزه في مكان آخر تماما . فُتح باب الغرفة بعنف نسبي و دخل لوسيان ، معطفه نصف مفتوح و ملامحه متوترة لكن صلبة ، و أغلق الباب خلفه دون أن ينطق بكلمة ، رفع إيفن رأسه فورا و نظر إليه نظرة طويلة و فاحصة ثم وقف ، لم يتقدم مباشرة و كأنه يريد أن يترك للكلمات وزنها قبل أن تُقال ، لكنه نبس قائلا بصوت منخفض لكنه حاد_ " تأخرت ". لم يرد لوسيان فقط خلع معطفه و ألقاه على كرسي خشبي قرب السرير ثم إستدار ... " لم أكن ملزما بإبلاغك أين أذهب ". ضحك إيفن ضحكة قصيرة بلا مرح ثم تقدم خطوة واحدة فقط ... " لا ... لكنك ملزم بأن لا تكذب علي ". تجمد الجو ، رفع جوناس رأسه بسرعة و شعر بأن الشرارة إشتعلت لكنه حاول أن يُخفيها بأن قال ... " إيفن ... ليس الآن ". لكن إيفن لم ينظر إليه حتى ، كانت عيناه مثبتتين على لوسيان ... " رأيتك ". تقلص فك لوسيان و هو يسأل ... " رأيتني أين ؟ ". إقترب ايفن أكثر حتى لم يعد يفصل بينهما سوى ذراع واحد ... " رأيتك على سحابة عضوة المجلس و أقوى طالبة في فالينور " توقف لجزء من ثانية ثم لفظ الإسم بوضوح مقصود ... " مارغريت ". ساد صمت ثقيل حتى المشاعل بدت و كأنها خفتت ، شد لوسيان كتفيه و نبرته خرجت باردة و دفاعية_ " هذا ليس من شأنك ". كانت تلك الجملة كعود ثقاب تسببت في انفجار إيفن الذي صرخ بغيظ ... " ليس من شأني " لوح بيده بعصبية و هو يُضيف ... " كل شيء يحدث لك منذ دخولك هذه الأكاديمية أصبح ليس من شأننا ... الاختبارات و نظرات الأساتذة و جناح العرافين .... و الآن عضوة المجلس " إقترب خطوة إضافية و صوتها إرتفع رغما عنه ... " هل تُدرك ماذا يعني أن تكون قريبا منها ". رفع لوسيان رأسه و عينيه إشتعلتا ... " أنا لم أطلب قُربها ". _ " لكنها إختارتك " صوته إنخفض لكنه أصبح أخطر ... " و هذا أخطر بكثير ". تدخل جوناس أخيرا و وقف بينهما جزئيا ... " توقفا ... هذه ليست الطريقة ". لكن إيفن لم يتراجع بل نظر إلى جوناس سريعا ثم عاد بنظره إلى لوسيان ... " منذ متى و أنت تثق بأعضاء المجلس ". سكت لوسيان و ذلك الصمت كان جوابا بحد ذاته ، قال إيفم بمرارة ... " أوه ... إذن بدأت تلعب لعبتهم ". تحرك شيء داخل صدر لوسيان و تقدم هو هذه المرة ... " إسمعني جيدا " صوته كان منخفض لكنه حاد كالنصل ... " أنت لا تعرف ماذا يحدث لي ، لا تعرف ماذا رأيت أو ماذا كدت أن أفقد السيطرة عليه " ضغط بإصبعه على صدره دون أن يعي ... " و مارغريت ... لم تكن خيارا كانت ضرورة ". حدق إيفن فيه و صدمته كانت واضحة ... " ضرورة أم حماية ؟ " إبتسم بسخرية مؤلمة ... " أم أنك فقط تحب الشعور بأنك مميز ؟ " هنا فقد لوسيان رباطة جأشه ... " إياك أن تُقحم هذا في الأمر ". اهتزت الغرفة قليلا ، لم يكن سحرا واضحا لكن الهواء نفسه إرتجف ، إبتعد جوناس خطوة ... " لوسيان ". لوسيان لم يسمعه بل تابع ... " أنا لا أبحث عن تميز ، أنا أبحث عن تفسير قبل أن يبتلعني ما بداخلي ". ساد صمت مرعب و نظر إيفن إلى عينيه ، و للمرة الأولى رأى الخوف خلف الغضب ، لكن كبرياءه لم يسمح له بالتراجع_ " و نحن ؟ " سأل بهدوء قاتل ... " أين نضع أنفسنا في كل هذا ؟ مجرد رفقاء غرفة ؟ ". خفض لوسيان نظره للحظة ثم قال بصوت أقل حدة لكنه أثقل ... " أنتما السبب الوحيد الذي يجعلني أعود إلى هذه الغرفة كل ليلة ". تجمد إيفن ، لم يعد مستعدا لهذه الجملة ، أدار وجهه بعيدا ... " فقط ... لا تجرنا معك إن سقطت ". تقدم نحو سريره و جلس بقوة ، بقي لوسيان واقفا صدره يعلو و يهبط ، الوشم تحت جلده نبض بخفة ، نظر جوناس إلى الإثنين ثم قال بهدوء_ " نحن في أكاديمية الدم الملعون ... لا أحد يسقط وحده ". أومأ لوسيان برأسه و كأن هذا الكلام هو الحقيقة ، زفر ببطء شديد ثم سار نحو الحمام ، دخل إلى هناك ثم أغلق الباب خلفه بعنف مكتوم ، و كأن الخشب وحده قادر على كتم ما يتصاعد داخله ، أدار القفل بسرعة ثم أسند ظهره إلى الباب و أغمض عينيه بقوة ... لكن الحرارة لم تتوقف ، لم تكن حرارة عادية و لم تُشبه تلك التي شعر بها سابقا في جناح العرافين ، هذه كانت أعمق و أقرب و أشد إلى غليان دم حقيقي ، إحساس خشن و بدائي زاحف تحت جلده. فتح عينيه فجأة و شهق : الذئاب ... كلمة لم يسمعها من قبل و لم يرها ، لكنه شعر بها ، كأن شيئا في أعماقه ينهض من سبات طويل ، يضرب بجدران صدره و يُطالب بالخروج ، تقدم بخطوات غير متزنة نحو المغسلة ، أمسك بحافتها الحجرية بكلتا يديه ، مفاصله إبيضت من شدة الضغط ، تمتم بصوت متقطع_ " لا ... ليس الآن ". رفع رأسه ببطء و المرآة لم تعكسه كما كان ، عينيه لم تعودا طبيعيتين ، اللون الذهبي عاد أعمق من المرة السابقة ، محاطا بهالة سوداء حادة جعلت نظرته أقرب إلى نظرة مفترس محاصر. تسارعت أنفاسه و حرارة حارقة إنطلقت من منتصف صدره ، من موضع الوشم تحديدا ثم انتشرت كالنار في عروقه ، صعدت إلى كتفيه و عنقه ، إنحنى للأمام فجأة و أطلق زفيرا خشنا أقرب إلى زئير مكتوم ، بدأ جلده يشد نفسه ليس تمزق بل ضغط مؤلم ، كأن عظامه تحاول إعادة ترتيب ذاتها ، ارتفعت عظام كتفيه قليلا ثم انخفضت لكن الألم بقي_ " توقف ... أرجوك ". لكن الجسد لم يعد يستمع ، نبض الوشم تسارع و الخطوط الداكنة إمتدت تحت القميص ، لم تعد مجرد علامة بل مسار حي يتحرك مع كل خفقة قلب ، ثم حدثت اللحظة : شد مفاجئ عند الظهر ، تشنج جسده بالكامل ، صدر صوت تمزق حاد ، القميص عند كتفيه لم يحتمل فإنشق القماش . أولا بخط رفيع ثم تمزق أوسع مع تمدد عضلاته و تغير بنيتها ، سقط جزء من القماش على الأرض بلا معنى لهث لوسيان و قبض على حافة المغسلة بقوة أكبر حتى تشققت قليلا تحت أصابعه ، أظافره بدأت تطول و لم تتحول بالكامل ، لكنها أصبحت أكثر حدة و أكثر سماكة ، إنعكاس الضوء عليها لم يكن بشريا ... جلده عند العنق و أعلى الصدر ظهر عليه خطوط داكنة ، ليست فروا بل علامات قديمة و بدائية كوشوم ولدت من الدم لا من الحبر ، أغمض عينيه و صرخ صرخة مكتومة ، المياه في الحوض إرتجفت و سطحها تموج بلا سبب ، المرآة تشققت بخطين متقاطعين_ " أنا لست ... وحشا ". لكن الصوت الذي خرج بعدها لم يكن صوته تماما ، أعمق و أخشن يحمل غضبا جائعا ، فتح عينيه من جديد و رؤيته حادة بشكل مؤلم ، سمع كل شيء : دقات قلب جوناس خلف الجدار ، تنفس إيفن الغاضب في الغرفة ، صرير حجر بعيد في الممر ، ضغط كفه على صدره ، و الوشم كان متوهجا و نابضا كأنه عين مفتوحة ، قال لوسيان بصوت مرتجف لكنه واع_ " لا ... لن أسمح لك ". جمع ما تبقى من إرادته ، تنفس بعمق مرة ثم مرتين ثم ثلاث مرات ، شيئا فشيئا بدأ الضغط يتراجع لكنه لم يختفِ فقط إنكفأ ، إنكمشت الخطوط الداكنة و توقفت الأظافر عن النمو و ثبت جسده عند حد خطير . لا إنسان كامل و لا وحش ، إنهار جالسا على الأرض و ظهره مستند إلى الحوض ، صدره يعلو و يهبِط بعنف ، رفع رأسه ببطء نحو المرآة المتشققة و نظر إلى إنعكاسه ، و للمرة الأولى لم ينكر ، همس بصدق_ " الذئب ... موجود ". خارج الحمام ، طرق خفيف على الباب ثم جاء صوت جوناس ... " لوسيان ... هل أنت بخير ؟ ". لم يُجِب فورا ، نظر إلى قميصه الممزق على الأرض ثم إلى يديه ثم إلى عينيه التي بدأتا تعود إلى طبيعتهما ، أخذ نفسا عميقا ثم قال بصوت منخفض لكنه ثابت_ " نعم ... فقط أعطني دقيقة ". لكنه في داخله كان يعلم الحقيقة ، هذه التحولات لم تعد حوادث بل بداية شيء أعمق ، و لوسيان في هذه اللحظة لم يعد مجرد طالب جديد بل أصبح هو محور أكاديمية فالينور العليا.