أكاديمية الدم الملعون

الفصل 25: Part 25

Part 25

فُتح الباب ببطء ، صريره الخافت شق سكون الممر مع أول خطوة خرج بها لوسيان ، سقط الصمت دفعة واحدة ، قميصه لم يكن مجرد ممزق بل إن نسبجه مشقوق عند الكتفين و الصدر . خيوطه متدلية بلا ترتيب و آثار شد واضحة كأن شيئا ما حاول الخروج من جسده بالقوة ، جلده عند العنق لا يزال مُحمرا و أنفاسه أعمق من المعتاد ، منتظمة لكن مُثقلة . كان جاسون واقفا في النمر و ذراعاه متقاطعتان ، ظهره إلى الجدار الحجري و ما إن وقعت عيناه على لوسيان حتى إعتدل تلقائيا ، نظرته تحولت فورا من فضول إلى حذر ، إقترب منه و هو يسأل_ " ماالذي حدث معك ؟ " تقدم خطوة واحدة و عينيه لا تُفارِقان القميص و هو يسأل ... " للتو كان قميصك طبيعيا ". توقف لوسيان و لم يرفع رأسه مباشرة ، مرت ثانيتان ثقيلتان ثم رفع نظره ببطء ، و تقاطعت عيناه مع جاسون ، لم يكن في نظرته تهديد بل أسوء حقيقة لم تقُل ، إبتلع لوسيان ريقه ثم أجاب_ " حادث بسيط ". نبرة صوته كانت هادئة أكثر مما ينبغي ، هدوء مصطنع و متماسك بالقوة ، إقترب جاسون أكثر حتى أصبح على بُعد خطوة واحدة فقط ، خفض صوته و لكنه لم يُخفِ حدته_ " قميص ممزق ، تنفسك غير مستقر ، و رائحة ... " توقف فجأة ، و قطب حاجبيه ثم شم الهواء دون وعي و هو يقول بصوت خافت ... " رائحة الذئاب ". تشنج فك لوسيان ، لم يُنكِر و لم يُؤكِد ، مرت لحظة صمت ثقيلة كسكين معلقة بينهما ، و من خلفهما فُتِح باب الغرفة ببطء و ظهر جوناس ، و ما إن رأى لوسيان حتى اتسعت حدقتا عينيه من الدهشة و هو يُتمتِم بذهول_ " بحق فالينور ... لوسيان ، ماذا .... ". رفع يده فورا و توقف ، النظر في عيني لوسيان كانت كافية ، خرج إيفن بعدها و ابتسامته المعتادة لم تظهر ، نظر إلى القميص ثم إلى جاسون ثم عاد من جديد إلى لوسيان ، و بعدها نبس قائلا_ " حسنا ... هذا جديد ". لم يكن ساخرا هذه المرة ، جاسون أدار جسده قليلا مانعا أي طالب مار في الممر من الإقتراب ، خفض صوته أكثر و نبرة قائد يعرف متى يجب أن تُغلق الأبواب_ " حدث تحول ... أليس كذلك ". رفع لوسيان رأسه بالكامل أخيرا ، عينيه كانتا عاديتين الآن لكن التعب العميق فيهما لم يكن كذلك ، زفر ببطء ثم أجاب_ " لم يكتمل ". نظر جاسون إلى تمزق القميص مرة أخرى ثم قال ببطء ... " هذا أسوأ ". بلع جوناس ريقه و هو يسأل بفضول ... " هل يعرف أحد غيرنا ". هز لوسيان رأسه نفيا ... " ليس بعد ". لكن كلمة بعد بقيت معلقة في الهواء ، إقترب جاسون خطوة أخيرة و صوته صار أخف ، أقل صلابة و أكثر خطورة و هو يُخاطب لوسيان_ " مارغريت تشعر بكل اضطراب مرتبط بالذئاب ، و جناح العرافين " توقف ثم نظر مباشرة في عينيه ... " لن يبقى سر طويل على أكاديمية فالينور العليا ". أغمض لوسيان عينيه للحظة ، و حين فتحهما كان القرار قد إستقر في داخله ... " أعلم " ثم أضاف بصوت منخفض ... " و حين يُكشف ، لن أهرب ". زفر إيفن ببطء و تحرك نحو سريره ... " فقط حاول أن لا تتحول في الممرات ، حسنا ؟ الإدارة لا تُحب المفاجآت الدموية ". لم يبتسم أحد و في نهاية الممر دوى صوت جرس جناح العرافين ، تبادل جاسون و لوسيان نظرة قصيرة أظهر تفاهمهما الصامت ثم أردف جاسون_ " يبدو أن الأمور بدأت تتقاطع ". شد لوسيان القميص الممزق حول جسده دون جدوى ، و بينما بدأ بالسير مبتعدا ، كان يعلم أن كل خطوة تُقربه أكثر من الحقيقة التي حاول إنكارها طويلا : الذئب لم يعد يطرق الباب ، إنه بالداخل. ~~~~~~~~~~~~~~ خرج الطلاب من الأروقة تباعا ، كتيار مظلم من العباءات و الهمسات ، تتداخل أصواتهم مع وقع خطواتهم فوق الحجارة القديمة ، السماء فوق الساحة كانت ملبدة بسحب داكنة غير معتادة ، و الريح تُداعب الرايات السوداء المعلقة على الأعمدة العالية كأن الأكاديمية نفسها تستعد لشيء غير عادي ، في وسط الساحة ... وقف المدير فيكتور ، لم يكن وحده خلفه ارتفعت درجات المنصة الحجرية ، و بجانبه وقف أعضاء من المجلس ، بعضهم صامت و بعضهم يُراقِب بعيون لا تُرمش ، وجودهم بحد ذاته كان كافيا لإسكات أي همس. على الجهة اليمنى من الساحة ، وقفت سيرينا و ذراعاها متشابكتان ، كتفاها مشدودان و عيناها تمسحان المكان بحذر ذئب ، إلى جانبها كانت مارغريت ، واقفة بإستقامة مثالية ، ملامحها هادئة كما عهدها الجميع لكن عقلها لم يكن كذلك : جناح العرافين ... رائحة الذئاب ... لوسيان ، الأفكار كانت تتصارع داخلها بلا توقف. إلى يسار سيرينا ، وقفت إيلارا ، عباءتها الداكنة تُخفي رموزا لا يراها إلا من يعرف السحر الممنوع ، نظرتها ثابتة و لكن شفتيها مضغوطتان ، كأنها تشعر بإضطراب غير مبرر في نسيج السحر من حولها ، و أخيرا لوكاس ، كان صامت و يداه خلف ظهره ، عيناه تراقبان المدير فيكتور لا الطلاب. ساد الصمت فجأة ثم رفع فيكتور يده ببطء ، الصمت هذه المرة لم يكن مفروضا بل مُفزعا ، نقل بصره في أرجاء الأكاديمية ثم قال بصوت عميق و رسمي_ " ايها الطلاب ... و الأساتذة " توقف لحظة ، كأنه يمنح كلماته وزنا إضافيا ... " اجتمعنا اليوم لسبب يتجاوز القواعد اليومية للأكاديمية ". تبادل الطلاب النظرات ، وجود المجلس في هذا التوقيت و هذا الصمت ، كل شيء في نظرهم كان خطأ لكنهم صمتوا سامحين للمدير فيكتور بأن يُتابِع حديثه و عيناه تمران على الوجوه دون اهتمام_ " فالينور لا تتغير بسهولة ، و لا تستقبل الغرباء دون ثمن ، لكن أحيانا ... يُفرض علينا التغيير ". إستدار نصف إستدارة و عندها تقدم شخص واحد من ظل الأعمدة الخلفية ، خطوته الأولى كانت كافية لجذب كل الأنظار ، كان طويل القامة أطول من معظم الحاضرين و جسده نحيل لكنه مشدود . كأن القوة لا تحتاج إلى عضلات ظاهرة لتُخيف ، شعره أسود داكن مربوط خلف رأسه بخيط جلدي بسيط ، و بشرته شاحبة بشكل غير طبيعي ، أما عيناه فلم تكن عادية : لونها بين الرمادي و الفضي ، نظرة هادئة ، و باردة لا تحمل فضولا بل معرفة. توقف إلى جانب فيكتور ، و هنا نطق المدير بالجملة التي غيرت الهواء نفسه ... " دعوني أُعرفكم على الأستاذ ... و العضو الجديد في مجلس فالينور " سكت ثم قال اسمه بوضوح قاطع ... " آلثاك نايمز ". الاسم سقط كحجر في ماء راكد ، همسات انفجرت في الساحة : طالب ؟ عضو مجلس ؟ كلمتان لا تجتمعان ، لوكاس عقد حاجبيه و إيلارا شعرت بوخزة باردة تمر عبر عمودها الفقري ، سيرينا شدت قبضتيها دون وعي أما مارغريت فقد تجمدت ، لم تتغير ملامحها و لم تتسع عيناها و لم تتحرك خطوة واحدة لكن قلبها توقف لجزء من ثانية : نايمز ؟ ، رفعت نظرها ببطء شديد و حين التقت عيناها بعينيه عرفت. لم يكن هناك شك : نفس النظرة و نفس البرودة المدروسة و نفس الإحساس بأنها تقف أمام شخص يعرفها أكثر مما ينبغي ، نظر آلثاك إليها ، لم يبتسم و لم يُبدِ دهشة ، فقط أمال رأسه بالكاد حركة صغيرة لا يُلاحظها أحد ، إشارة قديمة - أنا هنا - ، داخل رأس مارغريت دوى صوت واحد فقط - مستحيل - ، إلتفتت سيرينا إليها فجأة و همست بحدة_ " مارغريت ... هل أنت بخير ؟ ". لم تُجِب فورا ، كانت إيلارا تراقب تدفق السحر ، ثم إقتربت خطوة و تمتمت ... " هناك شيء ... خطأ في حضوره ، سحره ليس طلابيا ". على المنصة ، واصل فيكتور حديثه غير مكترث بالإضطراب ... " آلثاك انضم إلينا بقرار من المجلس الأعلى ، و سيكون له دور مزدوج داخل الأكاديمية ... أستاذ و مُراقب ". توقفت الهمسات و تردد صدى كلمة واحدة في الهواء : مُراقب ؟ ، رفع آلثاك يده بهدوء و لم يحتج إلى رفع صوته_ " لن أتدخل في شؤونكم اليومية ... إلا إذا تطلب الأمر ". نظرته جالت على الطلاب و حين مرت على لوسيان ، توقفت لجزء من ثانية أطول من اللازم ، شيء ما تعرف على شيء آخر ، ثم عاد بنظره إلى الأمام ... أغلقت مارغريت عينيها للحظة ، أنفاسها ثابتة لكنها كانت تخوض حربا داخلية ، فتحت عينيها بعد وهلة وجهها كان هادئا و باردا كما إعتاد عليه الجميع ، حملقت في آلثاك لمدة طويلة ثم غادرت الساحة بخطوات سريعة. عباءتها السوداء تُرفرف خلفها كجناحين مظلمين ، و عيناها مثبتتان إلى الأمام دون أن تلتفت ، كانت تحافظ على هدوئها الخارجي لكن الغضب داخلها كان يعصِف كعاصفة مكتومة : آلثاك هنا ؟ في فالينور ؟ و بهذا الطريقة ؟ ... قبضت على يدها بقوة حتى شعرت بأظافرها تغوص في كفها ، السحر حولها بدأ يتوتر و الهواء نفسه صار أثقل ، و المصابيح السحرية على الجدران خفت ضوءها للحظة ثم عاد. دخلت ممرا جانبيا مهجورا بعيدا عن الطلاب ، حيث لا يسمع صدى أنفاسها المنتظمة ظاهريا ، توقفت فجأة لأنها شعرت به ، الرائحة لم تكن رائحة ذئاب عادية بل مزيج مألوف ، خطير و قديم - رائحة الدم و الغابة و السحر - ، قبل أن تستدير ، إنشق الظل خلفها كأنه لم يكن و خرج منه جسد طويل بهدوء عبر طبيعي. كان آلثاك يقف على بعد خطوات قليلة منها ، ذراعاه متراخيتان ، ملامحه هادئة لكن عيناه تلمعان بذلك البريق الذي لم تنسه يوما ، أردف آلثاك بإبتسامة خفيفة و ساخرة_ " هل كنت تظنين بأنك لن تري وجهي من جديد يا فتاة ؟ ". إستدارت مارغريت ببطء ، نظرتها كانت باردة و لكنها تحترق من الداخل ، أجابت بصوت منخفض و مشحون ... " ماذا تريد ؟ ". ضحك آلثاك ضحكة قصيرة بلا مرح و تقدم خطوة واحدة ... " مازلت تستقبلينني كعدو ؟ " ثم مال برأسه قليلا ... " مارغريت ... كفي عن التصرف معي هكذا ، لا تنسي أنك أختي ". كلمته الأخيرة كانت كالسهم ، شدت مارغريت فكها و شعرت بنابها العلوي يضغط على شفتها بقوة من الداخل_ " لا تجرؤ على استخدام هذه الكلمة ... الأخ ، لا يختفي سنوات ثم يعود كعضو مجلس ". إقترب آلثاك أكثر و مع كل خطوة ، شعرت مارغريت بأن ذئبتها في الداخل ترفع رأسها ، و أن الدم القديم في عروقها يستيقظ بحذر ، إبتلع آلثاك ريقه ثم قال بصوت أعمق_ " لم أختفِ لأنني أردت و أنت تعرفين ذلك ". رفعت يدها فجأة و تشكلت حولها دوائر سحرية سوداء و حمراء ، تداخل فيها سحر الساحرة مع وهج الدم ، جزت على أسنانها بغيظ و هي تقول بحدة_ " لا تستخدم أعذار الماضي معي ، أنت من تركني ... أنت من ترك فالينور و ترك الدم ، و تركني أواجه كل شيء وحدي ". توقف آلثاك و لأول مرة إختفى هدوءه للحظة ، عينا الذئب بداخله ومضتا بلون فضي قاتم ، و إنبعث من جسده هالة مختلطة من السحر و الوحشية ، أردف قائلا بصوت منخفض و مخيف_ " و لو بقيت ... هل كنت ستنجين ؟ كنت نصف ساحرة و نصف ذئبة ، و دم مصاصي الدماء بدأ يستيقظ بداخلك ، بقائي كان سيجلب عليك الموت لا الحماية ". تقدمت خطوة نحوه هذه المرة ، المسافة بينهما صارت خطيرة ... " لم أطلب الحماية ... طلبت الحقيقة ". ساد لحظة صمت ثقيل ثم تنهد آلثاك ببطء ... " فالينور تغيرت ، و المجلس لم يعد أعمى كما كان ، هناك شيء يستيقظ هنا ، شيء قديم و أقدم منا جميعا ". رفعت مارغريت حاجبها ببرود ... " لوسيان ". لم يُجِب فورا و كان ذلك الجواب بحد ذاته ... " دمه ليس ما يظن و لا ما تظنينه أنت أيضا ". اتسعت عيناها للحظة قبل أن تُخفي دهشتها بسرعة ... " إن إقتربت منه ... ". قاطعها بنبرة حازمة ... " فلن أؤذيه ... لكن إن خرج عن السيطرة فلن أسمح لك بأن تكوني الوحيدة التي تدفع الثمن " انخفض صوته أكثر و هو يُتابِع ... " أنت قوية يا مارغريت ... لكن حتى مصاصة الدماء ، المستذئبة و الساحرة لها حدود ". إشتعل الغضب في عينيها و ضغطت على قبضة يدها بقوة ... " لا تتحدث عن حدودي ... أنت لم تكن هنا لترى ما أصبحت عليه ". إقترب منها آلثاك حتى صار على بعد خطوة واحدة فقط ، شم رائحتها بعمق دون خجل ثم همس ... " أراها الآن و لهذا عدت " ثم تراجع فجأة و بدأ جسده يذوب في الظل كما ظهر ... " كوني حذرة أختي ... فالدم حين يستيقظ لا يختار من يحميه ". و إختفى بقيت مارغريت وحدها في الممر ، أنفاسها كانت ثابتة لكن قلبها كان يخفق بقوة غير طبيعية ، وضعت يدها على صدرها و رأسها اشتعل بجملة واحدة - آلثاك عاد و لوسيان في قلب العاصفة - و لأول مرة منذ زمن طويل ، لم تكن متأكدة إن كانت فالينور لا تزال تحت سيطرتها أم لا. ~~~~~~~~~~~~~~~ كان جناح العرافين الثاني معزولا عن باقي الأكاديمية كأنه بُني في زمن مختلف ثم نُسب هناك ، الجدران مغطاة بستائر داكنة تتدلى عليها خرزات عظيمة و تعاويذ مكتوبة بلغة لم يعد أحد يدرسها و الأرضية ملساء باردة تعكس ضوء شموع لا تنطفِء مهما هبت الرياح ... في عمق الجناح و خلف باب دائري محفور برموز الرؤى و النذور ، جلست نيكيتا ، كانت أمام طاولة منخفضة من خشب أسود ، تنتشر عليها أوراق عرافة ، عظام صغيرة و كأس فضي يحوي سائلا داكنا لا يشبه الدم و الماء ، شعرها الطويل كان منسدلا على كتفيها و عيناها كانت تعرفان قبل أن تُسأل. ارتجفت إحدى الشموع ثم إنحنى الظل ، و ظهر آلثاك من العتمة بلا صوت كعادته ، لم ترفع نيكيتا رأسها فورا بل إبتسمت إبتسامة خفيفة ، كأنها كانت تنتظره منذ ساعات أو منذ سنوات ، خاطبته بهدوء_ " تأخرت ". تقدم آلثاك خطوتين ثم توقف ... " لم أكن أنوي المجيء ". ضحكت بخفة ، ضحكة عرافة تعرف كذب من تحب ... " أنت لا تأتي بنية ... أنت تأتي عندما يصبح المستقبل ثقيلا أكثر من على تجاهله ". رفعت أخيرا نظرها إليه ، عيناه الملونتان إلتقتا بعينيها الداكنتين و الموشومتين بخيوط الرؤى ، و للحظة قصيرة سقط كل شيء آخر من حولهما : المجلس و فالينور و الدم الملعون ، بقي هو و هي فقط ... إقترب آلثاك و وضع يده على الطاولة فإنطفأت شمعتان فجأة ، ثم قال بصوت منخفض_ " رأيتهِ ... أليس كذلك ؟ ". لم تسأله عن من ، نيكيتا لا تحتاج لذلك ، تنهدت و مررت أصابعها فوق كأس السائل الداكن فتموج كأنه إستجاب لها_ " رأيت الدم قبل أن يتشكل و رأيت الختم قبل أن يتصدع ". _ " لوسيان ". أومأت ببطء و هي تُجيب ... " ليس إسمه ما يُخيفني بل ما يسكن تحته ". دارت حول الطاولة و وقفت أمامه مباشرة ، أقرب مما يسمح به المنطق ، مدت يدها بهدوء و وضعتها على صدره ، نبضه كان قويا و ذئبيا ، همست بخفوت_ " أنت متوتر يا قائد الذئاب ... هذا لا يحدث إلا عندما تشعر بأنك ستفقد شيئا تحبه ". أمسك آلثاك بمعصمها لكن دون قسوة ... " أخشى أن أفقد أكثر من شيء ". تلاقى جبينهما ، لحظة صمت مشحونة ثم إبتعدت نيكيتا خطوة واحدة ، فتشكلت في الهواء صورة ضبابية : عين سوداء ، وشم تنين و أربع نبضات غير متناسقة ، تراجع آلثاك نصف خطوة و تمتم قائلت بذهول_ " هذا ليس ممكنا ... ذلك الدم انتهى ". اهتزت الصورة و تشققت ... " هكذا قالوا في المرة الأولى ". خفضت يدها فجأة فإنطفأت الرؤية و تلاشت الصورة ، نظرت إليه نظرة مختلفة ، ليست نظرة عرافة هذه المرة بل نظرة إمرأة تخاف على من تحب_ " المجلس سيتحرك و حين يفعل ... لن يُفرق بين تهديد و ضحية ". إقترب منها مرة أخرى و هذه المرة لم يتردد ... " هل سيرتبط مصيره بمصير مارغريت ". صمتت و صمتها كان الإجابة الأقسى ... " طرق الدم حين تتقاطع ... لا تعود تسمح بالهرب ". شدها إليه فجأة و عانقها بقوة ، لم تُقاوِم بل وضعت رأسها على صدره و أغمضت عينيها ... " إن حاولت تغيير ما رأيته فستدفع ثمنا " _ " سأدفعه لكن لن أسمح بأن تُحرق فالينور مرة أخرى ". رفعت رأسها و نظرت إليه مباشرة ، شدت على ياقته بقوة ... " إذن استعد فالدم الملعون لا يستيقظ وحده ... و عندما يصرخ تستيقظ أشياء أقدم من الأكاديمية نفسها ". تراجع آلثاك ببطء و قبل أن يذوب في الظل قال ... " راقبي لوسيان ... و إن رأيت النهاية أخبريني قبل أن تصل ". إبتسمت نيكيتا إبتسامة حزينة ... " النهاية لا تُخبِر ، هي تُلمح فقط ". إختفى و بقي جناح العرافين ساكنا ، إلا من شمعة واحدة عادت للإشتعال ، و ظل على الجدار تشكل للحظة على هيئة تنين ، لم يبق سوى نيكيتا في الغرفة و تفكيرها مشغول بالجميع : لوسيان ، الهجين ذو الدماء الأربعة ، مارغريت عضوة المجلس و شقيقة آلثاك الذي عاد في النهاية إلى أكاديمية فالينور العليا.