Part 26
كانت الساحة تعُجُ بالطلاب لكن الضجيج لم يكن حقيقيا ، بل التوتر مُتخفيا خلف همسات و نظرات متوجسة ، وقف لوسيان في منتصف الساحة تقريبا ، قميصه المشدود حوله يفضح آثار التحول غير المكتمل ، و جسده متصلب كوتر مشدود أكثر مما يجب . الحرارة الذئبية من حوله لم تختفِ بل كانت تتصاعد على دفعات ، موجات غير مرئية جعلت بعض الطلاب يتراجعون دون وعي ، إلى جانبه كان جاسون واقفا ، كتفاه مشدودتان و عينيه لا تُفارِقان لوسيان لحظة واحدة . قال جاسون بصوت منخفض لكنه حازم_ " حاول أن تتحكم بنفسك يا لوسيان ... لا تدعهم يشعرون بذلك " شد لوسيان قبضتيه و عضلات ذراعيه ارتجفت و هو يُجيب ... " أنا ... أحاول ، لكنها ليست مجرد قوة ... إنها غضب ". في تلك اللحظة ، عادت مارغريت إلى الساحة ، لم تدخل هذه المرة كطالبة بل دخلت كشيء آخر ، خطواتها كانت هادئة و محسوبة ، عباءتها السوداء تتحرك خلفها بثقل ، و حضورها وحده كان كافيا ليُحدِث فراغا صامتا من حولها ، توقف بعض الطلاب عن الكلام دون أن يُدركوا السبب ، و حتى الذئاب شعروا بشيء يشبه الإنقباض في صدورهم. وقفت مارغريت على مسافة ، لم تقترب و عيناها استقرتا على لوسيان ، لا غضب و لا شفقة بل مراقبة دقيقة كما لو كانت تُراقب تعويذة غير مستقرة قد تنفجر في أي لحظة. شعرت به فورا ، رفع لوسيان رأسه فجأة و لم يرها أولا لكن دمه رآها ، إرتجف الوشم تحت جلده ، نبضة واحدة عميقة كأن شيئا بداخله تعرف على شيء أخطر منه ، إلتقت عيناه بعينيها و للحظة قصيرة إختفى العالم . لم تكن نظرتها قاسية لكنها لم تكن مطمئنة أيضا ، كانت نظرة من يعرف و لا يستطيع أن يقول ، مال رأسها قليلا حركة بالكاد تُرى لكنها كانت أمرا صامتا. شعر لوسيان بأنفاسه تهدأ قليلا ، لا بسبب السيطرة بل بسبب الإعتراف ... إلى جانب مارغريت ، كانت سيرينا واقفة ، ذراعاها معقودتان و عيناها الذئبيتان تُتابعان كل حركة تصدر عنه ، و شفتيها مشدودتان بتحفظ ، أردفت سيرينا قائلة بصوت منخفض_ " هو على الحافة ". أجابت إيلارا التي وقفت خلفهما قليلا ، و أصابعها لا تزال تحمل أثر سحر لم يُطفء بالكامل ... " لا ... هو يُحاول ألا يسقط و هذا اخطر ". في الساحة ، إقترب أحد الطلاب خطوة دون قصد فاشتدت الهالة حول لوسيان فجأة و اهتز الهواء ، وضع جاسون يده على كتفه فورا ثم همس بصوت خافت_ " أنظر إلي ... لا إلى الأصوات و لا إلى النظرات ، إبق هنا ". أغمض لوسيان عينيه بقوة فاجتاحت صور متداخلة عقله : جناح العرافين ، الوشم مارغريت راكعة أمامه ، صوت يقول أنت النقطة التي قد تُشعِل الحرب . فتح عينيه فجأة و نظر مرة أخرى إلى مارغريت ، و هذه المرة إبتعدت بنصف خطوة ، لم يكن تراجعا كان رسالة - ليس الآن - خفض لوسيان رأسه و لأول مرة منذ وصوله إلى فالينور انكسر شيء داخله دون أن يتحول. إنخفضت الهالة تدريجيا و تراجعت الحرارة و لكن التعب بقي ، تنفس جاسون بإرتياح حذر عكس مارغريت التي لم تتحرك ، عيناها ظلتا عليه و في داخلهما قرار لم يُعلن بعد ، إستدارت ببطء و غادرت الساحة مرة أخرى. كان الهدوء الذي عاد إلى الساحة هشا ، هدوء ما قبل العاصفة ، وقف لوسيان قرب الدرج الحجري ، رأسه منخفض و أنفاسه لا تزال ثقيلة ، جسده متيبس كأنه يمسك نفسه بالقوة ، و إلى جانبه كان لا يزال جاسون واقفا قريبا و عيناه لا تفارقان أي حركة حولهما . لكن هناك من لم يحتمل الصمت فظهر إيفن من بين الطلاب ، ملامحه مشدودة بإبتسامة ساخرة و صوته خرج أعلى مما يجب_ " غريب ... هل لاحظتم ؟ كلما ظهرت مارغريت بدأ شخص ما يفقد السيطرة ". تصلب جسد لوسيان فورا فشد جاسون على ذراعه و همس بسرعة ... " لا تلتفِت ... إيفن يريد هذا بالضبط ". ايفن لم يتوقف بل إقترب خطوة أخرى متعمدا إختراق المسافة الآمنة و هو يقول بضحكة خفيفة ... " مصادفة ؟ أم أنك تحتاج وجود عضو مجلس لتبقى إنسانا ". رفع لوسيان راسه ببطء و عيناه لم تعودا هادئتين ... " إبتعد ". لكن إيفن بدافع الغيرة و الإحباط و شيء أعمق من ذلك ، قال الجملة التي كسرت آخر خيط ... " أو ماذا ؟ ستتحول أمام الجميع ؟ دعنا نرى ما أنت عليه فعلا ". في تلك اللحظة ، إنفجر الوشم : نبضة واحدة و عنيفة كأن قلبا ثانيا إستيقظ داخل صدر لوسيان ، إرتفع الهواء حوله دفعة واحدة و إنبعثت حرارة وحشية جعلت الطلاب يتراجعون صارخين ، الأرض تحت قدميه تشققت و صدى زئير مكتوم خرج من صدره دون أن يقصده ، فزع جاسون و قال بسرعة_ " لوسيان ... ". لكن الأوان كان قد فات ، إنحنى جسد لوسيان بعنف و سُمع صوت تكسر العظام لا ألما بل تحولا ، عموده الفقري تمدد و كتفاه ارتفعا بشكل غير طبيعي ، و تمزق قميصه بالكامل . الطلاب صرخوا بعضهم سقطوا أرضا و آخرون حاولوا الهرب لكن أقدامهم خانتهم ، بدأ التحول الكامل : شعر داكن كثيف شق الجلد و غطى جسده ، أنيابه برزت حادة و طويلة ، عيناه اشتعلتا بلون ذهبي مفترس ، مخالبه غرست نفسها في الحجر. و خلال ثوان معدودة ، وقف ذئب كامل ضخم ، أطول من أي مستذئب رأوه من قبل ، صدره عريض و هالته تضرب الهواء كأنها موجة ضغط ، زئيره هذه المرة هز الساحة ، تراجع إيفن مترين إلى الوراء دفعة واحدة ، وجهه شاحب و صوته مكسورا_ " أ ... أنا ل ... لم أق... أقصد ...". لكن الذئب لم يكن يسمع كلمات كان يسمع التهديد فقط ، إندفع لوسيان للأمام و قبل أن يصل ضربة واحدة قطعت المشهد ، هبط شيء من الأعلى، اصطدام عنيف بالأرض . دائرة من الغبار و السحر انفجرت حول نقطة التدخل و عندما إنقشع الغبار وقف آلثاك ، قدماه ثابتتان و ذراعه ممدودة أمام الذئب مباشرة ، و على جلده ظهرت علامات سحرية داكنة تتوهج بثبات ، عيناه كانتا ذئبتين لكن مسيطر عليهما ، نبس آلثاك بصوت عميق اهتز له المكان_ " كفى ". إندفع الذئب مرة أخرى لكن آلثاك لم يتراجع ، تحرك بسرعة غير بشرية و أمسك لوسيان من عنقه بيد واحدة ، و غرس قدمه في الأرض ليُوقف الإندفاع_ " أنظر إلي ... ليس إليهم ... إلي فقط ". زأر لوسيان بعنف ، مخالبه حفرت في الأرض لكن جسده بدأ يتردد ، الدم إستجاب و التعرف حدث : ذئب أمام ذئب لكن أحدهما أقدم ، خفض آلثاك صوته لكنه أصبح أخطر_ " ما تشعر به ليس غضبك إنه إستدعاء ... و إن إستسلمت له هنا ستُراق دماء لا يجب أن تُراق " إقترب خطوة و جبينه يكاد أن يُلامس رأس الذئب ... " و هذا ... لن أسمح به ". وضع يده الثانية على صدر لوسيان و أطلق تعويذة قصيرة بلغة قديمة ، اهتز جسد الذئب بعنف و الزئير تحول إلى أنين منخفض ، بدأ التحول ينعكس ببطء ، مؤلم لكن تحت السيطرة ... سقط لوسيان على ركبتيه ، جسده يعود تدريجيا إلى هيئته البشرية و أنفاسه متقطعة كمن عاد من حافة الموت ، ساد صمت ثقيل ، الطلاب يحدقون ، الخوف و الذهول و الأسئلة تملأ وجوههم ، إستدار آلثاك فجأة نظر مباشرة إلى ايفن و قال ببرود قاتل_ " كلمة واحدة أخرى ... و لن يكون هناك من يمنعني ". إبتلع ايفن ريقه و لم ينطق ، عم الصمت المكان و لم يكن الصمت الذي خيم على الساحة صمت خوف فقط بل صمت ترقب ، كان لوسيان واقفا بصعوبة ، جسده ما زال يرتجف من أثر التحول العنيف ، أنفاسه غير منتظمة و بقايا السحر الداكن لا تزال تلتف حوله كضباب ثقيل ، قبل أن يستوعب ما حدث قبضت يد قوية على قميصه الممزق . جذب آلثاك لوسيان نحوه بعنف و هو يُزمجر بغضب مكبوت_ " هل فقدت عقلك ؟ هل تدرك أين كنت على وشك التحول ؟ وسط طلاب ... داخل ساحة الأكاديمية ". لم يُقاوم لوسيان لكنه رفع رأسه ، عيناه لم تعودا ذهبيتين لكن شرارة الذئب لم تنطفِئ تماما ، تمتم لوسيان قائلا بصوت مبحوح_ " إبتعد عني ". شد آلثاك قبضته أكثر و هو يُجيب ... " أنت لا تملك رفاهية الأمر أو النهي ، ما حدث قبل لحظات كان كافيا لإعلانك تهديد رسمي ". حاول جاسون التدخل ، تقدم خطوة واحدة فقط ... " آلثاك ... كفى ... ". لكن نظرة واحدة من آلثاك جعلته يتوقف مكانه ... " هذا ليس شأنك " عاد نظره إلى لوسيان ، صوته إنخفض لكنه أصبح أخطر ... " دمك غير مستقر ، تحولك غير مكتمل و سيطرتك ضعيفة ". تقلص فك لوسيان ... " لم أطلب أن أكون هكذا ". ضحك آلثاك ضحكة قصيرة بلا مرح ... " لا أحد منا طلب ... لكن البعض تعلم كيف لا يقتل الأبرياء بسبب ذلك ". رفع يده و لولا سرعة مارغريت و صوتها الذي شق كحد سكين و هي تصيح ... " يكفي ". تقدمت بخطوات ثابتة ، وقفت بينهما مباشرة ، جسدها حاجز واضع و عيناها مثبتتان على آلثاك دون خوف ، تأملته من رأسه حتى قدميه ثم قالت ببرود رسمي_ " لا يحق لك الصراخ على طالب جديد في أكاديمية فالينور العليا بهذا الشكل أيها العضو ". ساد صمت مشحون ، تصلب آلثاك لثانية ثم نظر إليها بحدة ... " لا تتدخلي ". لم تتحرك و لم تتراجع ، رفعت ذقنها قليلا و نبرتها أصبحت أكثر صلابة ... " هذا الطالب تحت إشرافي ... و ما حدث كان إستفزازا واضحا أمام عشرات الشهود ". إقترب آلثاك خطوة حتى أصبحت المسافة بينهما خطيرة ... " و كونه تحت إشرافك لا يمنحه حصانة ... ما رأيته اليوم كاد يتحول إلى مجزرة ". لم تُنكِر لكنها لم تسمح له بالهيمنة ... " و لولا تدخلك المتأخر لما وصل إلى هذا الحد أصلا ". إشتعلت عينا آلثاك ... " هل تلومينني ". نظرت إليه نظرة طويلة ، نظرة أخت لا تنسى و عضو مجلس لا يتهاون ... " ألومك لأنك دخلت الأكاديمية و أنت تعلم تماما ما يعنيه وجوده هنا ، و مع ذلك إخترت الانتظار حتى ينفجر ". تشنج فك آلثاك و خفض صوته ... " أنت لا تفهمين حجم الخطر ". إقتربت أكثر حتى لم يعد سوى صوتها حين همست بحدة ... " بل أفهمه أكثر منك لانني كنت مثله ... و لم يكن هناك من يقف أمامي وقتها ". تردد صدى كلماتها بينهما ، للحظة خفت غضب آلثاك لكن صلابته لم تنكسر ، إستدار نحو لوسيان مرة أخيرة ... " إن فقدت السيطرة مرة أخرى لن تتدخل مارغريت ، سأتدخل أنا و حينها لن يكون هناك طريق للعودة ". نظر لوسيان إليه بثبات رغم الإرهاق ... " إذن علمني ... لا تُهددني ". ساد صمت ثقيل ثم إستدار آلثاك مبتعدا ، معطفه يتحرك خلفه كظل ذئب قديم ، نطق دون أن يلتفت ... " سنرى ... إن كنت تستحق ذلك ". بقيت مارغريت واقفة حتى إختفى عن الأنظار ثم إلتفتت إلى لوسيان ، نظرتها لم تكن قاسية و لا متعاطفة بل واعية بالخطر ، قالت ببرود_ " من هذه اللحظة ، كل خطوة تخطوها ستكون مراقبة " ثم أضافت بصوت أخف لا يسمعه سواه ... " و إن لم تتعلم السيطرة سيحاول الجميع السيطرة عليك ". وضعت يدها على كتفه للحظة قصيرة ثم إبتعدت ، و في أعماقه عرف لوسيان أن هذا الصدام لم يكن مجرد شجار بل إعلان بداية تدريب قاس ، و حرب غير معلنة داخل فالينور.