Part 33
داخل الأكاديمية ... كانت الستائر الداكنة نصف المغلقة و الضوء الرمادي المتسلل من السماء الشتوية يعكس ظلالا طويلة على الأرضية الحجرية ، لم يكن هناك دفء في الغرفة رغم النار الخافتة في المدفأة ... وقف آلثاك أمام المكتب العريض ، كتفاه مشدودتان و صدره ثابت بطريقة تدل على أنه جاء مستعدا للإعتراض ، جلس المدير فيكتور خلف مكتبه ، أصابعه متشابكة و عيناه لا تحملان قسوة بل معرفة ، قال بهدوء لا يحتمل النقاش_ " ستذهب إلى أطلال كارميدان ". لم يُرمش آلثاك لكن عضلة فكه تحركت ... " لماذا ". لم يكن سؤال بل كان تحديا مكتوما ، ساد صمت قصير ثم نهض فيكتور ببطء ، دار حول المكتب و توقف أمام النافذة ، أخذ نفسا عميقا ثم قال دون أن ينظر لآلثاك_ " لأن المجلس الأعلى استلم تقرير الساحة " إلتفت إليه أخيرا و تابع ... " الرابطة التي نشطت ... لم تعد مسألة داخلية ". تصلب جسد آلثاك و ضغط على قبضة يده و هو يُجيب ببرود ... " لن يلمسوها ". لم يرفع فيكتور صوته لكنه قال بثبات ... " هذا ليس قرارك " إقترب خطوة ثم أضاف ... " كارميدان ليست عقوبة ... إنها تحقيق ". عيناه ضاقتا و هو يستفسر بصوت حاول إبقاءه ثابتا ... " تحقيق في ماذا ". توقف المدير لحظة و كأنه يزِن الكلمات قبل أن يُطلِقها ... " في الختم ". الصمت الذي تلا الكلمة كان أثقل من أي انفجار ، آلثاك لم يتحرك لكنه شعر بذلك الاسم يهبط في صدره كحجر ، رفع يده و مررها على وجهه ببطء شديد قال أردف قائلا_ " الختم لا يُفتح ". رد فيكتور بهدوء قاتل ... " فُتِح بالفعل ". إرتفع نبضه رغم محاولته إخفاء ذلك ... " بسبب لوسيان ". إقترب المدير حتى أصبح بينهما أقل من خطوة ... " بسبب الدم " تجمد الهواء في الغرفة ثم إستأنف ... " أطلال كارميدان هي المكان الذي صُنعت فيه أول روابط الدم الملعونة " لمعت عينا آلثاك للحظة لكن المدير فيكتور لم يُمهله فرصة الحديث بل أكمل ... " و إن كان ما حدث في الساحة ليس صدفة ... فالإجابة هناك ". ضغط آلثاك أسنانه ... " لماذا أنا ". إبتسم فيكتور إبتسامة خفيفة لا تحمل دفء ... " لانك الوحيد الذي يعرف الحقيقة ... و يخاف منها ". الصمت هذه المرة لم يكن غضبا كان إدراكا ، ثم قال المدير الجملة التي كسرت كل احتمالات الرفض" و إن بقيت هنا ستقف ضد المجلس حين يعود لوكاس بالإجابات " ذكر الاسم جعل التوتر يرتفع درجة أخرى ، إبتلع المدير ريقه ثم اضاف بهدوء ... " اذهب الى كارميدان قبل أن يسبقك أحد إليها ". ظل آلثاك واقف لثواني طويلة ثم قال أخيرا بصوت منخفض .... " و هي ". لم يحتج لذكر الاسم فأجابه فيكتور ... " لن تُمس ما دمت بعيدا ". الجملة لم تكن وعدا كانت ترتيبا ، إلتفت آلثاك ببطء نحو الباب لكنه توقف عند المقبض ، صوته أصبح أخفض حين قال _ " إن كان الختم قد إستيقظ ... فلن يكون لوسيان وحده من يتغير ". رد فيكتور دون تردد ... " أعرف ... و لهذا أرسلتك ". فتح آلثاك الباب لكن قبل أن يخرج قال فيكتور ... " في كارميدان ... ستكتشف إن كنت تحميها ، أم أنك تحمي سرا أكبر منها ". أغلق الباب و بقي فيكتور وحده في الغرفة ، عيناه تتجهان نحو خريطة قديمة معلقة على الجدار ، علامة سوداء كانت مرسومة فوق موقع كارميدان ، و تحتها كلمة واحدة باهتة لا يعرف أحد معناها : الختم الأول. ~~~~~~~~~~~~~~~~~ عاد آلثاك الى جناحه في الطابق الثاني من أكاديمية فالينور العليا ، الممر كان فارغا و الشموع المثبتة على الجدران ترقص ألسنتها الذهبية ببطء كأنها تراقبه ، خطواته كانت ثقيلة ليس خوفا من أطلال كارميدان بل من الذكرى التي يعرف جيدا أنها تنتظره هناك . أغلق الباب خلفه بصوت خافت ، لم يشعل النار فقط جلس على حافة السرير ثم إنحنى قليلا واضعا مرفقيه على ركبتيه ، كفيه متشابكتين أمام شفتيه و عيناه انعكسا فيهما صورة الماضي ، ذلك الماضي الذي حاول دفنه عشر سنوات كاملة ، همس لنفسه_ " كارميدان ... بالطبع ". إرتجف صدره فجأة لا من البرد بل من ذكرى عالقة في دمه ثم أغمض عينيه.
[ عودة إلى الماضي - قبل عشر سنوات - ]
كانت الليلة عاصفة ، بوابات أكاديمية فالينور الشاهقة ترتفع وسط الضباب كوحش حجري يحرس الأسوار ، الرياح تعصف بعباءة شاب في الثامنة عشرة من عمره ، طويل و عيناه بلون العاصفة هذه المرة ، ملامحه حادة و كأنها خُلقت لتتحمل أكثر مما ينبغي - آلثاك - كان يمسك بيد طفلة صغيرة بالكاد تبلغ السابعة ، شعرها الداكن يتطاير بعشوائية و عيناها القرمزيتان تلمعان بخوف طفولي لم يعتد أن يراه فيها ، كانت مختلفة عن باقي الأطفال ، فدمها يحمل ثلاثة أنساب : مصاصة دماء ، ساحرة و مستذئبة - مارغريت -. توقفت فجأة أمام البوابة الحديدية العملاقة و رفعت رأسها نحوه ، كان صوتها صغير لكنه كان يرتجف حين سألته_ " لماذا نحن هنا ". شد آلثاك قبضته على يدها قليلا ، لم ينظر إليها فورا كان يعلم أن اللحظة التي ينحني فيها ليواجه عينيها ستكون اللحظة التي قد يتراجع فيها ، قال أخيرا بصوت حاول أن يجعله ثابتا_ " لكي تبقي على قيد الحياة ". زمت مارغريت شفتيها بعبوس و هي تُجيبه ... " أنا أبقى على قيد الحياة معك فقط ". جملتها كانت كسكين بارد إخترق صدره ، ركع أمامها ببطء و عيناها كانتا تعكسان صورته لكنه رأى فيهما خوفا لا يجب أن تعيشه طفلة ، مد يده و مسح خصلة شعر عن وجهها_ " لو بقيت معي سيقتلونك ". سألته بخوف ... " من ". سكت ، كيف يخبرها أن هذا العالم لا يرحم من يحمل دما مختلطا مثلها ؟ كيف يخبرها أن العائلات العليا ترى في وجودها تهديدا ؟ كيف يخبرها أن كارميدان لم تكن سوى البداية ؟ ، قال بصوت منخفض_ " أناس لا يعرفون الرحمة ". هزت رأسها بعناد طفولي ... "سأُقاتل ". إبتسم إبتسامة حزينة و أمسك يديها بين خاصته ... " أنت قوية ... أقوى مما تعلمين لكن القوة تحتاج وقتا ". سحبت يدها من قبضته فجأة و صاحت في وجهه بغضب ... " أنت تخاف ". تجمد ، كانت أول مرة تصيبه فيها بهذه الدقة ، نعم كان خائفا ليس عليها فقط بل منها أيضا ، من القوة التي ستستيقظ في دمها يوما ما ، إقترب منها أكثر و همس_ " أنا لا أخاف عليك ... أنا أخاف منك ". اتسعت عيناها و عضت شفتها السفلية ... " ماذا تعني ". لكنه لم يُجِب ، نهض و أمسك يدها مجددا و قادها نحو البوابة ، الحارس السحري تعرف عليه فورا ففُتحت الأبواب بصرير ثقيل ، قبل أن تعبر توقفت و إلتفتت إليه ، عيناها امتلأتا بالدموع لكنها لم تبك_ " ستعود لأجلي .... صحيح ". و هنا كانت اللحظة التي كسرته ، أراد أن يقول نعم و أراد أن يعدها و أراد أن يحتضنها و يهرب بها بعيدا عن هذا العالم كله ، لكنه يعلم أن أي وعد سيجعلها تنتظره ، و الانتظار أضعف من أن تحتمله ، أدار وجهه قائلا ثم نبس قائلا_ " هذا المكان سيحميك أكثر مني ". خطت خطوة إلى الداخل ثم أخرى ، و مع كل خطوة كان يشعر أن جزءا من روحه يُنتزع منه ، قبل أن تختفي خلف الجدار الحجري إستدارت مرة أخيرة و همست_ " إن لم تعد سأبحث عنك ... لكن سأكرهك بعدها ". ثم إختفت و البوابة أُغلقت ، و صوت الإغلاق كان كصوت حكم نهائي ، وقف آلثاك وحده تحت المطر دون أن يتحرك ، ثم لأول مرة منذ سنوات سمح لعينه أن تلمع.
[ عودة إلى الحاضر ]
فتح آلثاك عينيه فجأة ، أنفاسه ثقيلة و غرقته مازالت مظلمة لكن الذكرى كانت أوضح من أي ضوء ، همس بصوت خافت_ " كنت محقة ... أنت قوية ، أقوى مما توقعت ". نهض ببطء و اتجه نحو النافذة ، الليلة هادئة لكنها هدوء ما قبل العاصفة ، أطلال كارميدان ليست مجرد مهمة ، إنها المكان الذي بدات فيه اللعنة ، و إن كان المدير فيكتور أرسله هناك الآن فذلك يعني أن شيء قد إستيقظ ، شيء مرتبط بدم مارغريت ، شيئا ربما كان ينتظره منذ عشر سنوات ، أغمض عينيه مرة أخرى ثم ألقى بثقل جسده على السرير. ~~~~~~~~~~~~~~~~ كانت القاعة تعج بالطلاب من مختلف الأعراق الخارقة ، لكن الضجيج المعتاد لم يكن كما هو ، الهمسات كانت أكثر حدة و أكثر مباشرة و أكثر سما ، كل العيون تقريبا كانت تتجه إلى طاولة واحدة حيث كانت مارغريت ، كانت تجلس مستقيمة الظهر و ملامحها جامدة كالرخام لكن أصابعها كانت مشدودة حول حافة الطاولة . بجوارها جلس لوسيان ، قميصه مغلق الآن لكن آثار الحدث في الساحة لا تزال حاضرة في الأذهان : العضة ، الدم ، و الطريقة التي أمسك بها يدها أمام الجميع ، صوت همسة إرتفع قليلا من الطاولة المقابلة_ " رأيتم كيف كان ينظر إليها " _ " و كيف عضها ... لم تكن عضة قتال " _ " كان الأمر ... شخصيا ". شهقت إحدى الساحرات بخفة ... " و مع ذلك ... هو بشري ". كلمة - بشري - قيلت و كأنها شتيمة ، رفعت مارغريت رأسها ببطء و عيناها الداكنتان جالتا على الطاولات واحدة تلو الأخرى ثم وقفت ، الصوت في القاعة لم يخفت بالكامل لكنه انخفض_ " ليس لكم الحق في الحديث عني ". كان صوتها باردا و ثابتا لكنه يحمل تحذيرا واضحا ، ضحك أحد الطلاب من جهة مصاصي الدماء ، شاب أطول قليلا و عيناه تلمعان بتحد واضح_ " لكنه عضك و إمتص دمك أمام الجميع ... أين هي صورة مارغريت عضوة المجلس المثالية ... التي يهاب منها الجميع ". تجمد الهواء للحظة و لوسيان شد فكه لكن مارغريت رفعت يدها قليلا دون أن تنظر إليه ، إشارة صامتة بأن لا يتدخل ، إقترب الطالب خطوة و نظر إليها بإزدراء_ " هل كان ذلك عرضا للقوة ؟ أم إعلان ملكية خاصة ". ارتفعت همسات خافتة لكن مارغريت لم ترفع صوتها ... " الدم ليس شأنكم ". إبتسم الطالب بسخرية ... " حين يُسفك في الساحة ... يصبح شأن الجميع ". قبل أن يكمل إنبعثت طاقة خفيفة من حول مارغريت ، لم تكن مرئية لكنها كانت محسوسة ، الكؤوس على الطاولة اهتزت قليلا و مارغريت جزت على أسنانها بقوة و هي تقول_ " احذر كلماتك ". رد ببرود ... " أم ماذا ؟ سيعضني هو أيضا ". في تلك اللحظة وقف لوسيان ، لم يقل شيئا لكنه نظر الى الطالب نظرة واحدة فقط ، شيء في تلك النظرة لم يكن بشريا ، الصمت التي تبعها لم يكن خوفا من شجار بل خوفا من شيء لم يفهموه بعد ، إحدى المستذئبات همست_ " رأيت عينيه في الساحة ... تغيرتا ". تراجع الطالب نصف خطوة دون أن يدرك ، إلتفتت مارغريت أخيرا نحو لوسيان ، لم يكن في نظرتها خجل و لا إنكار ، كان هناك شيء آخر : إرتباك ؟ قلق ؟ أم إدراك أن ما حدث لم يكن مجرد اندفاع ؟ ، ثم عادت تنظر للجميع_ " ما حدث في الساحة كان اندفاع ". رد أحدهم ... " لم يكن أحدهم ي... ". قاطعته نظراته الحادة التي رمقته بها ، قالت بهدوء أخطر من الصراخ ... " كنتم تظنون ذلك ". الجملة جعلت عدة طلاب يتبادلون النظرات لأنهم شعروا أنها تعرف شيئا ما و تُخفيه عنهم ، الطالب نفسه قال بحدة أخيرة_ " أو ربما ... لم تستطيعي مقاومته ". قبل أن تكمل الجملة إندفعت طاقة فجائية من حول لوسيان ، الكؤوس سقطت و الهواء ضغط على صدور الحاضرين للحظة ، لم تكن تعويذة و لم تكن قوة مصاص دماء و لم تكن ذئبية أيضا كانت شيء آخر تماما ، عيون كثيرة اتسعت و مارغريت . التفتت نحوه بسرعة و وضعت يدها على ذراعه ، لمسته له لم تكن رومانسية بل كانت تثبيتا ، همست له بصوت منخفض لا يسمعه سواه_ " اهدأ ". تنفس ببطء و الطاقة تراجعت لكن الهمسات تغيرت ، لم تعد عن العضة بل عن الخوف الذي بدأ يُسيطر عليهم_ " هو ليس بشريا ... " _ " دمه ... " _ " شيء ما فيه ... ". جلست مارغريت مجددا ثم قالت بصوت مسموع للجميع ... " إن كان لديكم شجاعة للحديث ، فافعلوا ذلك في الساحة لا خلف الطاولات ". لم يرد أحد حتى الطالب الذي بدأ الأمر عاد إلى مقعده بصمت ، لأن الجميع شعر بشيء واحد واضح : ما حدث في الساحة لم يكن نزوة ، و لم يكن حادثا كان بداية ، و للمرة الأولى منذ سنوات شعرت الأكاديمية أن ميزان القوى فيها بدأ يميل و ليس نحو أحد الأعراق المعروفة بل نحو شيء جديد. بعد مدة ... غادرت مارغريت قاعة الطعام بخطوات ثابتة رغم أن داخلها لم يكن ثابتا على الإطلاق ، الأبواب الخشبية الثقيلة أُغلقت خلفها فخفت الضجيج لكن الكلمات التي قيلت بقيت عالقة في ذهنها_ " عضك " _ " إمتص دمك " _ " إعلان ملكية ". شدت قبضتها ، لم يكن ما يؤلمها كلامهم بل السؤال الذي بدأ يتشكل في ذهنها منذ الساحة - لماذا شعر دمها بالإستجابة ؟ - ، الممر الحجري كان مضاء بشموع زرقاء خافتة مخصصة لجناح السحرة ، الهواء هنا كان مشبعا برائحة الأعشاب و الكتب القديمة ، عند زاوية القوس الحجري كانت هناك فتاة تقف مستندة إلى الجدار ، تقلب صفحات كتاب جلدي سميك دون أن تنظر إليه فعليا ، رفعت إيلارا عينيها إليها قبل أن تصل مارغريت بخطوتين_ " كنت أعلم أنك ستأتين ". توقفت مارغريت أمامها مباشرة ، لا مجاملات و لا مقدمات ... " أريد أن أعرف كل شيء عن الدم الملعون يا إيلارا ... أنت ساحرة تهتمين بالسحر الممنوع كثيرا و السحر داخل صاحب الدم الملعون يعد من المحرمات ". أغلقت إيلارا الكتاب ببطء ، نظرتها لم تكن متفاجئة بل متوقعة .... " لوسيان ... أليس كذلك ". لم تُجِب مارغريت فورا لكن صمتها كان كافيا ، تنهدت إيلارا بهدوء ثم أشارت لها أن تتبعها إلى غرفة المخطوطات المحظورة ... داخل الغرفة التي كانت صغيرة و مخفية خلف باب حجري لا يُفتح إلا بتعويذة معينة ، الهواء أثقل و كأن المعرفة نفسها لها وزن ، أشعلت إيلارا ثلاث شموع سوداء حول طاولة دائرية ثم وضعت الكتاب الذي كانت تحمله في المنتصف. _ " الدم الملعون ليس أسطورة ... لكنه شيء لم يظهر منذ قرون " رفعت عينيها إلى مارغريت ... " صاحبه لا يحمل دم عرق واحد ... و لا اثنين " صمتت لحظة ثم تابعت ... " بل أربعة ". انقبض قلب مارغريت رغم أنها كانت تعرف الجواب ، أضافت إيلارا بصوت أكثر خفوتا ... " سحرة ... مصاصو دماء ... مستذئبين ... و دم بشري يحمل بقايا دم التنين الأحمر ". إرتجف اللهب للحظة ثم همست مارغريت ... " دم تنين ". أومأت إيلارا ببطء و هي تُجيب ... " ليس أي تنين ... التنين الأحمر الأخير الذي انقرض في حرب العوالم ، دمه كان مصدر طاقة خام و قوة غير قابلة للسيطرة " إقتربت أكثر و هي تُضيف ... " المشكلة ليس في الأعراق الثلاثة الأولى ، الأكاديمية مليئة بمختلطي الدم ، لكن دم التنين ... هو ما يجعل الأمر ملعونا ". جلست مارغريت ببطء ثم سألت ... " ماذا يفعل هذا الدم ". إبتسمت إيلارا إبتسامة غير مطمئنة ... " يجعل باقي الدماء تتصارع داخله ". رفعت يدها و رسمت دائرة سحرية صغيرة في الهواء ، داخلها ظهرت أربع ومضات بألوان مختلفة ، تتصادم ثم تشتعل ، أخذت إيلارا نفسا عميقا ثم بدأت تشرح لمارغريت بهدوء_ " السحر يريد السيطرة و الذئب يريد الهيمنة ... مصاص الدماء يريد الامتصاص و التنين يريد الحرق " انطفأت الدائرة فجأة ... " إن لم يُضبط التوازن ... ينفجر الجسد من الداخل ". تذكرت مارغريت الطاقة التي خرجت من لوسيان في القاعة ، لم تكن واحدة من القوى المعروفة بل كانت خليطا_ " و هل يستطيع أحد النجاة بهذا الدم ". صمتت إيلارا للحظة أطول من اللازم ثم قالت ... " هناك نبوءة قديمة " رفعت مارغريت نظرها بسرعة و هي تُنصت لها ... ". صاحب الدم الملعون إما أن يصبح جسرا يُوحد الاعراق ... أو شرارة تُحرقها جميعا ". الصمت بينهما اصبح ثقيلا ، همست مارغريت ... " العضة في الساحة ". نظرت إليها إيلارا بتركيز ثم استفسرت ... " ماذا شعرت ". ترددت ثم قالت بصراحة نادرة ... " لم يكن إمتصاص فقط ... شعرت و كأن دمي ... إستجاب له ". اتسعت عينا إيلارا ... " هذا سيئ لأنها ليست رابطة دم فقط " _ " لماذا " _ " لأن دمك ليس عاديا يا مارغريت ، أنت أيضا تحملين ثلاثة أعراق ، إن حدث تفاعل كامل بين دمكما ... فقد يُسرع إستيقاظ التنين داخله " تنفست مارغريت ببطء ... " هل يمكن إيقافه " نظرت إيلارا إلى الشموع السوداء ... " السحر الممنوع يقول أن هناك طريقتين فقط : إما ختم أحد الدماء داخله او كسر الرابط قبل اكتماله " نظرتها عادت إلى مارغريت مباشرة ... " لكن إن كان الرابط قد بدأ بالفعل ... " لم تكمل لان مارغريت وقفت فجأة ... " أين يمكنني قراءة النبوءة كاملة " ترددت إيلارا ثم مدت يدها إلى رف مرتفع و أخرجت مخطوطة أقدم من باقي الكتب ، وضعتها أمامها ثم قالت_ " إن قرأت هذا ... لم تعودي تجهلين شيئا " مدت مارغريت يدها ببطء نحو المخطوطة ، لهيب الشموع ازداد حدة لحظة لمسها و كأن شيئا ما استشعر القرار الذي اتخذته مارغريت ، قراءة النبوءة و ربما كسر الرابط الذي بدأ يتشكل بينهما. ~~~~~~~~~~~~~~~~ كانت الباحة الخلفية أكثر هدوءا من بقية الأكاديمية ، الأشجار السوداء الطويلة تحيط بالمكان ، أوراقها لا تتحرك رغم أن الرياح تعصف في الأبراج البعيدة . القمر كان مكتملا ، يسكب ضوءا فضيا على الأرض الحجرية ، وقف الثاك قرب السور الحجري المطل على الغابة المحظورة ، ذراعاه معقودتان خلف ظهره و عيناه تراقبان الظلام ، كان يشعر به يقترب قبل أن يسمع خطواته - لوسيان - توقف على بعد خطوات ، صمت ثقيل مر بينهما ثم قال لوسيان بهدوء_ " استاذ الثاك ... هل يمكننا الحديث " لم يلتفت الثاك فورا لكنه أجاب بوضوح ... " إبتعد عن مارغريت " تغير الجو فورا لكن لوسيان لم يتحرك ... " هذا ليس سبب مجيئي " إستدار الثاك أخيرا و عيناه لمعتا تحت ضوء القمر ... " أيا كان السبب ... النتيجة واحدة ، إبتعد عنها " شد لوسيان فكه ... " لست أؤذيها " رد آلثاك بحدة خفيفة ... " أنت لا تعرف ما تفعله بها " تقدم لوسيان خطوة واحدة كانت كافية لتشتعل المسافة بينهما ... " إذن أخبرني " صمت ، درس آلثاك وجهه للحظة طويلة ، لم يكن يرى فقط فتى متهورا كان يرى شيء يستيقظ بداخله_ " دمك ليس مستقرا " إرتجف الهواء للحظة ، تمتم لوسيان ... " أعرف " ضاقت عينا آلثاك ... " تعرف " _ " أشعر به داخلي ... و كأنه نار تحت جلدي " و قبل أن يكمل تبدل الهواء فجأة ، برودة خفيفة هبطت على المكان ، الأشجار إنحنت قليلا ليس بسبب الرياح بل بسبب الطاقة الأثقل ، رفع آلثاك راسه ببطء- " تراجع " نظر لوسيان حول ، ظلال طويلة بدات تتمدد على الأرض رغم أن القمر في مكانه ، و من بين تلك الظلال خرجوا ، خمسة أشخاص يرتدون عباءات سوداء طويلة بلا شعارات . وجوههم مغطاة بأقنعة فضية منقوشة برمز دائري متداخل ، لم يُفترض أن يظهروا علنا لكن أحدهم تقدم خطوة و صوته لم يكن مرتفعا لكنه حمل سلطة باردة_ " الدم الملعون لا يُترك دون مراقبة " توتر جسد آلثاك بالكامل ... " ليس لكم صلاحية داخل حدود الأكاديمية دون إذن المدير " رد الآخر ... " حين يُهدد التوازن ... نصبح نحن الإذن " تحرك أحدهم بسرعة غير طبيعية و ظهر خلف لوسيان في ومضة ظل ، مد يده نحوه لكن قبل أن يلمسه تحرك آلثاك ، في لحظة كان أمام لوسيان و قبضته إصطدمت مباشرة بعضو المجلس بقوة ذئبية خالصة ، الإصطدام أحدث موجة هواء دفعت الأوراق بعيدا ، سحب آلثاك لوسيان للخلف و صاح فيه_ " أهرب " لكن لوسيان لم يتحرك بل نظر إلى يده التي بدأت ترتجِف ، الحرارة عادت ، أحد أعضاء المجلس رفع يده و رسم ختما سحريا في الهواء ، سلاسل من طاقة سوداء إندفعت نحو لوسيان لكن آلثاك قطع اثنتين بمخلبه في حين الثالثة إلتفت حول ذراع لوسيان و في اللحظة التي لامست فيها إنفجر الضوء ليس ضوء أبيض بل أحمر . لهيب إندفع من حول جسد لوسيان ليس نارا حارقة للأرض بل نار شفافة تتوهج تحت جلده ، تراجع أعضاء مجلس الظلال فورا و احدهم همس_ " إنه يستجيب أسرع مما توقعنا " تحولت عين لوسيان للحظة ، و حدقته اتسعت و القزحية احمرت بلون أعمق من الدم ، لم يكن ذلك غضب بل كان إستدعاء ، أمسك آلثاك بكتفيه بقوة_ " تحكم به " لكن الصوت الذي خرج من لوسيان لم يكن مستقرا ... " هم ... يحاولون أخذي " إندفع عضو آخر نحوه بسيف طاقي مظلم قبل أن يصل ارتفعت موجة نار حمراء على شكل جناح خلف ظهر لوسيان و صدت الضربة و دفعته بعيدا ، و الأرض تحت قدميه تشققت قليلًا ، لكن مجلس الظلال لم يبدُ خائفًا فقط أصبحوا حذرين ، قال أحدهم بهدوء_ " إن تُرك دون ختم ... سيحرق أكثر من مجرد حجارة " وقف آلثاك أمام لوسيان مجددًا و عيناه لمعتا بذئبية واضحة ... " لن تلمسوه " رد حد أعضاء المجلس ... " و أنت ... مستعد للموت لأجل دم قد يدمر العالم " لم يجب الثاك لم يجب لكنه اتخذ وضعية قتال ، في اللحظة التالية تحرك الجميع : ظل يصطدم بنار ، سحر يواجه مخالب و طاقة سوداء تلتف حول جذوع الأشجار . ركع لوسيان فجأة ممسكًا صدره و تلنار داخله لم تعد دفاعًا بل صراعًا و صوت خافت تردد في أذنه - صوت قديم - يطلب منه الاستدعاء رفع رأسه ببطء ، فوجد الثاك يقاتل اثنين في آن واحد و مجلس الظلال يستعد لختمه . الحرارة تزداد و في اللحظة التي كاد أحدهم يلمس جبينه بالختم السحري دوّى صوت انفجار سحري من جهة الأبراج : طاقة بنفسجية اخترقت الباحة كبرق و تبعها صوت مألوف_ " ابتعدوا عنه " وقفت مارغريت عند مدخل الباحة، دائرة سحرية ثلاثية الأعراق تتوهج تحت قدميها ، عينها ثابتة و غاضبة و مستعدة للحرب ، تشققت الأرض تحت أقدامهم . رفعت مارغريت يدها و الدائرة السحرية تحت قدميها اتسعت ، ثلاثة ألوان تتداخل : قرمزي مصاصي الدماء ، فضي الذئاب و بنفسجي السحر، اندفعت تعويذة كالسهم نحو أحد أعضاء مجلس الظلال فارتطم بالجدار الحجري بعنف ، آلثاك في الجهة الأخرى تحوّل جزئيًا . عظام ذراعه تمددت و مخلبه اخترق حاجزًا مظلمًا كأنه يمزق قماشًا ، صرير الطاقة السوداء كان يخدش الأذن ، لوسيان ما زال في المنتصف راكعا على الأرض و النار الحمراء تشتعل حوله كتنفسٍ متقطع ، عضو من المجلس رفع عصاه المظلمة ، دوائر ختم بدأت تتكوّن في الهواء فصاحت مارغريت_ " لا تلمسوه " قفزت للأمام بتعويذة ارتطمت بالختم فبعثرته شرارات ، آلثاك انقض على عضو آخر ، جسده تحرك بسرعة ذئبية صافية ، اصطدامهما هزّ الأشجار لكن مجلس الظلال لم يكونوا مجرد سحرة ، تحرك اثنان معًا تزامن غريب و طاقة سوداء تشكل قفصًا يتقلص حول لوسيان ، النار الحمراء داخله اشتعلت فجأة أعلى و لهيب ارتفع خلفه ... للحظة بدا كظل جناح ، شعرت مارغريت بالحرارة تضرب جلدها_ " لوسيان ... لا تتركه يخرج " لكنه لم يعد يسمع جيدًا ، الصوت القديم في داخله ازداد وضوحًا - استدعني - ، قفز آلثاك أمام القفص و مخلبه ضرب الأرض ، موجة صدمة كسرت جزءًا من السلاسل ثم صرخ في وجه لوسيان_ تحكم به ... لا تدعه يتحكم بك " أعاد مجلس الظلال تشكيل صفوفهم ، ثم أحدهم رفع يده و بدأ ختم أعقد و أكبر و مصمم للإخضاع الكامل و فجأة الهواء تغيّر ليس كبرودة سابقة بل كفراغ و كأن الصوت نفسه ابتلع . شعرت مارغريت به أولا فالتفتت ببطء و هناك عند حافة الظل الأعمق بين الأشجار وقف شخص ، لم يخرج من الظل - الظل هو الذي خرج منه أزراكيث الصامت - وجهه مغطى بقناع أسود أملس ، بلا فتحات ، بلا تعابير . لم يكن وجهًا بل كان حكمًا ، عباءته الداكنة خلفه لم تتحرك مع الريح بل ضدها و الظلال عند قدميه لم تكن ثابتة كانت تنزلق و تلتف كأنها كائنات حيّة تصغي لأوامره غير المنطوقة ، أحد أعضاء المجلس همس بخوف خافت_ " إنه هنا ... " الثاك شعر به بعد فوات الأوان ، استدار نصف التفاتة فقط ... و في اللحظة التالية لم يرَ شيئًا لأن أزراكيث لم يتحرك بالطريقة المعتادة ، الظل تحت قدمي الثاك ارتفع فجأة ، تشكل كرمح مظلم اخترق كتفه من الخلف ، صوت الاختراق لم يكن صرخة ... بل كتمة ألم ثقيل ترنح الثاك للأمام و عينه اتسعت ، تلرمح لم يكن مادّيًا بالكامل لكنه حقيقي بما يكفي ليمزق اللحم ويصيب الروح ، صرخت مارغريت_ آلثاااااك " اندفعت نحوه لكن أحد أعضاء المجلس اعترضها ، أزراكيث لم يقل كلمة و لم يتحرك خطوة مجرد إمالة رأس خفيفة و الظلال حول قدميه انطلقت كثعابين ، التفت حول ساقي الثاك ، جذع شجرة و أمسكت بذراعه الأخرى . حاول الثاك التحرر ، مخلبه قطع واحدة ، اثنتين... لكن الظلال كانت تتكاثر ، رفع ازراكيث يده ببطء ثم ظل كثيف تشكل خلفه كجدار ، انطلق سهم ظل رفيع و دقيق لا يُرى إلا كوميض أسود و ضرب الثاك في ظهره ، هذه المرة سقط على ركبته. التحول الذئبي تراجع قسرًا و الدم نزل على الحجر ، رفع لوسيان رأسه ببطء و رأى الثاك يسقط و رأى أزراكيث ، للحظة النار داخله سكنت ثم انفجرت الحرارة تضاعفت و عيناه احمرّتا بالكامل . لهيب خلفه لم يعد مجرد جناح ظل بل ارتسمت خلفه هيئة : رأس ضخم شفاف فم مفتوح بصمت ، كصدى تنين قديم ، أعضاء مجلس الظلال تراجعوا خطوة حقيقية هذه المرة لكن أزراكيث لم يتراجع أمال رأسه قليلًا كما لو كان يدرس شيئًا نادرًا . مارغريت وصلت إلى الثاك و وضعت يدها على جرحه ، تلظل داخل الجرح لم يكن يختفي كان يتحرك ، همست بتعويذة تطهير لكن الظل قاوم ، رفع الثاك عينه إليها بصعوبة_ " لا ... تركزي ... عليّ ... " سعل دمًا خفيفًا ... " أوقفيه ... قبل أن ... " لكن لوسيان لم يعد يطلب إيقافًا بل وقف ببطء و الأرض تحت قدميه بدأت تسود ، النار الحمراء امتزجت بخيوط سوداء رفيعة و مجلس الظلال أدركوا الخطر ، صرخ أحدهم_ " انسحبوا " الهواء انفجر ، موجة نار مظلمة اندفعت من لوسيان ، لم تحرق الأشجار ... لكنها محَت الظلال الأرضية ، أزراكيث تحرك أخيرًا ، خطوة واحدة للأمام و الظل خلفه تمدد كدرع الموجة اصطدمت به و الضوء الأحمر و الأسود تصادما للحظة كصاعقتين . الأرض اهتزت لكن أزراكيث لم يسقط حين انقشع الغبار كان مجلس الظلال قد تراجعوا إلى الظلال البعيدة و أزراكيث كان آخر من بقي ... واجه لوسيان مباشرة. صمت. لا صوت. لا كلمة... ثم الظلال عند قدميه انزلقت إلى الخلف و اختفى ليس كمن يهرب بل كمن قرر أن هذا ليس الوقت المناسب للحكم. سقط لوسيان على ركبتيه. النار انطفأت فجأة. الهيئة خلفه تلاشت. مارغريت نظرت بينه وبين الثاك النازف. القمر عاد هادئًا.لكن الأرض كانت شاهدة. الثاك فقد وعيه. ومارغريت أدركت شيئًا واحدًا واضحًا: أزراكيث لم يأتِ ليقتل. جاء ليرى. ولأنّه رأى... فالحكم لم يصدر بعد.