القسم الثالث_عهد الوريث
ظل ساري واقفًا أمام النافذة، يتطلع إلى الأفق شارد الذهن، بينما كانت أفكاره تتزاحم في رأسه. كان يحاول أن يستوعب كل ما مر به، وكل ما عرفه عن نفسه خلال الأيام القليلة الماضية. وفجأة... رأى شيئًا وسط الظلام. فرك عينيه ظنًا منه أن التعب بدأ يخدعه، ثم فتحهما من جديد. كانت هناك فتاة صغيرة تقف في قلب الغابة. الغريب أنها لم تكن تختبئ وسط الظلام، بل كانت تشع نورًا أبيض ناعمًا، وكأنها ملاك يقف في قلب الجحيم. ظل يحدق بها لثوانٍ طويلة، غير مصدق ما يراه، ثم فرك عينيه مرة أخرى، لكن المشهد بقي كما هو. وقبل أن يتحرك... دق الباب. انتزع الصوت انتباهه، فأدار رأسه نحو الباب وقال: "من؟" جاءه صوت واروين من الخارج: "أنا." قال ساري: "تفضل." دخل واروين إلى الغرفة، وعندما التفت ساري مرة أخرى نحو الغابة... اختفت الفتاة. قال واروين وهو يقترب من النافذة: "كيف أصبحت؟" أجاب ساري: "لا بأس." نظر واروين إلى الخارج وقال: "المنظر جميل هذه الليلة." تنهد ساري وقال: "صحيح... لكنني رأيت شيئًا غريبًا." التفت إليه واروين متسائلًا: "وما هو؟" أشار ساري إلى الغابة وقال: "رأيت فتاة صغيرة هناك." قطب واروين حاجبيه وقال: "وكيف استطعت رؤيتها في هذا الظلام؟" أجاب ساري بثقة: "لأنها كانت تضيء... كانت تشع نورًا أبيض، وكأنها ملاك." اتسعت عينا واروين بدهشة وقال: "تضيء؟! ما الذي يحدث حقًا؟" زفر ساري بإرهاق وقال: "لا أعلم... وأنا أيضًا لم أعد أفهم شيئًا." سأله واروين: "وماذا ستفعل الآن؟" أجاب وهو يبتعد عن النافذة: "لا أعرف... أريد فقط أن أنام. ربما أجد الإجابة غدًا." ابتسم واروين ابتسامة خفيفة وقال: "إذًا تصبح على خير." _"وأنت من أهله." استسلم ساري للنوم سريعًا، وكأنه خرج لتوه من معركة طويلة استنزفت جسده وروحه معًا. وفي الصباح الباكر، استيقظ وقد اتخذ قرارًا مهمًا، فطلب اجتماعًا مع والدته جوانا وأخيه واروين. دخل الاثنان الغرفة، وبدا القلق واضحًا على وجهيهما. قال واروين: "ماذا قررت يا عزيزي؟" وأضافت جوانا بنبرة يملؤها الأمل: "أتمنى أنك اتخذت القرار الصحيح." ساد الصمت للحظات. ظل ساري ينظر إلى الفراغ. كان يسأل نفسه: "هل هذا القرار صحيح؟هل أستطيع أن أكون ملكًا؟ وماذا لو أخفقت؟ وماذا لو كانت الحقيقة أكبر مني... وأقسى مما أتخيل؟ هل سأحتمل كل ما ينتظرني؟" قطعت جوانا حبل أفكاره وهي تقول بهدوء: "لا تقلق يا ساري... أنا واثقة أن هذا القرار سيصلح أكثر مما سيفسد. والختم اختارك... وهذا يعني أنك أهل لهذه المهمة، وأهل لمعرفة الحقيقة." تنهد ساري بتعب، لكنه لم يعلق. ربت واروين على كتف أخيه وقال: "سأبدأ بالتجهيزات... أصبح لدينا ملك." ابتسم ابتسامة خفيفة، وكأنه يحاول أن يطمئنه. لكن كل تلك الكلمات لم تجد طريقها إلى قلب ساري. فقد بقي يفكر في تلك الفتاة التي ظهرت له في الغابة... وفي سبب ظهورها. رفع رأسه أخيرًا، ثم قال بثقة امتزجت بشيء من التردد: "لقد اتخذت قراري." نظر إليه الاثنان باهتمام. قال: "سأكون الوريث... وهذا قراري الأخير." ثم أضاف بابتسامة خفيفة: "وأرجو ألا أندم عليه." وقفت جوانا بحماس وقالت: "رائع... هذا هو ابني." أما واروين، فاقترب منه وقال: "وأخيرًا... سأكون إلى جانبك، وسأدعمك، وسأكون يدك اليمنى." هز ساري رأسه، ثم نظر نحو النافذة، حيث كانت الغابة ما تزال ساكنة. وقال بصوت هادئ، لكنه يحمل عزيمة واضحة: "والآن... لنبدأ البحث عن الحقيقة." بعد أن اتخذ ساري قراره، وتُوِّج ملكًا وفقًا لاختيار الختم، بدأ يضع خطة لمسيرته نحو كشف المجهول ومواجهة ما ينتظره، بمساعدة والدته جوانا وأخيه واروين. ومرّ شهر كامل... كانت ساحة القصر تعج بأصوات الجنود وهم يتدربون، بينما تتصاعد ألسنة اللهب بين صفوفهم، وكأنها تستجيب لعزيمتهم: "هيا جميعًا... واحد، اثنان، ثلاثة!" لكن الجنود لم يكونوا يتدربون وحدهم، بل كان الملك ساري يقودهم بنفسه. كان ينازلهم واحدًا تلو الآخر، حتى أدهش الجميع بمهاراته القتالية، وكأنه فارس من زمنٍ قديم، لا شاب جاء من عالمٍ مسالم لا يعرف شيئًا عن الحروب. اقترب واروين من ساري بعدما طرح أحد الجنود أرضًا، وقال مبتسمًا: "جلالتك، يكفي لهذا اليوم، لقد أرهقت نفسك كثيرًا." تناول ساري المنديل من يده، ومسح عرقه وقال: "لا بأس... علينا أن نضاعف جهودنا إذا أردنا الانتصار." ضحك واروين وقال: "الانتصار على عدو لا نعرف حتى من يكون." ابتسم ساري رغم إرهاقه، وقال: "لا تقلق... سنعرفه، عاجلًا أم آجلًا." ابتسم واروين بثقة: "بالطبع... ما دمت أنت هنا." أخذ ساري نفسًا عميقًا ثم قال: "اذهب واجمع المستشارين، ريثما أستحم وأرتدي ثيابي الملكية." ابتسم واروين وربت على كتفيه مازحًا: "أمرك، جلالتك." غادر واروين ليُعدّ الاجتماع، بينما اتجه ساري إلى جناحه ليستريح قليلًا ويهيئ نفسه لما سيقوله بعد قليل. بدأ الاجتماع. جلس في القاعة كبار القادة، ووزراء المملكة، والمستشارون، ورؤساء الفرق، إضافة إلى جوانا وواروين. وفجأة، دوّى صوت الحارس من خلف الباب: "جلالة الملك." وقف الجميع احترامًا. دخل ساري بخطوات ثابتة، ثم ألقى نظرة هادئة على الحضور وقال: "تفضلوا بالجلوس." جلس الجميع، بينما اتخذ ساري مكانه في صدر القاعة، رافعًا رأسه بشموخ، وقد بدت في عينيه ملامح العزم والحكمة. قال بهدوء: "اجتمعنا اليوم لنبدأ أول خطوة في تحديد هوية عدونا المجهول. واروين... قدّم التقرير." نهض واروين، حاملاً خريطة كبيرة، ثم بسطها فوق الطاولة. قال: "أمرك، جلالتك." كانت الخريطة مليئة بالنقاط والرموز والكتابات، وقد وُضعت عليها علامات عديدة تدل على أماكن مختلفة. وأشار إليها قائلًا: "هذه النقاط تمثل الأماكن التي ظهر فيها العدو، أما هذه الملاحظات فهي جميع الأدلة والمؤشرات التي جمعناها خلال الشهر الماضي." نظرت جوانا إلى الخريطة بدهشة وقالت: "متى جمعت كل هذه المعلومات؟" ابتسم ساري وأجاب: "لقد أمرته منذ أن تسلمت العرش أن يبدأ البحث سرًا." أكمل واروين حديثه وهو يشير إلى إحدى النقاط: "آخر مكان ظهر فيه عدونا... كان الغابة المقابلة لشرفة غرفة الملك." رفع وزير الدفاع رأسه بدهشة وقال: "كيف؟! من المستحيل أننا لم نره." أجاب واروين: "لأنه لم يكن كما تظنون." سأل أحد المستشارين: "وماذا تقصد؟" نظر ساري إلى الجميع وقال: "لم يكن جنديًا... بل كان فتاة." ساد الصمت في القاعة، وتبادل الجميع نظرات الاستغراب. وبعد لحظات، قطع رئيس الدفاع الصمت بسؤالٍ مباشر: "وكيف اكتشفتم ذلك، جلالتك؟" تنهد ساري وقال: "إنها قصة طويلة بدأت منذ وصولي إلى هذه المملكة. كنت أراها من نافذة غرفتي. في البداية ظننت أنني أتخيل، لكن بمساعدة واروين تأكدت أنها كانت حقيقية." توقف عن الكلام للحظة، وكأن ذكرى تلك الأيام أعادت إليه شيئًا من الألم، حتى شعر بغصة تخنق صوته. أكمل واروين الحديث بعد تنهيدة طويلة: "إنها الساحرة نفسها التي كانت السبب في إبعاده إلى عالم البشر، وكانت تتردد على الغابة المقابلة لغرفته، محاولة جذبه إليها باستخدام تعاويذ جعلتها تبدو كأنها ملاك." استعاد ساري هدوءه، ثم أشار إلى منطقة كبيرة داخل الخريطة، كانت محاطة بدائرة واضحة. وقال بحزم: "هنا... مملكة السحر الأسود." ساد الصمت مرة أخرى. ثم تابع: "هذه ستكون وجهتنا التالية، لذلك يجب أن تستعدوا جيدًا. فنحن مقبلون على مواجهة أقوى ممالك العالم." وأردف وهو ينظر إلى الحضور: "لكن قبل التحرك... علينا أن نعرف كيف سندخل المملكة." ثم وجّه نظره إلى وزير الدفاع، الذي كان يثق بخبرته، وقال: "هل لديك اقتراح؟" وقف وزير الدفاع وقال: "أرى أن الحل الأمثل هو تقسيم الجيش إلى ثلاثة أقسام، بحيث يهاجم كل قسم إحدى بوابات المدينة الثلاث، وبهذا نشتت دفاعاتهم ونضعف مقاومتهم." أومأ ساري برأسه وقال: "إني أثق برأيك." ثم نهض من مكانه، ووضع يديه على الطاولة، وقال بحزم: "إذن... نعتمد هذه الخطة." ثم نظر إلى الجميع، وأعلن بصوتٍ ملأ القاعة: "سيكون الانطلاق نحو مملكة السحر الأسود... بعد أسبوع من اليوم." ساد الصمت للحظة… فقد أدرك الجميع أن الرحلة القادمة لن تكون كسابقاتها، وأنهم على وشك دخول أرضٍ لم يعد منها أحد كما كان.