بوابة المجهول

الفصل 7: القسم الثاني_ لغز فلورنس

القسم الثاني_ لغز فلورنس

قرر إلياس الخروج من هنا. بدأ يركض ويركض في الممرات، لكن دون جدوى... في كل مرة يعود إلى نفس النقطة. فقد عقله، وصار يصرخ بصوت يملؤه الخوف: "ما هذا؟ أين أنا؟ كيف أخرج؟!" لكن فجأة... توقف: "دقيقة... أين ليرا؟!" التفت حوله بذعر، أرجاء الممر الضيق كانت تتسابق في التمدد والتقلص بشكل مرعب، وكأن الأحجار صلبة تتنفس وتتغير مع كل ضربة من ضربات قلبه المتسارعة. أخذ يضرب بكفيه على الجدران الباردة صائحاً باسمها، ليرتد إليه صداه متخذاً نبرات استهزاء سخرت من وحدته. شعر بالهواء يضيق في صدره؛ فاختفاء ليرا لم يكن مجرد خسارة لرفيقة في هذا الظلام، بل كان يعني سقوط الدرع الوحيد الذي كان يفصله عن الجنون المطلق وعن العيون الخفية التي تراقبه من خلف ظلال الممرات. في تلك اللحظة انتبه لاختفاء ليرا، وهذا ما جعله يجن أكثر. وفجأة... شُق الجدار، وخرجت منه يدان عملاقتان. تراجع إلياس إلى الوراء، لكن اليدين ظلتا تتمددان نحوه... حتى أمسكتا بعنقه، وبدأتا بسحبه إلى داخل الحائط المجهول...! كانت أصابع تلك الأيادي الحجرية غائرة ومثلجة، انغرست في جلده حتى شعر بعظام رقبة تستغيث تحت حمرتها الشديدة، بينما كان جسده يُجر قسراً عبر المادة الصلبة للجدار التي استحالت في لحظة إلى غشاء هلامي أسود. اخترق الحائط كمن يغرق في بئر من الزفت والجليد، وامتزجت صرخاته الخافتة بصفير هواء مكتوم، قبل أن يندفع جسده ويصطدم بشدة بالأرضية الحجرية الصلبة للغرفة المجهولة. سحبته تلك الأيادي إلى غرفة كبيرة. الهواء فيها ثقيل، ومضاءة بنور ضعيف لا يُعرف مصدره. التفت حوله بحثًا عن أي مخرج... لكنه لم يجد سوى أربع جدران تحيط به. وفجأة... سمع صوتًا يشبه فحيح الأفعى، يخرج من الجدران: "معك يوم واحد فقط لفك اللغز الموجود هنا... ليس لتنجو بحياتك فقط، بل لتجد أول خيط يقودك لفك اللعنة..." ثم عاد السكون. بقي إلياس شارد الذهن، يفكر في ماهية هذا اللغز... وكيف يمكنه حله. لم يشعر بالأرض تحت قدميه... وكأن العالم من حوله تلاشى في لحظة. لا جدران... لا ظلام... لا صمت. بل برد قاسٍ يخترق العظام. فتح عينيه ببطء... فوجد نفسه واقفًا على طريق مغطى بالكامل بالثلج. سيارة متوقفة على جانب الطريق... زجاجها مغطى بطبقة بيضاء... وداخلها هدايا مبعثرة. كان ندف الثلج يتساقط بكثافة ويهبط ببطء ليلامس أهدابه الملتهبة، مشكلاً غشاوة بيضاء على رؤيته. اقترب بخطوات مرتعشة من هيكل السيارة المغطى بالصقيع؛ كانت أشرطة الهدايا الملونة تبدو فاقعة ومستفزة وسط هذا البياض الميت، كذكرى مرحٍ سُحقت تحت عجلات قدر قسري. لمسه لسطح النافذة المجمدة أرسل قشعريرة حادة لمفصله، واكتشف أن البرد الذي يشعر به ليس مجرد طقس خارجي، بل ينبعث من عروقه ذاتها. وقف إلياس مذهولًا. ثم سمع صوتًا في رأسه... ليس صوته: "نفذ البترول لدي..." تجمد مكانه. لم يكن يسمع القصة... بل يعيشها."بدأ جسده يتحرك دون إرادته، يسير وسط الثلج خطوة تلو الأخرى. كان يشعر بدفء غريب... صورة منزل مضاء... دخان من المدخنة... صوت بيانو خافت. ثم همسة قرب أذنه... وصوت طفلة يقول: "بابا..." ارتجف قلبه، وتوقف فجأة: "هذه ليست ذكرياتي..." لكن المشهد لم يتوقف. وجد نفسه أمام المنزل. كل شيء بدا طبيعيًا... بل مثاليًا بشكل مريب. الضوء يملأ النوافذ. مدّ يده نحو الباب... لكنه توقف. شيء ما خاطئ. نظر خلفه إلى الثلج... لم يجد أي أثر لأقدامه. اتسعت عيناه: „ كيف وصل إذًا؟" في تلك اللحظة، تبدل كل شيء. اختفى الدفء... انطفأ الضوء... وغرق المكان في صمت ثقيل. دفع الباب ببطء... فاستقبله مشهد الدماء. كانت في كل مكان. لكن هذه المرة لم يتجمد... بل تحرك ببطء داخل المنزل، وكأن قوة خفية تدفعه. نظر إلى الأرض... ثم إلى يديه... فتجمد قلبه. كانت يداه مغطاتين بالدم. رفع يديه الملوثتين ببطء نحو عينيه المتسعتين برعب، كان السائل الأحمر الدافئ يقطر من بين أصابعه ليرسم بقعاً داكنة على سجادة الغرفة الثمينة. استنشق رائحة الحديد الممتزجة بعبير الشمع المحترق ورائحة الفطائر التي كانت لا تزال دافئة على المائدة القريبة. كان التناقض صارخاً ومؤلماً بين أثر الجريمة الشنيعة وبين أثاث المنزل الذي يفيض بالدفء العائلي، وكأن مأساة طازجة قد وقعت قبل ثوانٍ معدودة وهو البطل والفاعل الوحيد فيها. تراجع خطوة، وهمس: "لا... هذا ليس صحيحًا..." لكن الصوت عاد... أقرب وأعمق: "أنت لم تتأخر... أنت كنت هنا من البداية." اهتز المكان بعنف. صرخ إلياس: "ماذا فعلت؟!" وفجأة... ظهرت الطفلة أمامه. وجهها شاحب... عيناها خاليتان... لكنها تبتسم. اقتربت منه ببطء، ولمست خده: "لماذا... يا أبي؟" تجمد إلياس: "أنا لست—" لكن صوته اختفى. لأن الصوت الذي تردد بعدها... لم يكن صوته: "الحقيقة... هي المفتاح." في لحظة واحدة، انهار كل شيء. اختفى المنزل... واختفى الثلج... وسقط إلياس على أرض الغرفة، يلهث بعنف. لكن هذه المرة... لم يكن وحده. رفع رأسه ببطء. وعلى الجدار أمامه... جملة محفورة بوضوح: "ما الذي حدث في فلورنس... حقًا؟" اقترب إلياس ببطء من الجدار، كأن شيئًا يدعوه. مرر يده على السطح البارد... شعر بنقوش خفيفة... رموز متشابكة، دوائر داخل دوائر. همس: "هذا هو اللغز..." فجأة أضاءت الرموز. وظهرت في وسط الغرفة منصة حجرية... عليها أربع قطع: مفتاح صدئ... مرآة مكسورة... حجر أسود... وريشة بيضاء. تردد... ثم تذكر الصوت: "يوم واحد فقط..." اقترب. رفع المرآة أولًا. نظر فيها... لم يرَ نفسه. بل رأى ليرا... واقفة في مكان مظلم، تنظر نحوه بصمت. "ليرا...!" اختفت الصورة، وسقطت المرآة من يده. تنفس بسرعة. ثم فهم... المرآة ليست مجرد أداة... بل دليل. أخذ الحجر الأسود، ووضعه على أحد النقوش المظلمة... فاهتزت الأرض. كان الحجر الأسود بين كفيه ينبض بوزن ثقيل بشكل غير طبيعي، وكأنه يمتص كل الضوء المتبقي في الغرفة. بمجرد أن استقر الحجر في موضعه المخصص على الرمز، تصاعد خط نحيل من الدخان الأزرق وانبعثت حشرجة مكتومة من أعماق البلاط. تحركت الرموز المجاورة لتعيد ترتيب نفسها ببطء كأحجار شطرنج تحركها يد مرئية، بينما أخذ إلياس يتأمل الريشة البيضاء النيرة التي خالف خفتها الشديدة ثقل هذا الموقف المأساوي. ثم وضع الريشة البيضاء على رمز آخر... فصدر صوت خفيف كنسمة. بقي المفتاح. بحث... حتى وجد فجوة صغيرة في الجدار. أدخل المفتاح... لكنه لم يدر. "ليس هكذا..." نظر إلى الرموز... إلى المرآة... إلى ليرا... ثم أغمض عينيه. وأدار المفتاح ببطء.وفجأة... انفتح الجدار. لكن ما خلفه... لم يكن مخرجًا. كان المشهد نفسه. منزل... سيارة... ثلج... دماء... الطفلة... لكن هذه المرة... لم يكن وحده.كان هناك رجل... عريض المنكبين، طويل القامة، ذو لحية كثيفة. تمتم إلياس: "يبدو مثل سانتا كلوز..." لكن هيئته لم تكن تبعث على أي بهجة أو اطمئنان؛ كانت ثيابه الحمراء الداكنة مبقعة بطبقات من الطين الجاف والدم المتبلور، ولحيته الكثيفة البيضاء متسخة بالرماد. كانت عيناه الشاحبتان تشعان ببرودٍ قاتل خاليين من أي لمسة إنسانية، ويده الضخمة تقبض بقوة على ملعقة حديدية ثقيلة يقطر منها سائل أسود لزج. وقف الرجل كالجبل الأشم في منتصف المشهد المأساوي، ينظر نحو إلياس بنظرة تفحص باردة وكأنه يرى فيه جثة جديدة أضيفت لمجموعته. ثم فجأة سمع الصوت الأخرش: "دخولك لهذا المكان يعني عدم خروجك... استمتع بهذه الرؤية... آه، صحيح، ليس كل رؤية مجرد وهم... بعضها حقيقي، وبعضها من المستقبل." تردد صدى الجملة في رأسه. "بعضها حقيقي... وبعضها من المستقبل..." ارتبك: "هل هذه رؤياه؟ أم شيء سيحدث؟" وفجأة... شعر بجسد صغير يحتضنه. نظر... كانت الطفلة. "لماذا يا أبي؟... هل تكرهني؟... لماذا قتلتني؟!" تجمد مكانه. ملامحها بدأت تتغير... تتحول إلى شيء أشبه بالشبح. "ليرا... لا أجدها... وهذه الرؤية... وهذا الصوت... رأسي سينفجر..." سقط أرضًا... قبض على جمجمته بكلتا يديه محاولاً إيقاف الطنين المرعب الذي يدوي داخل رأسه، وكأن آلاف الإبر المحماة تغرس في تلافيف عقله. تداخلت صرخات الطفلة مع ضحكات الرجل الخشنة ومع همسات ليرا الغائبة، ليتشكل منها إعصار من أصوات متضاربة مزقت قدرته على التمييز بين ما هو واقع وما هو مجرد وهم مريض. غامت الرؤية تماماً أمام عينيه، وانهارت ركبتاه على الأرض الخشنة ليغرق في بئر عميق من العتمة والضياع. استيقظ فجأة. أنفاسه متقطعة. بدأ يربط الأحداث بسرعة... الرؤى... الطفلة... الرجل... ليرا... تجمد. "هل يعقل... أنها السبب؟" نهض ببطء. الصمت كان خانقًا. وفجأة... صوت خافت من الجدران: "ليس عليك الوثوق بأحد..." اتسعت عيناه. "الجميع هنا غايته واحدة... الخروج." تراجع للخلف واصطدم بالحائط. "من هناك؟!" لا جواب. فقط صمت... أثقل من قبل. ثم لمح شيئًا في زاوية الغرفة. ظلًا صغيرًا. تجمد. التفت ببطء... كانت الطفلة. كانت تقف على حافة الظلام المحيط بالزاوية، وثوبها الأبيض الصغير يتردد فوق الأرضية دون أن يصدر أي صوت. خطوط الشحوب على وجهها كانت تصنع ظلالاً مشوهة تحت النور الخافت للغرفة، وعيناها اللتان كانتا تفيضان بالدموع سابقاً استُبدلتا بجمودٍ أسود مخيف يمتص الضوء. لم تعد تلك الطفلة الخائفة التي تبحث عن أبيها وسط الثلوج، بل أصبحت كياناً واعياً بكل تفاصيل هذه اللعنة، كائناً يقف بين عالمين ليوجه إلياس نحو الحقيقة المريرة التي طالما هرب منها. لكن هذه المرة... مختلفة. ابتسامة باردة... بلا براءة. وقالت بهدوء: "لقد بدأت تفهم أخيرًا..."