الفصل الثاني_ ما خلف البوابة
القسم الأول_ همسات ما بعد اللعنة
فتح إلياس عينيه ببطء… لكن هذه المرة، لم يكن هناك ظلام. كان الضوء خافتًا، دافئًا… كضوء الفجر قبل أن تشرق الشمس. شعر بثقلٍ في جسده، لكنه لم يكن مقيدًا. حاول أن يتحرك، فوجد نفسه مستلقيًا على أرضٍ حجرية، محفورة برموزٍ غريبة تتوهج بلونٍ أزرق خفيف. جلس بصعوبة، وأنفاسه متقطعة… ثم لاحظ شيئًا غريبًا. الجرح في ذراعه… اختفى. "هذا مستحيل…" تمتم بصوتٍ خافت. مرر إلياس أصابعه فوق موضع الجرح الغائر الذي كان يمزق ذراعه منذ ساعات قليلة، لم يجد سوى جلدٍ ناعم خاليًا تمامًا من أي أثر للدم أو ندوب القتال. رفع كفه وأخذ يتأمل الرموز المتوهجة على الأرضية الحجرية من حوله؛ كانت تنبض بإيقاعٍ منتظم شبيه بنبضات قلب كائن حي يحاول التنفس تحت الأرض. استنشق الهواء الممتزج برائحة البخور القديم والغبار المعتق، ليشعر ببرودة غريبة تسري في عروقه وتتغلغل إلى أعماق صدره، وكأن المكان نفسه يحاول أن يهمس له بأسرارٍ دفينة لم يستوعبها عقله بعد. وفجأة— "ليس مستحيلًا… بل تأخر كثيرًا." التفت بسرعة. كانت ليرا… تقف خلفه، لكن هذه المرة… بلا قناع. ملامحها لم تكن مرعبة… بل حزينة. عيناها تحملان شيئًا أعمق من الخوف… كأنها تعرف نهايات لم تحدث بعد. قال إلياس بتوتر: "أين نحن؟" أجابت بهدوء: "بين اللعنة… وكسرها." تجمد في مكانه: "ماذا يعني ذلك؟" اقتربت خطوة، ثم همست: "يعني… أنك لم تعد مجرد مختار." وقبل أن يسأل— اهتزت الأرض تحتهم. تشققت الرموز، وانطفأ ضوؤها فجأة… وارتفع صوت قديم، قادم من كل الاتجاهات: "لقد بدأ… الفصل الحقيقي." نظرت ليرا إلى الأعلى بقلق لأول مرة، وقالت: "لقد وجدنا…" انشق كل شيء حولهما، وفي لحظة أصبحا في فراغ، وكأنهما في فضاء خارجي أو في شق من شقوق الزمن. ثم ظهر طيف تحيط به هالة حمراء مرعبة، خرج من بين خيوطها صوت يقول: "هنا تنتهي فصول الحكاية!" تعجب إلياس مما سمعه، أما ليرا فبدا عليها الخوف أكثر من التعجب، وكأنها تعلم مقصد هذا الطيف. وفجأة، ومن غير سابق إنذار، خرجت أقدام عملاقة من داخل هذه الهالة المرعبة، ثم بدأ باقي الجسد بالظهور. انصدم كل من إلياس وليرا مما رأياه، شيء عملاق لا يمت للأشياء ولا للكائنات التي يعرفانها بأي صلة. كان الجسد يترامي أمامهم ككتلة خرافية مزيج بين ظلال هائمة ومعدن صلب ينضح بالحرارة. لم تكن له ملامح بشرية على الإطلاق؛ بل كان يمتلك وجهًا أشبه بقناعٍ حجري مشقوق تتسرب من خلاله حمم حمراء ملتهبة، وعينين كفجوتين مظلمتين تطوف فيهما مجرات من الجمر المشتعل. الضغط الجوي حولهما ارتفع بشدة حتى شعر إلياس برأس يتفطر من ثقل الهالة، وكأن أجزاء من ذلك السواد الخارجي تمتص الأكسجين وتخنق نبرات الصوت قبل أن تخرج من حجرتهما. قال هذا الشيء وسط موجة الصمت المخيفة، وبصوته العالي المليء بالقوة والرعب: "ها قد التقينا أخيرًا يا إلياس…!" أطلق قهقهةً عالية جعلت كلاً من إلياس وليرا يتجمدان رعبًا. ظلا يحدقان في ذلك العملاق، إلى أن قال بسخرية: "أنت تعبث بلعنتي يا إلياس، وهذا ليس في صالحك أبدًا." جمع إلياس شتات نفسه وقال بقوة مصطنعة: "أنا هنا لكسر اللعنة، وإن كلفتني حياتي لن أتراجع." دهشت ليرا مما سمعته، وحدثت نفسها قائلة: "هل هو يهذي؟" نظرت ليرا نحو إلياس بوجوم، وشعرت أن الجرأة التي يتحدث بها ليست سوى قشرة هشة تغطي جبالاً من الخوف الرابض في أعماقه. كان الشرير ينظر إليهما كمن ينظر إلى حشرتين صغيرتين قابعتين في كفه، وأصوات احتكاك دروعه المظلمة تصدر صفيراً يشبه صرير أرواح تُعذب. قبض إلياس على كفيه بحرارة حتى بيضّت مفاعصله، محاولاً الصمود أمام هذا الكيان الخارقي الذي يجعل الهواء يتجمد حول صدره، متسائلاً إن كانت خطواته القادمة ستكون نهايته المحتومة أم أنها مجرد بداية للاختبار الأكبر. قطع حبل أفكارها تلك الضحكات العالية، وفجأةً— ضوء قوي انبعث من الفضاء. أغمض إلياس عينيه وهو يصرخ، وصرخت ليرا: "يا إلهي، ماذا يحدث؟!" وفجأة… وجدا نفسيهما في مكان غريب أشبه بصحراء. قام إلياس وهو يشعر بألم في عينيه وقال: "ليرا، أين أنتِ؟ الرؤية غير واضحة… مهلاً، هل سأصاب بالعمى؟" أراد أن يصرخ، لكن ليرا تدخلت سريعًا: "أنا هنا يا إلياس، سأساعدك، لا تقلق." أمسكت به وساعدته على الوقوف. قالت ليرا: "لنجد مخرجًا من هنا أولًا." قال إلياس: "حسنًا، لكن كيف سأسير وأنا لا أرى؟ هل سأصاب بالعمى؟" قالت ليرا: "لن تُصاب بالعمى، فقد دخل بعض التراب إلى عينيك. أظن أنه يجب أن نجد ماء حتى نغسل لك وجهك. هيا بنا نبحث عن مخرج وماء." بدأا في التحرك، وكانت ليرا تساعد إلياس على السير. تعثر وسقط كثيرًا، لكنه لم يتوقف. كانت الرياح المحملة بحبيبات الرمال الحارقة تضرب وجهيهما بلا رحمة. سار إلياس بخطوات متثاقلة وهو يحاول حماية عينيه الملتهبتين بكلتا يديه، بينما كانت ليرا تتمسك بذراعه بقوة تحميه من التردي في الكثبان المترامية. السكون المخيف يلف هذه الصحراء الشاسعة، فلا صوت يعلو فوق صفير الهواء واحتكاك أقدامهما بالحجارة المدببة التي كانت تدمي أحذيتهما. كان التعب يستنزف أنفاسهما، والعطش بدأ يجفف ألسنتهما ليصبح التراب والرماد طعماً دائماً في أفواههما، لكن الرغبة في النجاة هي التي كانت تدفعهما للتقدم وسط هذا الجحيم الذهبي. وفجأة صرخت ليرا: "إلياس! انظر، إنه كوخ صغير! هيا نذهب، ربما نجد من ينقذنا وبعض الماء." سارا نحو ذلك الكوخ، وعندما وصلا وجدوا الباب مفتوحًا، فدخلا. كان الكوخ مليئًا بالأتربة، ويبدو أنه مهجور منذ زمن. جلسا فيه ريثما تنتهي العاصفة التي استمرت لساعات طويلة. جدران الكوخ المتآكلة كانت تئن تحت ضربات العاصفة الرملية، وكأن الخشب الجاف يستغيث من قسوة الرياح. جلس إلياس في الزاوية مسنداً رأسه للوراء، يغمض عينيه المحترقتين ويمسح أطراف وجهه بكم قميصه، محاولاً التغلب على الدوار الذي ألمّ به. كانت ليرا تراقب الثقوب الصغيرة في السقف المتهالك، وتصغي باهتمام للأصوات الغريبة التي تجلبها العواصف. همهمات خافته وأصداء احتكاك تنبعث من العمق الصحراوي وكأن اللعنة لم تترك مكانًا في هذا العالم إلا وألقت عليه بظلالها الخبيثة. وعندما توقفت، خرجت ليرا لتبحث عن أي مصدر مائي ليغسلوا وجوههم من آثار الرمال، فاكتشفت بئرًا على مسافة قريبة من الكوخ، فعادت وأخذت إلياس معها. اغتسلا، ثم قررا أن يجولا في المكان ليبحثا عن أي إشارة تقودهما للخروج، على أن يعودا للكوخ عند غياب الشمس. سارا لمدة طويلة حتى أنهكا، لكن دون جدوى… لا يوجد سوى الرمال من كل جانب. فعادا إلى الكوخ متعبين ويائسين. كلما قطعا مسافة في اتجاه، بدت الأفق كأنها تعيد رسم نفسها بشكلٍ متطابق، وكأنهما يتحركان داخل حلقة مفرغة لا بداية لها ولا نهاية. الشمس بدأت تميل إلى الغروب، ملقيةً بظلال حمراء داكنة على الكثبان الحادة، مما جعل الصحراء تبدو وكأنها مسكوبة بالدماء. استبد اليأس بقلب إلياس وهو يشعر أن الطاقة تتسرب من جسده تدريجياً، فحتى مع العثور على البئر وغسل عينيه، فإن المدى المفتوح لم يقدم لهما أي أمل في العودة إلى العالم الحقيقي. دخلت ليرا إلى الكوخ، وتبعها إلياس. كان الصمت مهيمناً عليهما من شدة الإنهاك. وفي وسط هذا الهدوء، انتبه إلياس إلى صوت خطوات ليرا… كان مختلفًا في مكان معين، وكأنها لم تدس على خشب الكوخ نفسه. طلب منها أن تعود بخطواتها إلى الوراء، فانتبهت هي أيضًا أن الصوت مختلف. بدأا بإزاحة الأتربة والرمال المتراكمة على الأرضية، حتى تبينت لهما بوابة صغيرة معدنية. استخدمت ليرا قوتها لفتحها، فظهر سلم معدني صغير. نزلا منه… ليظهر سرداب طويل مظلم. سرت في المكان رطوبة عفنة واختنق الهواء برائحة العفن المترسب عبر عقود طويلة. كانت الجدران الحجرية للسرداب مبنية ببلاطات سوداء ضخمة غير منتظمة، وكأن من بناها لم يكن يرغب في أن يطأ هذا المكان إنسان عادي. وقف إلياس عند أول درج معدني محاولاً استكشاف الظلام الذي يبدو ككتلة صلبة تلتهم كل ضوء، بينما كانت درجات السلم تصدر صريراً مأساوياً يتردد صداه داخل الجدران الضيقة، محذرة إياهما من الخطوة القادمة. تمتمت ليرا بطلاسم لم يفهمها إلياس، ثم اشتعلت في يدها شعلة لتنير طريقهما. وقبل أن يبدأا، قال إلياس: "أشعر أن هذه خطوتنا الأولى لفك اللعنة." نزلوا درجات السلم بحذر، وكل خطوة كانت تصدر صدى غريب، كأنه ليس صدى أصواتهم… بل صدى شيء آخر يتحرك معهم. كان الهواء ثقيلاً، بارداً بشكل غير طبيعي، وكأن هذا المكان لم يُفتح منذ قرون. فجأة توقفت ليرا، ورفعت الشعلة قليلاً… لتظهر على الجدران نقوش تشبه تلك التي رآها إلياس في البداية، لكن هذه المرة كانت مكسورة… ومشوّهة. ابتلع إلياس ريقه وقال بصوت خافت: "هذه ليست رموز حماية… هذه رموز حبس." اقترب إلياس أكثر من الجدار الخشن، ومد يده ببطء ليمسح بإبهامه على تلك النقوش الغائرة. كانت الخطوط المكسورة تتوهج بلحظات خاطفة ثم تنطفئ، كأنها تحاكي أنفاس سجين يحتضر خلف السطور. شعر برعشة باردة تنطلق من أطراف أصابعه وتسري في كامل ذراعه حتى كتفه. تلك النقوش لم تكن فقط طلاسم سحرية؛ بل كانت تجسيداً لقيود أثيرية صُنعت خصيصاً لشل حركة شيء يتجاوز قدرة البشر على الاستيعاب، شيء محبوس هنا منذ زمن لا تصله أوراق التاريخ. نظرت إليه ليرا ببطء، وقبل أن تتكلم… دوّى نفس الصوت القديم من أعماق السرداب: "أحسنتم… لقد اقتربتم من الباب الذي لا يجب أن يُفتح." تجمّد الدم في عروق إلياس، لكنه لم يتراجع… بل تقدم خطوة إلى الأمام. قال بصوت منخفض: "إن كان بابًا… فلا بد أن هناك من أغلقه لسبب." ابتسمت ليرا ابتسامة خفيفة، لكنها لم تكن مطمئنة، وقالت: "أو ربما… لئلا يخرج ما في داخله." وفجأة… اهتزت الشعلة في يدها بعنف، ثم انطفأت فجأة… وغرق المكان في ظلام كامل. في تلك اللحظة، لم يسمع إلياس سوى أنفاس ليست لإنسان… قريبة جدًا… أقرب مما ينبغي. ثم… همسة باردة عند أذنه مباشرة: "لقد تأخرت كثيرًا يا حامل العلامة…" تجمدت الدماء في أوصال إلياس، وشعر ببرودة الأنفاس التي لامست جلد رقبته وكأنها صفيح ثلجي. لم تكن مجرد همسة عادية، بل كانت نبرة تحمل في طياتها صدى آلاف الأصوات المعتصرة يأسًا. تحركت ظلال غريبة على جدران السرداب المظلم وتراقصت برعب رغم انطفاء الشعلة، وكأن الظلام نفسه صار يتشكل في هيئة أطياف زاحفة تحيط بهما من كل حدب وصوب، تنتظر الإشارة فقط للانقضاض. تجمّد إلياس في مكانه، وقلبه يخفق بعنف. تردد للحظة، ثم استدار بسرعة يبحث عن مصدر الصوت، لكن لم يكن هناك أحد. قال بصوت متوتر: "ليرا… هل سمعتِ ذلك؟" أطلقت ليرا تنهيدة طويلة، وكأنها كانت تتوقع كل شيء، ثم قالت بهدوء غريب: "نعم… وكنت أعلم أنه سيتحدث إليك أنت." التفت إليها ببطء: "ماذا تقصدين؟" نظرت إليه نظرة عميقة، وقالت: "الآن انتهى دوري." صمتت لحظة، ثم أضافت بصوت منخفض: "كل ما حدث كان يقودك إلى هنا… أنت الموعود، وهذا الباب لن يُفتح إلا بك." ارتجف المكان فجأة، وكأن شيئًا خلف الجدار بدأ يستيقظ. ثم قالت: "إما أن تخرج… أو تبقى هنا إلى الأبد."