القسم الخامس_ أصل اللعنة
وفجأة… دارت الغرفة بهم، وكأنها دوامة تبتلع كل شيء. اختفى المكان، واختلطت الأصوات، ولم يعد إلياس قادرًا على التمييز بين الواقع والوهم. وعندما توقفت… كانت الصدمة أكبر من كل ما سبق. تحول المكان من غرفة مظلمة إلى قاعة واسعة، جدرانها مزخرفة بالذهب، وسقفها مليء بثريات تتدلى بضوءٍ ذهبي خافت. كانت القاعة تبدو وكأنها مجتزأة من قصر ملكي غابر طواه النسيان. الزخارف الذهبية على الجدران لم تكن مجرد نقوش هندسية، بل كانت تتشكل في صورة أسراب من التنانين والأراقم الملتفة حول بعضها، وتنبعث منها أطياف ضوئية دافئة تناقض البرودة القاتلة التي سكنت أطراف إلياس. السقف الشاهق كانت تتوسطه بلورات كريستالية ضخمة في الثريات المتدلية، تعكس الأضواء على الرخام المصقول تحت قدميه كأنه يرقد على سطح بحيرة مذهبة. لكن هذا البذخ لم يجلب لإلياس الأمان؛ بل كان يشبه القفص الذهبي المزين لإغواء الضحايا قبل الذبح. وحين اهتز الباب الخشبي العتيق وزأرت مفصلاته الصدئة، خرجت الفتاة الملتفة بالعباءة السوداء كالظل المتنقل. القناع الفضي الناصع الذي يغطي وجهها كانت تعلوه نقوش دقيقة تحاكي الملامح البشرية، لكنه كان خالياً من العيون؛ بل كانت تستشف طريقها بنوع من البصيرة الغامضة. كان صوتها ينساب عبر الذهب والمرايا ناعماً كحفيف الحرير، لكنه يحمل نبرة تحذيرية ثقيلة تجعل العظام ترتجف تحت الجلد. بقي إلياس جالسًا على الأرض، يحاول استيعاب ما يحدث، والأسئلة تتزاحم في رأسه: "ما هذا المكان؟ أين أنا؟ ومن ذلك الكائن؟" وفي تلك اللحظة… انفتح باب القاعة ببطء. صدر صوت احتكاك ثقيل، كأن الباب لم يُفتح منذ زمنٍ طويل. تجمد إلياس في مكانه، ورفع نظره نحو الباب. دخلت فتاة… كانت ترتدي عباءة سوداء طويلة، وعلى وجهها قناع فضي يخفي ملامحها. توقفت عند المدخل للحظة، ثم قالت بصوتٍ هادئ لكنه غريب: "إذن… لقد وصل أخيرًا." نظر إليها إلياس بدهشة، وقال بصوتٍ متعب: "من أنتِ؟" تقدمت نحوه ببطء، وخطواتها بالكاد تُسمع. ثم وقفت أمامه وقالت: "اسمي… ليرا." سكتت لحظة، ثم أضافت: "وأنا الوحيدة التي تستطيع إخراجك من هنا… إن لم يسبقني هو." تسارعت نبضات قلب إلياس: "من هو؟" لكن قبل أن تجيب… اهتزت القاعة فجأة. وانطفأت بعض الثريات.وارتفع صوت ضحكة عميقة في المكان… نفس الصوت الذي سمعه من قبل. ابتسمت ليرا ابتسامة خفيفة خلف القناع، وقالت: "يبدو أننا تأخرنا…" ثم نظرت إليه مباشرة: "استعد… لأنك الآن داخل لعبته." وفجأة… اختفى كل شيء. وفي لحظة واحدة، وجد إلياس نفسه في زنزانة ضيقة. بجانبه… كان ذلك العملاق الأسود. اقترب منه وهمس بصوتٍ عميق يبعث الرعب في النفس: "لقد بدأت لعبتنا." وبسرعة خاطفة، التقط خنجرًا صغيرًا من الأرض، وغرسه في ساعد إلياس. صرخ إلياس صرخة مزّقت صمت المكان، وسقط أرضًا، بينما الدماء تنساب منه حتى تشكّلت بركة صغيرة. نظر العملاق إلى الدماء بصمت… ثم أخرج قارورة صغيرة تحتوي على سائلٍ لزج، وسكبه فوق الدماء، وبدأ يتمتم بتعاويذ غريبة. ارتجف الهواء… وانفتحت بوابة جديدة. التقت قطرات السائل اللزج بقدم الدماء على بلاط الزنزانة البارد. فاصطدمت المادتان ببعضهما مطلقين طقطقة حادة ودخاناً بنفسجياً ثقيلاً يتصاعد في اتجاه سقف الزنزانة. التعاويذ التي نطق بها العملاق لم تكن كلمات منطوقة بالحبال الصوتية الطبيعية، بل كانت زئيراً جهورياً خفيضاً يرتج له صدر إلياس ويهتز له قلبه داخل القفص الصدري. مع كل حرف يخرج من فم العملاق، كانت البقعة الدموية تتسع وتتحول إلى شق دائري ملتهب بنيران لا تحرق، بل تمتص الضوء والحرارة من الغرفة. بدأ البلاط حولهما يذوب كالشمع، ورأى إلياس عبر تلك الدوامة الدموية أطيافاً لمشاهد تاريخية تمر بسرعة خاطفة: منازل تُبنى وتتهدم، وأجيال تتداخل، وأشجار تنمو وتتآكل. شعر بدوار يقتلع عقله من جمجمته، بينما كان العملاق يمد يده الضخمة القاسية فوق ساعده المدمى. لتلتئم الجراح تحت أصابعه بلمسة سحرية دافئة، مخلفة نسيجاً جلدياً متصلباً، قبل أن يجره بقوة من يده ليعبرا سوياً حاجز الزمن عبر تلك الفجوة. ثم اقترب من إلياس، وألقى عليه تعويذة أخرى، فأغلق الجرح، واستعاد وعيه. أمسك به، ودخلا معًا إلى البوابة. لكن عندما وصلا… تجمد إلياس في مكانه. كان في المقبرة… لكنها لم تكن كما يعرفها. لم يكن هناك سوى قبر واحد. والمكان خالٍ تمامًا. قال العملاق من خلفه: "هذه المقبرة… قبل مئة عام." ساد الصمت. غرق إلياس في أفكاره، والتساؤلات تهاجمه: "لماذا أعادني إلى الماضي؟ ما الذي يريده مني؟ اقترب إلياس من القبر، وبدأ يدور حوله متفحصًا، وكأنه يبحث عن إجابة. قال له العملاق بصوتٍ مختلف هذه المرة: "اسمع يا إلياس… بما أنك هنا، ولن تعود بسهولة… سأخبرك بقصتي." سكت لحظة، ثم تابع: "في زمنٍ بعيد… كنت أعيش مع عائلتي في ذلك المنزل الذي دخلته… بعد موت والدي… طردنا جدي من المنزل… أنا… وأمي… وأختي." خفض صوته قليلًا: "ماتت أمي حزنًا… وبقينا أنا وأختي وحدنا. كبرت… وكان الانتقام يشتعل داخلي." تغيرت نبرة العملاق الأسود كلياً وهو يقف أمام القبر الوحيد وسط المقبرة القديمة؛ تلاشت هيمنته الشيطانية المفزعة ليوارَي خلفها صوت شاب كسير يحمل جراح قرن كامل من الألم. انحنى بجسده الشاهق وركث على ركبة واحدة فوق التراب الندي، وأصابعه الضخمة المسنونة تلمس الشاهد الحجري برقة متناهية لا تتناسب مع ضخامة بنيته. كانت الرياح الخفيفة تعزف بين الأشجار القليلة المحيطة بالمكان ألحاناً تشبه العويل. تابع صوته متكسراً: "لم نكن نسعى لملوكية ولا لسحر أسود يا إلياس... كل ما أردناه هو مأوى يقينا زمهرير الشتاء بعد ورحيل أبي. لكن الجشع طمس قلب الجد، فرآنا طفيليات تنازعه ملكه. حين دخلت أختي ذلك البيت، كانت تحمل وردة بيضاء ورسالة استرحام... لكنها عادت إليّ في كفن من الظلام!" أغمض إلياس عينيه وتخيل تلك اللحظة القاسية، وشعر بقشعريرة باردة تخترق ظهره حين نطق العملاق باسم "فيديل". اكتملت أجزاء اللوحة في عقله كصاعقة: الفتاة السابحة في عالم الموتى، المقبرة العتيقة، واللعنة التي تكبل هذه السلالة... كل شيء كان ينبعث من هذه الجريمة العائلية الأولى. أكمل العملاق حديثه: "لكن أختي سبقتني…" نظر إلى القبر… "طلبت أن نزور المنزل… لعل قلبه يلين." "دخلت… ولم تخرج." تجمد إلياس وسأله بصوتٍ خافت: "ماذا حدث لها؟" أجاب العملاق ببرود: "قتلها… ودفنها أمام المنزل." ارتجف صوت إلياس: "وأنت؟" قال العملاق: "قتلني… ولم يقتلني." تراجع إلياس خطوة: "كيف؟" قال العملاق: "جسدي مدفون هناك… لكن روحي بقيت." "ومنها وُلدت لعنتي…" سكت لحظة، ثم قال: "لعنة لا تنتهي." ابتلع إلياس ريقه بصعوبة، ثم سأل: "ما اسم أختك؟" نظر العملاق إليه مباشرة… وقال: "فيديل." تجمد إلياس في مكانه. شعر أن كل شيء بدأ يترابط… بطريقة مرعبة. وقف صامتًا، والكلمات أثقلت صدره. لكن رغم الخوف… رفع رأسه وقال بحزم: "كيف أستطيع مساعدتك… ومساعدة الجميع؟" نظر إليه العملاق بعمق: "هل أنت متأكد… بعد كل ما عرفته؟" تردد إلياس للحظة… ثم قال: "نعم… وإلا سأبقى هنا مثلهم." للمرة الأولى… ظهرت في عيني العملاق لمحة أمل. قال بصوتٍ منخفض: "أملنا… كله معك." اقترب إلياس خطوة: "ما القواعد؟ كيف أعود؟" ابتسم العملاق ابتسامة غامضة، وقال: "المقبرة… سترشدك." "كما كُتب في الكتاب القديم." وفجأة… هبّت ريح باردة. وكأن المكان كله… ينتظر الخطوة القادمة. كانت الريح المحملة برائحة الورق المحترق والتراب القديم تتلوى حول أقدامهما كحية تستيقظ من سبات عميق. التفت إلياس نحو أفق المقبرة الخالية، فرأى ضباباً أبيض يلتف ببطء حول القبر الوحيد. بينما بدأت نقش الحروف على الشاهد تلمع بضوء أزرق خافت. لم يعد إلياس ذلك الخائف المتردد الذي وطأت قدمه سفح الجبل في البداية؛ بل زرع الشحوب والوعي في قلبه إصراراً جديداً على إنهاء هذا الكابوس. شعر بأن الأرواح العالقة في الأبعاد المظلمة تتطلع إليه عبر الفراغ، منتظرة خلاصاً وُعدت به منذ عقود. خيم صمت مهيب على المكان، صمت لا يعبر عن الموت، بل عن الاستعداد للمعركة الكبرى التي ستتفتح أبوابها لأسئلة كثيرة. وقف إلياس يلمس الشاهد الحجري بيده المرتجفة، يشعر بحرارة خفية تنبض في عروق الرخام البارد كأن القبر يهمس له بالوعد الأخير. لم تكن هذه النهاية سوى الستار الذي يُسدل على الخوف القديم، ليفسح المجال لحقيقة أشد هولاً تنتظره خلف أطياف الضباب. نظر إلى عينَي العملاق بعزمٍ جديد، مقسماً في سرّه ألا يعود أدراجه حتى يكسر أغلال هذه اللعنة ويحرر جميع الأرواح المحتجزة. وفي تلك اللحظة القاتمة، اتسعت حدقة المجهول لتعلن بداية الفصل التالي من الرحلة.
...ختام الفصل الأول...