القسم الرابع_ ماوراء البوابة
تردد إلياس للحظة وهو ينظر إلى البوابة التي بدأت تبتلع الضوء من حولها… كان يشعر أن شيئًا ما هناك يراقبه. قال بصوتٍ خافت: "ماذا لو لم تكن هذه بوابة للعودة… بل فخًا آخر؟" لكن قبل أن يحصل على إجابة… خرجت من داخل الدوامة يد سوداء طويلة، كأنها تبحث عن شيء… أو عن شخص. وتوقفت فجأة أمامه… كأنها تعرفه.وفي لحظة خاطفة، أمسكت به تلك اليد بقوة، وسحبته إلى داخل البوابة. لم تكن أصابع تلك اليد المظلمة مجرد عظام أو جلد، بل كانت أشبه بأشواك حديدية مشتعلة بالبرودة القارسة. غرزت مخالبها في كتف إلياس برحمة معدومة، ليطلق صرخة مكتومة خنقتها الرياح العاتية المنبعثة من قلب الدوامة. تم سحبه بسرعة مرعبة تتجاوز القدرة على الاستيعاب البشري؛ فشعر بأن أضلاعه تحتكّ بأبعاد غير مرئية وأن حواسه تُفصل عن جسده. كانت الألوان من حوله تتداخل في مزيج مضطرب من السواد والبنفسجي، كأن السمان تتكسر إلى شظايا زجاجية طافية. رأى أطيافاً لآلاف العيون المظلمة التي ترمش في الفراغ وتهمس باسمه بنبرات ساخرة. كان الهواء داخل البوابة معدوماً، وكأن كل نفس يحاول سحبه يتكثف في حنجرته كرماد ساخن. تحول المدى حوله إلى دوامة هائلة تطحنه وتلقي به في سحيق بلا قاع، حتى طار عقله من شدة الوهج الأبيض الذي انبثق فجأة في نهاية النفق، وشعر بجسده يرتطم بسطح صلب أفقده الوعي في الحال. انغلقت الدوامة فور دخوله، وعاد الظلام ليبتلع المكان من جديد. بقي سكان المقبرة واقفين، متشبثين بالأمل… الأمل في أن يكون إلياس هو طريق خلاصهم. أما إلياس… فقد شعر بوهجٍ ساطع يكاد يعمي عينيه. تخبط داخل البوابة، وكأن إعصارًا كان يقذفه من اتجاهٍ إلى آخر… حتى سقط أرضًا بعنف. فقد وعيه. مرّت ساعات… أو ربما أيام. لا أحد يعلم. الاستفاقة لم تكن خلاصاً، بل كانت انتقالاً إلى نوع جديد من الألم. افتتح جفنيه بثقل شديد، وكأن جبلين من التراب يستقران على حدقتيه. حاول أن يحرك ذراعه الأيمن، فارتطم بحلقة حديدية سميكة انطلقت منها رنّة معدنية حادة طنّت في أذنيه المجهدتين. كانت الأصفاد ملفوفة حول معصميه بقسوة؛ الحديد الصدئ يضغط على لحمه الحي حتى أدمى جلد يديه. أمال رأسه بحذر نحو الأسفل ليجد السلسلة الضخمة تمتد كحفرة سوداء صلبة متصلة بجدار حجري ينضح برطوبة لزجة ورائحة عفن قديم تشبه رطوبة الأقبية المغلقة منذ قرون. كانت الشمعة الشاحبة القابعة في الزاوية تتراقص فتيلتها باضطراب، ترسم على الجدران العارية ظلالاً مشوهة تتحرك كلما تنفس. شعر بالخوف يسري في أوردته كسم بطيء؛ فالمكان ليس مجرد سجن، بل زنزانة طقوس معدة خصيصاً لإلغاء إرادته وجعله قرباناً جاهزاً. وعندما استيقظ… وجد نفسه مكبّلًا بأصفادٍ حديدية، متصلة بسلسلة مثبتة في الجدار. حاول أن يرفع رأسه، لكنه شعر بثقلٍ هائل، كأن العالم كله جاثم فوق جسده. نظر حوله… كانت غرفة صغيرة، بلا نوافذ. وفي زاوية الأرض، شمعة ضعيفة بالكاد تضيء المكان. وفجأة… سُمع صوت باب يُفتح. ثبت إلياس نظره نحو الباب، وقلبه ينبض بقوة. دخل رجل ببطء… كان الجد الأكبر. قال دون أي مقدمات، وبصوتٍ حاسم: "ليس لدينا وقت للشرح… سنبدأ الطقوس حالًا." اقترب منه ببطء، وفي يده خنجر حاد. رفع الخنجر فوق يد إلياس، وقال ببرود: "سامحني… لكن الطقوس تحتاج إلى دمك." كانت نصل الخنجر يلمع ببريق فضي بارد تحت ضوء الشمعة الضئيل، وعلى شفرته نقوش محفورة بلغة قديمة تتوهج بضوء أحمر خافت كلما اقترب من شريان إلياس. التقت عينا إلياس بعيني الجد الأكبر؛ لم يجد فيهما غضباً ولا كراهية، بل وجد حسرة عتيقة ونظرة باردة شبيهة بنظرة الجراح الذي يستأصل عضواً ليتقي شراً أكبر. حاول إلياس المقاومة، وشدّ السلاسل بجنون جعل الحديد يصرخ صريخاً حاداً، وصرخ بصوت مبحوح: "لماذا تقتلونني؟! ما الجريمة التي ارتكبتها لتدفعوا بي إلى هذا الجحيم؟!". أغمض الجد الأكبر عينيه للحظة خفيفة، ثم قال بنبرة مشبعة بالأسى الممزوج بالصرامة: "دماؤك ليست للقتل يا بني... بل هي الثمن الوحيد لإغلاق الثقب الذي فتحته السلالة. دمك هو القفل، والخنجر هو المفتاح! لو لم نسفك هذه القطرات الآن، فإن العالم الخارجي بأكمله سيغرق في ظلمات لن تستطيع الشموس محوها!". وقبل أن تتجه حدة النصل لنغز الجلد المرتجف... وقبل أن يلامس الخنجر جلده… اهتزت السلاسل فجأة بعنف. تجمد الجد الأكبر في مكانه. لأن الصوت الذي تردد بعدها… لم يكن صوت إلياس. كان صوتًا عميقًا… مخيفًا… خرج من الظلام نفسه: "تأخرتم كثيرًا… كنت بانتظاركم." انطفأت الشمعة فجأة. وغرق المكان في ظلامٍ دامس. ثم عاد الصوت، أكثر وضوحًا… وأكثر رعبًا: "لقد حان وقت… الانتقام." همس الجد الأكبر بصوتٍ مرتجف: "إنه… الشيء." تراجع خطوة إلى الخلف، وعيناه ممتلئتان بالخوف. لم يكن الظلام الذي حلّ بعد انطفاء الشمعة مجرد غياب للضوء، بل كان ظلاماً له ثقل وفيزياء خاصة. تشكّلت في الهواء برودة مفاجئة جعلت أنفاس الجد الأكبر وإلياس تتكثف كغيمة بيضاء مرئية في العتمة. بدأت جدران الغرفة الضيقة تخرج منها أصوات احتكاك ودبيب خفي، كأن آلاف الحشرات العظمية تسحف على الرخام. الصوت الذي نطق بكلمة "الانتقام" لم يخرج من مكان واحد، بل كان يتذبذب بين زوايا الغرفة، ينخفض ليصبح كهمس أفعى قريبة من الأذن، ثم يرتفع ليزأر كصاعقة تضرب في سقف مغلق. شعر إلياس بضغط هائل يتشكل فوق صدره، وكأن الهواء المحيط به تحول إلى زئبق ثقيل يمنعه من توسيع رئتيه. رأى في الظلام عينين وهميتين تتشكلان وتتلاشيان، تجعلان العقل يشك في استقراره، بينما كانت السلسلة الحديدية المكبل بها تنبض بحرارة مفاجئة تكاد تحرق معصميه. أما إلياس… فبقي مشلولًا في مكانه، لا يستطيع الحراك. قال في نفسه: "يا إلهي… هل هذه نهايتي؟" وفجأة… ارتفع صراخٌ مرعب من أعماق الظلام. اهتز المكان بعنف، كأن زلزالًا يضربه. تشققت الأرض… ثم انشقت فجأة. الشق الذي انفتحت عنه الأرض لم يكن مجرد تصدع حجري، بل كان ثغرة ينبعث منها ضوء أرجواني دنيء ورائحة كبريت حاد يخنق العادة البشرية. خرجت من ذلك الشق أذرع طيفية سوداء تشبه جذور أشجار محترقة، ملتفة حول ساقي الجد الأكبر بقسوة متناهية. صرخ الشيخ صرخة مدوية اختلطت فيها استغاثة الدم بمرارة الندم القديم، ومسك بأطراف الجدار الحجري يحاول التشبث بالحياة، لكن القوة الساحبة كانت أعتى من قدرته الفانية. بدأت حجارة الجدار تتفتت تحت أصابعه المرتجفة. وفي ثوانٍ معدودة، جُرّ جسده إلى الأسفل نحو المجهول، ليغلق الشق الحجري على نفسه فوراً معيداً الأرضية صلبة وملساء، وكأن سيناريو الاختطاف لم يكن سوى وهمٍ مريض، لولا رائحة الكبريت التي بقيت معلقة في أرجاء الغرفة. وفي لحظة خاطفة… ابتلعت الأرض الجد الأكبر. اختفى… وكأنه لم يكن موجودًا أصلًا. من شدة الصدمة… فقد إلياس وعيه مرة أخرى. وعندما استيقظ… لم يكن في الغرفة. لم يكن في المقبرة. لم يكن في أي مكانٍ عرفه من قبل. كان ممددًا على أرضٍ مظلمة… وأمامه… جلس عملاق أسود، بعيون حمراء متوهجة، وقرون كقرون الثور. الأفق في هذا العالم الجديد لم يكن يحتوي على سماء أو غيوم، بل كان عبارة عن قبة متسعة من السواد الأبدي المحشور بنجوم ميتة لا تضيء. السطح الذي يستلقي عليه إلياس كان يتكون من بلاط أسود مصقول ينعكس عليه الوهج الأحمر الصادر من عيني العملاق. في الخلفية، كانت تتراءى ظلال لأعمدة ضخمة منحتوتة على شكل أجساد بشرية ميكانيكية متداخلة، تدعم سقوفاً غير مرئية ينبعث منها صدى أنين خافت لا يتوقف. العرش نفسه لم يكن يستقر على الأرض مباشرة، بل كان مرفوعاً على مدرجات سفلية محفورة فيها قنوات صغيرة تجري فيها سوائل متوهجة تشبه حمماً بركانية باردة. كان الكائن يضع إحدى يديه الضخمتين على مقبض العرش المزين بجمجمة كائن غير معروف، والأخرى متكئة على ركبته الشاهقة، يبعث من حضوره هيبة شيطانية تجبر المكان بأكمله على الخضوع والرهبة. كان جالسًا على عرشٍ ضخم، ينظر إليه بابتسامة مرعبة… وخبيثة. لم يستطع إلياس الحركة. لم يستطع حتى التنفس بشكل طبيعي. قال ذلك الكائن بصوتٍ عميق، يهز المكان: "إليااااس…" ثم ابتسم أكثر… " أخيرًا… أهلًا بك في عالمي." لم يكن العرش صخراً أو خشباً، بل كان صرحاً عظيماً منحوتاً من جمجمة كائن أسطوري سحيق، تعلوه نقوش سوداء تنبعث منها نيران حمراء لا تُصدر دخاناً. أما العملاق الجالس عليه، فكان جسده الشاهق يمتد كجبل من الظلال المكتفة والصلبة، جلده أشبه بحراشف من الفحم المحترق التي تنبض بحرارة كبريتية خفيفة. القرنان الملتويان فوق رأسه كانا يشقان ظلام السقف الممتد بلا نهاية، كأنهما تاج من الفزع الأبدي. عيناه التفتتا نحو إلياس بثبات مرعب؛ حدقتان متوهجتان كجمرتين ملتهبتين في قاع بئر مظلم. الصدى الناتج عن صوته لم يكتفِ بهز الأرض تحت جسد إلياس الملقى بلا حراك، بل اخترق جمجمته واهتزت له أعصابه الداخلية، كأن الكائن يتحدث من داخل وعيه مباشرة. ابتسامته الخبيثة كانت تكشف عن صفوف من الأسنان الحادة كالخناجر، ويداه الضخمتان المستقرتان على حافتي العرش كانتا تضغطان ببسالة… معلنتين أن الرحلة السابقة لم تكن سوى البداية، وأن السجن الحقيقي للروح قد بدأ للتو في هذا العالم السحيق.