القسم الثالث_ سر المختار
نظر إلياس حوله ببطء، محاولًا استيعاب ما حدث. كان المكان خاليًا تمامًا… وكأن حامل القلادة لم يكن موجودًا أصلًا. وقف إلياس مذهولًا، يداه اللتان امتدتا لتقديم أثمن ما يملك تنقبضان على الهواء البارد الفارغ. لم يكن هناك أثر لحوافر أو أقدام، ولا حتى الشق المظلم الذي انشق منه الكائن. المكان الذي كان يقف فيه حامل القلادة تحول إلى بقعة زلقة من الرماد البارد ينبعث منها دخان أزرق لا يتصاعد للأعلى، بل يتمدد أفقيًا كحيات صغيرة تزحف بين وشاح الشواهد المتصدعة. كانت الرائحة التي تركها خلفه تشبه رائحة البرق حين يضرب شجرة قديمة فتتفحم من الداخل قبل أن تلمسها النار. التفت إلياس يميناً ويساراً، يحاول أن يمسك بطيف أو ظل، لكن الظلام من حوله كان قد أطبق مجددًا، كأنه مادة صلبة يُضغط بها على صدره. تخشب لسانه في حلقه، وأحسّ أن الهواء الذي يستنشقه لم يعد أكسجينًا، بل صار ركامًا ناعمًا ينزل في حنجرته كالمقصلة. كان الفراغ مفزِعاً أكثر من وجود الوحش ذاته؛ لأن الوحش يمنحك عدواً تراه وتخشاه، أما هذا الاختفاء المفاجئ فكان يعني أن اللعبة أكبر من مجرد صفقة، وأن القواعد يتم مسحها وإعادة كتابتها في خفاء. ساد صمت ثقيل داخل المقبرة. وفجأة سمع صوت فيديل خلفه: "إلياس… لقد ذهب. لكن الوقت يمر بسرعة. هل قررت؟" التفت إليها ببطء، ورأى في عينيها أملًا خافتًا يكاد ينطفئ. قال بصوتٍ مرتجف: "وماذا لو لم أجد طريقة للعودة؟" مدّت فيديل يدها وأمسكت بيده بلطف، ثم قالت: "الخيار بيدك… لكن تذكر، الوقت ينفد." صمتت لحظة، ثم أضافت وكأنها تذكرت شيئًا مهمًا: "هناك أمل صغير… قد نجده عند صديقه ستيفن." رفع إلياس رأسه بسرعة: "إذن دعينا نذهب إليه." سارا معًا داخل المقبرة، متجهين نحو أعمق نقطة فيها. كان الظلام يزداد كثافة كلما تقدما، والهواء يصبح أثقل مع كل خطوة. حتى وصلا إلى مكانٍ مظلمٍ بعيد… كلما غاصا في جوف المقبرة، كانت القبور تزداد قدمًا وبشاعة. لم تعد الشواهد أحجارًا منحوتة بأسماء، بل تحولت إلى أنصاب كلسية مشوهة تنمو عليها طحالب فسفورية خضراء تنبض ببطء، كأنها أوردة تنبض في جدار المقبرة الحي. كان البلاط تحت أقدامهما يلين تدريجياً، حتى صار يشبه السير على أرضية سبخة ملطخة بدم متخثر. الصوت الوحيد الذي كان يكسر هذا الموات هو صرير عظام إلياس المرتجفة تحت وطأة البرد القارس الذي يسري في أطرافه. وفجأة، بدأت تتراءى لهما ظلال لم تكن مستقرة؛ كانت تطفو بجانب جدران المقابر كأنها أطياف ذكريات ميتة تحاول التعلق بملابسهما. في نهاية الممر الضيق، حيث تلاقت أربعة أنفاق حجريّة متآكلة، انتصبت ساطعة تلك الهيئة المنهكة. كان ستيفن يقف وسط بقايا مذبح حجري قديم، يرتدي عباءة طويلة امتصت من الزمان سوادها وأصبحت بلون التراب. كان جسده منحنياً كأنه يحمل أوزار المقبرة بأكملها على كاهليه النحيلين، وعروق يديه البارزتان كانت تتأرجح بضوء أزرق خافت كلما تحركت أصابعه الطويلة الشبيهة بأغصان حطب يابسة. عيناه لم تكونا تحتويا على قزحية ملونة، بل كانتا بياضاً خالصاً كالصفحة الفارغة. لكنهما مع ذلك كانتا تركزان على إلياس بنفاد صبر وعمق مرعب. حيث يقف رجلٌ نحيل بين القبور القديمة. كان ستيفن. رفع رأسه ببطء عندما رآهما يقتربان ولم يحتج إلى سؤال. كأن عينيه قرأتا ما جاؤوا لأجله. قال بهدوءٍ غريب: "لقد اختفى… أليس كذلك؟" تبادل كلٌّ من فيديل وستيفن نظراتٍ غامضة أربكت إلياس. ثم قال ستيفن بصوتٍ منخفض: "لقد ظهرت فجوة سحرية… وابتلعته." شعر إلياس ببرودةٍ تسري في جسده. لاحظ النظرات الغريبة بينهما فسأل بقلق: "ماذا يحدث؟ لماذا تنظران هكذا؟" قالت فيديل بتردد: "هل… هو فعلًا؟" أجاب ستيفن دون تردد: "نعم… إنه المختار." تجمد إلياس في مكانه: "ماذا؟!" نظر إليهما بصدمة واضحة: "عن ماذا تتحدثان؟ ومن هو المختار؟" رفع ستيفن رأسه ونظر إليه نظرة عميقة، ثم قال ببرودٍ مخيف: "أنت." شعر إلياس وكأن الكلمات سقطت فوقه كالصاعقة: "ماذا تقصد؟! كيف سأكون أنا المختار؟" أجابه ستيفن بهدوءٍ غامض: "هناك أسطورة قديمة في هذه المقبرة… تقول إن هناك فرصة واحدة فقط لنجاة جميع الأرواح العالقة هنا." توقف لحظة ثم أكمل: "وتلك الفرصة تأتي من حامل دم الجد الأكبر." اقترب خطوة من إلياس وهو يتأمله بعناية: "ويبدو… أنك أنت." تراجعت قدم إلياس إلى الخلف حتى اصطدمت بشاهد قبر نتوءاته حادة جرحت ظهره، لكنه لم يشعر بالألم الجسدي من هول ما سمعه. كانت الكلمات تتردد في رأسه كأصداء ناقوس ضخم يقرع في معبد فارغ: "دم الجد الأكبر؟ المختار؟!". ارتسمت على وجهه علامات الرفض والذعر المتمازجين. وبدأ يلوح بيديه المرتجفتين نفيًا للواقع: "أنا مجرد إنسان عادي! جئت إلى هذا الجبل بحثاً عن إجابات، عن أسرار عائلية دفنتها أوهام الماضي! لم أطلب أن أكون منقذاً ولا مختاراً لأرواح هائمة في الجحيم!". مد ستيفن يده النحيفة ووضع أصابعه الصلبة كالمسامير على كتف إلياس، فسرى في جسد إلياس تيار كهربائي بارد شلّ حركته تمامًا. أمال ستيفن رأسه إلى الجانب وصوته يتغير، يكتسب نبرة طقوسية قديمة: "الدم لا يكذب يا ابن السلالة الأسطورية. المنزل لم يجذبك بفضولك، بل جذبك لأن عروقك تحمل المفتاح الأخير. السحر الأسود الذي كُبّلت به هذه المقبرة منذ أربعة قرون لم يوضع ليمنع الموتى من الخروج، بل وُضع لينتظر وارث الجريمة الأولى! أنت لست زائرًا طارئًا... أنت الجزء المفقود من اللعنة!" وقفت فيديل بجانب إلياس وقالت بقلق واضح: "لا وقت للشرح الآن." ثم التفتت إلى ستيفن: "يجب أن نسرع… علينا أن نفتح له بوابة الزمن قبل فوات الأوان." أومأ ستيفن ببطء. بعد دقائق… بدأت ظلال تتحرك بين القبور. خرجت الأرواح والهياكل العظمية من أماكنها، واجتمع سكان المقبرة جميعهم في دائرة واسعة. كانت الحركة بين الشواهد تشبه استيقاظ جيش من الظلال الهامدة. من كل حفرة، ومن كل شق في الأرضية الحجرية، بدأت تخرج أطياف وأجساد عظمية متهالكة. بعضها كان يكسوه بقايا أكفان ممزقة تحولت إلى لون الرماد، وبعضها كان مجرد جماجم طافية ينبعث من تجاويف عيونها ضوء أحمر متوهج كالجمر المشتعل. تسلقت المئات من هذه الأرواح الأحجار والمذبح، واحتشدت في شكل دائرة ضخمة محكمة الإغلاق حول إلياس وفيديل وستيفن. ساد صمت مطبق، لم يعد يُسمع فيه سوى حفيف خطى الأرواح واحتكاك العظام الباردة ببعضها. تقدم ستيفن إلى وسط الدائرة، ورفع ذراعيه المنحنيتين نحو السقف المظلم للمقبرة. وبدأ يتمتم بكلمات بلغة قديمة بائدة؛ حروفها كانت ثقيلة ومحشوة بالأصوات الصفييرية التي تجعل جدران المكان تهتز. مع كل كلمة ينطق بها ستيفن، كانت الأرواح المحيطة به تشد قبضاتها وتوجه بريق عيونها الحمراء والفسفورية نحو الفراغ المعلق فوق رأس إلياس. بدأت الطاقة تتجمع ككرة من الضباب الأسود الكثيف المشحون بشرارات كهربائية زرقاء. الأرض تحت أقدام إلياس بدأت تموج كصفحة ماء مضطربة، والشواهد الرخامية حولهم بدأت تتشقق وتتكسر أجزاء منها تحت تأثير الضغط السحري الهائل. شعر إلياس أن شعره ينتصب وأن حواسه تُنتزع منه انتزاعًا؛ الهواء صار مشبعاً برائحة الأوزون والمطر الكبريتي الحارق. فجأة، وبضربة كف واحدة من ستيفن في الفراغ، انشق الهواء بصوت يشبه تمزيق قماش كتاني ضخم! ظهر شق عمودي ملتهب بالضوء الضبابي، يتسع ببطء شديد وتخرج منه دوامات هواء عاتية تمتص الغبار والرماد من المقبرة، معلنة ولادة "الفجوة". وقف إلياس في مركزها… وقلبه يخفق بعنف. رفع ستيفن يديه ببطء، وبدأ الجميع يوجهون طاقتهم نحو نقطة واحدة في الهواء. ارتجفت الأرض قليلًا. ثم بدأ الهواء يتمزق… كأن الواقع نفسه ينشق. ظهرت دوامة مظلمة في الهواء، تتسع شيئًا فشيئًا. كانت… الفجوة. بوابةٌ غامضة بين عالمين، لكن بينما كانت الدوامة تكبر… بدأ ضوءٌ غريب ينبعث من داخلها. ضوء لم يره أحد من قبل. وفجأة… خرج صوتٌ عميق من داخل الفجوة. صوتٌ لم يكن بشريًا. قال ببطءٍ مخيف: "إذن… لقد وجدتم المختار أخيرًا." تجمد الجميع في أماكنهم… لأن الصوت لم يكن صوت الخلاص. بل كان صوت الشيء الذي ينتظر على الجانب الآخر. تحول الضوء الصادر من الدوامة من أبيض خافت إلى لون أرجواني قاتم يتخلله سواد كالقطران. النبرة التي صدر بها ذلك الصوت لم تكن مجرد موجة صوتية، بل كانت اهتزازاً مدمراً ارتجفت له العظام في الصدور وتوقفت بسببه الأرواح الهائمة عن التمتمة. تراجعت الهياكل العظمية خطوتين إلى الخلف في حركة جماعية مذعورة، وسقط بعضها على ركبتيه كأن قوة قاهرة أجبرته على الانحناء. سقطت فيديل على أرجُلها متشبثة بعباءة إلياس وهي ترتجف بشدة لم يره عليها من قبل، ويمتنع صوتها عن الخروج. أما ستيفن، فقد تجمدت يداه المرفوعتان في الهواء، واتسعت حدقتا عينيه البيضاوين برعب جارف، ليُدرك في تلك اللحظة القاتلة أن البوابة التي فتحوها بدم المختار لم تكن تؤدي إلى عالم الحياة أو الخلاص... بل كانت تفتح قفص الكائن السحيق الذي انتظر هذه اللحظة طوال أربعة قرون. تمددت أذرع مظلمة من حواف الدوامة، تمتلك مخالب طويلة مصنوعة من الضباب الكثيف، وبدأت تتشبث بحواف المقبرة لتبدأ بالخروج. بينما كان الصوت يقهقه بصوت خفيض يزلزل أعماق إلياس: "شكراً لك يا ابن السلالة... لقد فتحت الباب بنفسك!"