بوابة المجهول

الفصل 8: القسم الثالث_ بوابة الظلال

القسم الثالث_ بوابة الظلال

_"مهلًا... هل يعقل أن هذه ليرا عندما كانت طفلة؟ ما الذي يحدث معي؟" ليت شخصًا يخرج لي ويشرح كل ما يدور حولي...". قال إلياس باستسلام وسخرية. نظر إلى الطفلة وسألها: "من أنتِ؟ هل أنتِ ليرا؟ وما الذي بدأت أفهمه؟" ابتسمت ابتسامة جانبية بغيضة وقالت: "ربما أنا ليرا... وربما لست." تراجعت الطفلة خطوة إلى الخلف ويدها الصغيرة تلتف حول أطراف ثوبها الشاحب، وهي تنظر إليه بنظرات تحمل دهاء أسرارٍ دفينة تعود لقرون خلت. مسح إلياس حبات العرق البارد التي تسللت على جبينه، متسائلاً في سره كيف لكائن بهذا الحجم الصغير أن يحمل هيبة مرعبة تجعل دماءه تتجمد في عروقه. الممر حولهما كان يتسع ويضيق كأنه قفص صدري لكائن يتنفس، والظلال على الجدران أخذت ترسم أشكالاً لأجنحة مطوية وأقنعة مكسورة، مما أثار في نفسه رعباً أعمق من فكرة الاحتجاز في السرداب. غضب إلياس وكاد صبره ينفد، فصرخ بها: "سألتك سؤالًا! هيا أجيبيني!" ضحكت الطفلة ضحكة عارمة ملأت المكان، ثم قالت: "حسنًا... لا تغضب. ألم تستطع فهم كل الذي حصل معك وربطه حتى الآن؟ أإلى هذه الدرجة أنت أحمق؟" وفجأة، ومن شدة قسوة كلامها، شعر إلياس بأن الدنيا اسودّت أمام عينيه. خرج من صوته صراخ عميق وعالٍ، وبدأت عيناه تتوهجان.لم يكن ذلك الصوت صوته البشري المعتاد؛ بل كان صفيراً حاداً ممتزجاً بهديرٍ يشبه زئير العواصف في الخلاء. اندفعت الحرارة في عروقه كأنما صُب فيها أسيدٌ ملتهب، وسرت قشعريرة عنيفة في ظهره. جعلت فقرات عموده الفقري تتصلب وتطول بشكل مؤلم. تصاعدت هالة من الدخان الرمادي من تحت قدميه، وأصبح الهواء في الغرفة حارقاً حتى بات يصعب عليه تنفسه، وكأن جسده أفرغ كل إنسانيته في لحظة واحدة ليحل محلها غضبٌ أثريٌ محبوس منذ أزل. قالت الطفلة: "وأخيرًا... ها أنت تطلقها..." اندفع إلياس بسرعة خارقة، أمسك بعنق الطفلة ورفعها للأعلى وهو يصرخ: "تكلمي! ماذا تريدين مني؟ وما هذا المكان؟! لقد مللت كل شيء! إن لم تجيبوا... أقسم أنني سأقتلكم جميعًا!" قهقهت الطفلة بصوت عالٍ وهي تضحك: "أنت عظيم يا إلياس... ألم تلاحظ أنك مختلف منذ وصولك هنا؟" وفجأة، تحول الجدار خلفهما إلى مرآة كبيرة. نظر إلياس إلى نفسه... وصُدم. وجهه تغير... أصبح أكثر عنفًا... عروقه بارزة... أنيابه مكشّرة... وعيناه تشعّان بحمرة مخيفة. كانت مجاري الدم الوريدية تحت جلده تتسارع كأنها أنهار من الحمم. الزرقاء والمظلمة. الأنياب المسنونة البرّاقة كانت تضغط على شفته السفلى حتى قطرت منها قطرة دم سوداء ثقيلة سقطت على البلاط وأصدرت صفيراً خفيفاً. لم يبدُ وجهه أشبه بوجه إنسان على الإطلاق، بل كان أشبه بنحت حجري لشريرٍ أسطوري قادم من كتب السحر المحرمة؛ عينان تتوهجان بلظى جمرٍ متقد ينبعث منه نهار خافت في ظلام الغرفة، وملامح تنطق بقسوة لا تعرف الرحمة. ترك الطفلة وتراجع إلى الخلف وهو يقول: "لا... لا... ماذا فعلتم بي...؟" ارتجف صوته وهو يحدق في انعكاسه: "أهذا أنا... أم شيء يسكنني منذ البداية؟" ابتسمت الطفلة هذه المرة بهدوء، وقالت بصوت منخفض كهمس مسموم: "بل هذا أنت الحقيقي... الذي كنت تهرب منه." تراجع خطوة أخرى، وقلبه يخفق بعنف، وشعر أن المكان يضيق حوله. وفجأة، اختفت ابتسامتها وتحولت ملامحها إلى جدية قاتمة: "والآن... هل ستواجه نفسك... أم ستدمر كل شيء هربًا منها؟" قال إلياس بارتباك: "أهرب من نفسي؟! هل هذا أنا حقًا... أم أطلقتم عليّ طلاسمكم لأبدو هكذا؟!" أجابت الطفلة: "هذا أنت، يا إلياس... الوريث الشرعي لملوك الجن." تجمد مكانه: "ما... ماذا؟! أرجوك لا تعبثي بأعصابي! يكفيني ما رأيته اليوم... وفي النهاية أكون من الجن؟ هذا كثير!" قالت بهدوء: "يجب أن تسعد... فأنت ابن أقوى ملوك الجن على مرّ العصور... الملك سيزار." وُضع الاسم في أذنيه كصدمة كهربائية شلت تفكيره. "الملك سيزار"... اسمٌ سمع عنه في الأساطير القديمة وحكايات الجدات عن العالم السفلي والحرب العظمى بين الملوك والسحرة، لكنه لم يتخيل يوماً أن هذا الاسم ينساب في عروقه ذاتها. أخذ ينظر إلى يديه المرتعشتين اللتين كانت أصابعهما قد طالت قليلاً وانتهت بأظافر حادة كالشفرات، محاولاً استيعاب أن حياته البسيطة والأليفة لم تكن سوى كذبة كبيرة غطت على حقيقته المظلمة. عمّ الصمت المكان. بقي إلياس يتأمل نفسه في المرآة طويلًا... ثم تنهد وقال باستسلام: "لماذا الجميع يلاحقني؟ ما هي قصتي الحقيقية؟" أجابت: "هذا ما ستعرفه من والدك... بعد خروجك من هنا. الآن ركّز... وفكر بطريقة لإخراجنا." وقف إلياس ساكنًا، يحدق في الطفلة الغامضة. ابتسامتها باردة كثلج لا يذوب، وعيناها الفارغتان تعكسان مزيجًا من الحزن والغموض. وفجأة، تردد الصوت في ذهنه مرة أخرى، أعمق وأشد رعبًا: "لقد بدأت تفهم أخيرًا... (ضحك)... لكن هل أنت مستعد لمعرفة الحقيقة كاملة؟" ارتجف إلياس، وشعر بنسمة باردة تمر خلفه. التفت ببطء... فوجد ليرا واقفة عند حافة الظلال، وعيناها تشعّان بضوء أزرق خافت. كانت هالتها هذه المرة مختلفة؛ لم تكن تلك الفتاة الخائفة التي تسانده في الصحراء، بل بدت وكأنها حارسة أزلية لهذا المكان العجيب. الضوء الأزرق المنبعث من عينيها كان ينعكس على وجهها الصارم الشاحب ليمنحها هيئة ملكية مهيبة. خطواتها الثابتة لم تكن تترك أي أثر على الغبار المتراكم على الأرض، وكأن جثتها أو روحها تعبر فوق هذا العالم دون أن تتأثر بقوانينه الفيزيائية. اقتربت منه بخطوات متأنية، وقالت بصوت هادئ يحمل شيئًا خفيًا: "إلياس... ثق بي. ليس الطريق للخروج أمامك... بل بداخلك."وقبل أن يسألها— اهتزت الأرض بعنف. ظهر جدار من الظلال، شفاف لكنه مشحون بطاقة غامضة. بدأت مشاهد تتراقص أمام عينيه... المنزل المغطى بالدماء... الطفلة بابتسامتها الخالية...العملاق الأسود... والرموز الغامضة. كانت الصور تتلاحق أمام نفاذ بصيرته بأسلوبٍ سينمائي مريع؛ رأى ألسنة النار وهي تلتهم جدران المنزل الثلجي في فلورنس، وسمع صرخات مكتومة لأناس لم يعرف وجوههم لكنه شعر بقرابة دموية تجمعهم به. رأى قناع ليرا الساقط على أرض المقبرة القديمة، وجسد العملاق وهو يستوي فوق عرش من الجماجم الحجرية المتوهجة. كل مشهد كان يرافق بلطمة من الهواء البارد تضرب صدره، وكأن اللعنة تجمع أشتات الذكريات لتنسج منها كابوساً ملموساً يحيط به من كل جانب. ابتلع إلياس ريقه وصرخ: "أنا إلياس! إذا كنتِ تعرفين كل شيء... فقولي لي! ماذا تريدين مني؟!" ابتسمت الطفلة، وأتى صوتها من داخل الظلال: "لكي تخرج... يجب أن تجمع كل أجزاء الحقيقة... كل الأسرار... كل من أحببت... وكل من فقدتهم... وإلا... ستبقى هنا إلى الأبد." فجأة، ظهرت أمامه القطع مرة أخرى: المفتاح... المرآة... الحجر الأسود... الريشة البيضاء. وفي تلك اللحظة... أدرك الحقيقة. لم يكن اللغز مجرد رموز... بل كل ما بداخله... مخاوفه... ألمه... حبه... وقراراته. كان الاختبار لقلبه... لا لعقله. تراجع الخوف من قلبه ليحل محله إدراك حاد وصارم. أدرك أن القطع الأربع الموضوعة أمامه لم تكن سوى تجسيد مادي لمراحل روحه المتشظية. المرآة لمواجَهة حقيقته العنيفة، والحجر الأسود لثقل اللعنة التي يرثها، والريشة لسلامه الداخلي المفقود، والمفتاح لاتخاذ القرار النهائي. لم يعد يرى المكان كسجن حجري، بل كمحكمة روحية أُقيمت خصيصاً ليختار فيها بين أن يكون عبداً لخوفه أو سيداً للمصير الخارق الذي ينتظره. قال إلياس بعزم: "إذا كان هذا اختبارًا... فسأتجاوزه. سأجمع الحقيقة... مهما كلفني ذلك." ابتسمت ليرا بخفة، وقالت: "ابدأ... وستعرف كل شيء عن لعنة فلورنس... وعن نفسك... وعن ما أنت مقيد به." تقدم إلياس بثبات نحو المنصة الحجرية، ومد يديه المتبدلتين نحو القطع. لم يمسكها هذه المرة بوجل أو اضطراب، بل بلمسة واثقة جعلت الأدوات تتوهج معاً بنور أبيض ناصع ابتلع الحمرة المرعبة في عينيه. امتزجت طاقة الحجر الأسود بالنور الصادر من الريشة، وانعكست صورة ليرا في المرآة لتلتحم مع الظل القائم خلفه. شعر بقوة هائلة تتجمع في منتصف صدره، وكأن القيود الأثيرية التي كانت تكبل إرادته قد تحطمت دفعة واحدة تحت ثقل هذا القرار الحاسم. وفجأة...بدأ الجدار ينهار... والظلال تتفتت... وظهرت بوابة جديدة. تساقطت كتل الظلال كأنها رماد محترق يتطاير في الهواء، وضجت الغرفة بصوت انكسارٍ هائل يشبه انشقاق السحاب. تراجعت الطفلة للوراء وهي تندمج رويداً رويداً مع الأطياف المتلاشية، بينما بقيت ليرا تبصره بابتسامة غامضة مشوبة ببريق الارتياح. الأرض تحت قدميه لم تعد حجرية صلبة، بل أصبحت شفافة كزجاج مصقول يطل على دوامات من النجوم والمجرات المظلمة التي تدور في أزمنة غابرة. هذه المرة... أعظم... أعقد... وأكثر غموضًا. بوابة... تقود إلى قلب الزمن. إلى أسرار... لم تُكشف بعد. كانت البوابة الجديدة قائمة كإطار عملاق مصنوع من أفاعٍ حجرية متداخلة ينساب من بين أفكاكها ضوء أرجواني نابض. يصدر منها صفير محمل بأصداء معارك قديمة، وصدى أصوات تبكي وتستغيث بلغاتها البائدة. تنفس إلياس عميقاً وهو يشعر بأن صفحة الخوف القديمة قد أُغلقت للأبد، وأن خطوته التالية عبر هذه البوابة لن تكون مجرد هرب... بل بداية لرحلة استعادة العرش وفك اللعنة التي كبلت سلالته منذ الفجر الأول.