القسم الرابع_ القصر الزمردي
فتحت البوابة الغامضة، ودخل منها إلياس وتبعته ليرا. تقدما إلى عمقها، ليتفاجأ إلياس بوجود كل ما يخص حياته يحيط به... ذكرياته، مستقبله، ماضيه، وكل شخص يرتبط بحياته. كل ذلك ظهر أمام عينيه على شكل بلورات زجاجية مضيئة، كل بلورة منها تعرض شيئًا في داخلها. كانت البلورات تسبح في الهواء كأنها فقاعات أثيرية متلألئة؛ إحداها كانت تعرض صرخاته الأولى حين كان طفلاً يتيماً في دار الأيتام، وأخرى كانت تجسد وجهه وهو يركض في شوارع الصحراء. بينما بلورات أخرى أكثر شحوباً كانت تعكس مشاهد مستقبليّة مبهمة يُرى فيها راكعاً وسط حطام عرشٍ زمردي محترق. شعر إلياس بدوار شديد؛ فكل ذرة في هذا الفضاء كانت تحوي جزيئة من وجوده البشري والماورائي، وكأن الزمن لم يعد خطاً متسلسلاً بل نسيجاً مرئياً يمكنه لمسه بأصابعه المرتعشة. بقي إلياس يتلفت حوله متعجبًا مما يرى، وقال بهدوء وعيناه لا تزالان على البلورات الطائرة: "ما... ما هذا؟! أخبريني!" قالت ليرا: "هذه أغراض حياتك وزمنها... لكن إذا كنت تريد أن نتأخر، ابقَ هنا وحدك." قال إلياس: "إلى أين الآن؟" أجابت: "اتبعني." سارا للأمام نحو المجهول، وإلياس لا يزال يحملق حوله محاولًا تفسير ما يحدث، حتى وصلا إلى نهاية الطريق. قالت ليرا: "ها قد وصلنا." تقدم إلياس، وإذا بهما يقفان على حافة مرتفع يطل على غابة واسعة، تتوسطها قلعة ضخمة سوداء. كانت الأشجار المترامية تحت المرتفع تشبه أفاعي عملاقة متداخلة، أوراقها متفحمة وتفرز ضباباً بنفسجياً خفيفاً يغطي أرض الغابة. وفي المنتصف، كانت القلعة السوداء ترتفع كبركان من البرونز المظلم؛ أبراجها الحلزونية تطال السحب المحملة بالبرق الزمردي، وأسوارها العالية ينبعث منها طنين أثيري يشبه همهمات جيوش حاشدة تخوض معركة لا تنتهي. كان المظهر يتجاوز كل ما قرأه إلياس في كتب الفانتازيا، هيئة ملوك مفقودين وقوة قديمة تنتظر سيده الموعود. قال بدهشة: "أين أنا؟! وما هذا المكان؟!" أجابت: "أهلًا بك في قلعة الجن... يا حضرة الوريث." ردد إلياس الكلمة التي جلجلت في أعماق أفكاره: "وريث مملكة الجن..." التفت إليها، وصدره يعلو ويهبط، وقال: "كيف سأفهم الحقيقة؟ كيف سأجد والدي؟ وما سر اللعنة التي قذفت بي إلى عالم البشر؟... بل السؤال الأهم... من أنتِ؟ أشعر أنك أصبحتِ غريبة عني يا ليرا!" تبسمت، ثم بحركة خاطفة تغير شكلها، لتعود إلى هيئة أقرب لعمر إلياس. ركعت على قدمها اليمنى وقالت: "أنا حارسة هذه المملكة... أو لنقل المستشارة لجلالة الملك سيزار. اسمي ميلان. كلفني الملك أن أكون قريبة منك في عالم البشر حتى تكبر، وأخبرك بحقيقتك... أنك لست من البشر، بل من الجن، وأعيدك إلى هنا." توقفت لحظة، ثم تابعت: "أما اللعنة... فلا نعلم عنها الكثير. ظهرت يوم ولادتك... وكان أسوأ يوم في مملكة الجن." تمتم إلياس: "أسوأ الأيام...؟" استجمع شجاعته وقال: "ارفعي رأسكِ يا ميلان... وقصي عليّ ما حدث." نهضت، وقالت: "في ذلك اليوم، كان موعد ولادتك... وقبل خروجك بلحظات، احمرت السماء وأرعدت. ظننا أنه أمر طبيعي، لأن سماء مملكة الجن تحمر كل ثلاثين عامًا... لكن ما جعل ذلك اليوم الأسوأ... هو نزيف والدتك المفاجئ..." ترددت لحظة، ثم أكملت: "توفيت جلالتها... وكان ذلك أحزن يوم في المملكة. وفي نفس اللحظة... ظهرت اللعنة... وتم إرسالك إلى عالم البشر." تجمد إلياس، وهمس لنفسه: "ماتت والدتي... ولعنة... وأنا سبب كل هذا..." شعر ببرودة قاسية تخترق صدره، وكأن كل عبء اللعنة التي عاشها في عالم البشر كان مجرد صدع صغير مقارنة بهذه الحقيقة المفجعة. امتلأت عيناه بدموع حارقة قبل أن يحبسها بكبرياء؛ فالمرأة التي منحته الحياة صرعت في اللحظة التي تنفس فيها هواء هذا العالم، والمملكة التي كان ينبغي أن تحتفل بقدومه غرقت في مأتم وأزمة وجودية. النظر إلى ميلان أصبح محاطاً بعتاب مكتوم؛ لقد كانت تخفي عنه هذه الفاجعة طوال سنوات رفقتها له في هيئة بشرية. ثم رفع رأسه وقال بحسم: "هيا... لنذهب إلى القصر. أريد مقابلة والدي." وفي لمح البصر، وجدا نفسيهما أمام قصر شاهق يكاد يعانق السماء. قالت ميلان: "القصر الزمردي... أعظم قصور المملكة." وقف إلياس أمام القصر، وعيناه تتجولان بين أبراجه الشاهقة. لم تكن الجدران مجرد حجر... بل بدت وكأنها تتحرك ببطء، كأن القصر كائن حي يراقب كل من يقترب منه. كانت الأرض سوداء لامعة، تعكس صورته بشكل مشوّه. شعر بثقل غريب في صدره. تقدم خطوة، لكن جسده توقف للحظة، وكأن شيئًا ما يختبره. التفت إلى ميلان وقال: "هل هذا المكان ينتظرني... أم يحذرني؟" ابتسمت وقالت: "كلاهما... فالقصر لا يفتح أبوابه إلا لمن يعترف به... أو لمن يخشاه." وفجأة، دوّى صوت عميق من داخل القصر، وبدأت الأبواب الضخمة تنفتح ببطء، مصدرة صريرًا ثقيلًا. دخلوا القصر.كانت الزخارف تملأ المكان، والثريات تتدلى من السقف، ينعكس ضوؤها على الجدران اللامعة. كانت الجدران المكسوة بحجر الزمرد الخام تنبض بنور أخضر دافئ، والرموز المحفورة على البلاط الرخامي الأسود تتلألأ كلما وطأت أقدامهما عليها، وكأن القصر يحيي سيده الحقيقي بخطوات نحاسية خافتة. الثريات الضخمة المعلقة بأعمدة من الكريستال كانت تتلألأ بألماس يتغير لونه حسب هالة الأشخاص؛ وقد لاحظ إلياس أن الضوء ينكسر حول جسده ليصنع ظلاً لأجنحة مطوية خلف ظهره، مما عزز شعوره الخانق بوجود كائن آخر يحاول السيطرة على إرادته من الداخل. التفت إلياس إلى ميلان وسأل: "إلى أين الآن؟" أشارت إلى ممر طويل مفروش بسجادة مخملية: "من هنا... إلى غرفة العرش." سارا في الممر، الذي كان مضاءً بشمعدانات على طاولات صغيرة. دخلا القاعة. كانت واسعة، بنوافذ كبيرة، وثريا عملاقة، وفي نهايتها عرش مرصع بالماس. قالت ميلان: "جلالتك—" قاطعها إلياس بحدة: "كفى. ناديني باسمي... أكره الألقاب." واكمل إلياس بحدة "والوقت مبكر جداً لأكون ملك فعلاً". ردت ميلان: "هذا ما كنت ساحدثك بشأنه يا إلياس." _ "ماذا تقصدين؟" قالت: "هذا ما كنت سأخبرك به... اسمك هنا... ساري، ابن الملك سيزار." زفر بضيق: "حتى اسمي مزيف... والآن ماذا سنفعل هنا كيف سنعرف سرّ اللعنة...". تردد اسم "ساري" في دهاليز عقله بصدمة ومرارة؛ الاسم الذي حمله طوال حياته البشرية "إلياس" لم يكن سوى قناع مستعار لتضليل العيون التي تترصده. أخذ يتأمل كفيه مجدداً، متسائلاً كم كذبة أخرى بُنيت عليها حياته السابقة، وهل كل مشاعره وذكرياته في عالم البشر كانت مجرد سيناريو معد مسبقاً من قبل والده الملك أو حراسه لحمايته. انتابه شعور بالضياع الشديد؛ فلم يعد يعرف أين ينتهي "إلياس" الإنسان وأين يبدأ "ساري" الأمير الجني. وقبل أن يكمل— ظهرت فجأة امرأة عجوز، تحمل كتابًا يتوهج بلون فضي خافت. قالت بصوت رصين: "أنا حارسة الأختام السبعة... وهذا الكتاب سيكون خلاصك." من كل ما مررت به من قبل. كانت العجوز تتكأ على عصا من خشب السنديان المحفور بطلاسم فضية، ووجهها الشاحب يحمل خطوطاً غائرة تحكي أسرار قرون طويلة من الحراسة. أما الكتاب الذي كانت تحمله فلم يكن غلافه مصنوعاً من الجلد أو الورق التقليدي، بل من بلاطات معدنية دقيقة تتداخل وتتحرك باستمرار كأنها ترتيبة أقفال ميكانيكية. كان الضوء الفضي المنبعث من بين صفحاته المغلقة يرسل موجات حارة في أثير الغرفة، تصدر منها نبرات خافتة لأصوات متداخلة تبكي وتصرخ وتسرد أحداثاً بائدة. تجمد إلياس في مكانه وهو ينظر إلى المرأة العجوز، وعيناه معلقتان بالكتاب الذي بين يديها. كان الضوء الفضي المنبعث منه ينبض ببطء... كأنه قلب حي. اقترب خطوة، وقال بصوتٍ منخفض: "كتاب...؟ هل هذا هو كل شيء؟ بعد كل ما مررت به؟" ابتسمت العجوز ابتسامة خفيفة، لكنها لم تكن مريحة، وقالت: "هذا ليس كتابًا... بل ذاكرة." تبادل إلياس وميلان النظرات، قبل أن يسألها بحدة: "أي ذاكرة؟" رفعت الكتاب قليلًا، فانبعث منه وميض أقوى، وقالت: "ذاكرة اللعنة... وذاكرتك أنت." ارتجف جسده للحظة، وشعر وكأن شيئًا داخله استجاب لكلماتها. _ "إذا فتحت هذا الكتاب... لن ترى الحقيقة فقط..." توقفت لحظة، ثم أضافت بصوت أعمق: "بل ستعيشها." ساد الصمت في القاعة. تقدم إلياس ببطء، ومد يده نحو الكتاب... لكن قبل أن يلمسه— اهتز القصر بعنف. انطفأت الثريات فجأة، وارتفع صوت عميق من أرجاء القاعة، نفس الصوت الذي سمعه من قبل: "أخطأتم..." تجمدت العجوز، وتراجعت خطوة: "هذا الكتاب... ليس له." ارتجف الهواء، وبدأ الظل يتجمع خلف العرش، حتى تشكّل تدريجيًا... شكلًا مألوفًا. عيون حمراء... وجسد عملاق. تصاعد الظل الأسود كدخان كثيف ينبعث من قاع الأرض، ليتجسد مجدداً ذلك الهيكل الخرافي المرعب الذي واجهاه في الفضاء المظلم. كانت ألسنة اللهب الحمراء تنبعث من شقوق دروعه الحجرية، وضغط هالته جعل القاعة الاهتزازية تفقد استقرارها؛ حيث تكسرت بعض الثريات الكريستالية وتساقطت شظاياها على السجادة المخملية. حذرت العجوز بصوت مرتعش وهي تتراجع، بينما وقفت ميلان مشدوهة، لكن ساري شعر بأنه وصل إلى نقطة لا عودة فيها؛ فإن لم يواجه هذا اللغز الآن، فسيظل ألعاباً بصلابة قدرٍ لا يملكه. ظهر الكائن من الظلال، ونظر مباشرة إلى إلياس، ثم قال بصوتٍ يهز المكان: "إن فتحت ذلك... ستكسر كل القواعد." تسارعت أنفاس إلياس، لكنه لم يتراجع. بل قال بثبات: "إذًا... سأكسرها." وفي اللحظة التي لامست فيها أصابعه الكتاب— انفجر الضوء. واختفى كل شيء.