بوابة المجهول

الفصل 10: القسم الخامس_ مفتاح اللعنة

القسم الخامس_ مفتاح اللعنة

وجد ساري نفسه داخل مكان لا يعرفه. صرخ باسم ميلان، لكن لم يجبه أحد. وفجأة أتاه ذلك الصوت وقال: "حذرتك من لمس الكتاب... فتحمّل عواقب طيشك." زفر ساري وقال: "أظن أنني سأصاب بالجنون قبل أن أعلم الحقيقة. والآن أنا وحدي في عالم لا أعرفه، بدون ميلان... لنرَ كم سأتحمل قبل الوصول لذروة الجنون." بدأ يتحرك، لكنه توقف فجأة، وبدأ يتلفت يمينًا ويسارًا، ثم قال بصوت أقرب للهمس: "هذا المكان ليس غريبًا عني..." صمت قليلًا، ثم جلس على الأرض وبدأ يربط الأحداث ببعضها: "كنت في غرفة العرش, ظهرت سيدة عجوز قالت إنها حارسة الأختام السبعة. كتاب فضي يضيء. لا، إنه ينبض... سيكشف أسرار اللعنة وما حل بالمملكة قبل عشرين عامًا, يوم ولادتي... السماء الحمراء..." رددها ببطء، ثم نهض فجأة ونظر إلى الأعلى: "كما توقعت... هذا الكتاب أعادني عشرين عامًا إلى الماضي... يوم ولادتي. لكن لماذا لم تُسحب ميلان معي رغم أنها حاولت اللحاق بي؟" جلس يفكر مجددًا، لكن ما لم يستطع فهمه هو ذلك الظل الأسود الذي ظهر من قبل. لم يجد له مكانًا بين كل هذه الأدلة. قهقه قليلًا، ثم نهض ونفض التراب عن ثيابه وقال بصوت جهوري: "أنا ولي عهد المملكة... صحيح أنني لا أعرف الكثير عن نفسي ولا عن مملكتي، لكنني سأكشف سر اللعنة." لكن قبل أن يكمل— شعر بشيء حاد على رقبته. لم يستطع تمييزه... أهو مخلب أم سكين؟ توهجت عيناه، وبرزت عروقه، وخرجت أنيابه. وبحركة خاطفة طرح تلك الفتاة أرضًا. كانت الصدمة واضحة عليها، وكأنها تعرف هذه القدرات جيدًا. صرخت: "دخيل ويمتلك قدرة الملك؟! أأصبحت المملكة المعادية قادرة على استنساخ قوتنا؟!" ميز ساري تلك النبرة الساخطة، ثم قال وهو ينهض عنها: "ميلان... إذًا هذا هو طبعك." ضحك بصوت عالٍ، بينما بقيت تحدق فيه بصدمة. لم يكن فقط يمتلك قدرة الملك... بل أيضًا شعره الفحمي، وعيناه الحادتان، وحتى الشامة قرب عينه اليسرى، تمامًا كالملكة. أما أكثر ما أخافها... فكان الوشم الملكي على معصمه. قالت بصوت مرتجف وهي تتخذ وضعية القتال: "م... من أنت؟! يستحيل أن تكون دخيلًا... هذا الوشم لا يحمله إلا أفراد العائلة الملكية." كان وشم التنين الأرجواني الملتف حول معصمه يتوهج بنبضات دافئة تدعم ادعاءه، ونظرته إليها كانت تحمل هيبة ملكية لا يمكن تزييفها. أخذت ميلان النسخة الماضية تتراجع بخطوات حذرة، وهي تزن في مخيلتها الشبه الصارخ بين هذا الغريب الساقط من العدم وبين الملامح الحادة للملكة المتوفاة التي كانت صورها تعلو جدران القصر الزمردي. كان الهواء في هذه الحقبة الزمنية أثقل، ممتلئاً برائحة الكبريت والندى القديم الذي تميزت به المملكة قبل أن تضربها اللعنة العتيدة.اقترب منها ببطء وقال: "سأشرح كل شيء... فقط اخمدي قواك." ولم تشعر ميلان إلا وهي تنصاع له. كان صوته هادئًا، لكنه يحمل شيئًا يجعل الحارس بداخلها يطيعه دون مقاومة. بدأ ساري يقص عليها ما حدث معه، بينما كانت تستمع بصدمة واضحة. ثم قالت وهي تنهض: "تبقى على حلول اللعنة... ثلاث ساعات فقط." تجمد ساري: "ثلاث ساعات؟!" ابتسمت ميلان وقالت: "يبدو أن ميلان في المستقبل لم تخبرك." قال: "لا... أو ربما لم أركز معها." ثم رفع رأسه: "لكن ظننت أن الكتاب أعادني أيامًا أو أسابيع إلى الماضي..." ركضت ميلان نحوه وأمسكت بكتفه: "كتاب؟! أتقصد كتاب الماضي والحاضر؟!" ثم اعتذرت سريعًا عن اندفاعها. قال: "نعم... كتاب فضي ينبض وكأن به قلب." أجابت: "هذا هو كتاب الماضي والحاضر... لكنه كان محفوظًا في مملكة العفاريت." توقف ساري: "ماذا تقصدين؟" قالت: "يبدو أن شيئًا حدث وجعله يصل إلى هنا." أكمل عنها ساري: "تم غزو مملكة العفاريت بعد حلول اللعنة... وأُحضر الكتاب." تراقصت صفحات الكتاب الفضي المغلق في ذهن ساري كأنها شفرات زجاجية تعيد كتابة جغرافية المكان حوله. لم يعد القصر والعرش موجودين؛ بل استُبدلا بظلال شاحبة لأشجار عملاقة يلفها ضباب دماء متبلور. شعر بجسده يمر عبر طبقات أثيرية متلاحقة، حيث تتداخل أصوات السيوف وهتافات المعارك القديمة مع همسات الملوك الراحلين. كان كتاب الماضي والحاضر يتنفس معه في نفس السياق، يفرض عليه أن يعيش آلام الأسلاف ليصبح أهلاً لفك شفرة هذا اللغز المعقد. ردد في نفسه: "هذا المكان يتحداني... إما أن أعرف الحقيقة وأنقذ المملكة... أو أفقد عقلي." بدأ الضوء الخافت المنبعث من أثر الكتاب يتشكل من جديد، وكأن نبضه ازداد قوة. شعر ساري أن وعيه يُسحب إلى مكان أعمق... مكان لا ينتمي لذكرياته، بل لشيء أقدم بكثير. لم يكن هذا الكتاب يحمل ذكرى إلياس... بل ذكرى الكائن الأول صاحب اللعنة... وصاحب ذلك المنزل. نهض ليرى الغابة نفسها التي كان فيها قبل دخوله المنزل. أتاه صوت ميلان من خلفه: "هذه ذكرى كائن اللعنة... لقد عدت بالزمن لتكشف الحقيقة يا... ساري." التفت إليها وقال: "ليس قبل أن أعرف الحقيقة... فأنا إلياس، وربما كل هذا خداع." ابتسمت ميلان بغموض... ثم اختفت. بدأ يسمع أصواتًا بشرية. اقترب بحذر، ليرى نفس المشهد الذي رواه الكائن من قبل. امرأة تبكي، وطفلان يقفان معها، بينما تتوسل لرجل يقف عند باب المنزل. كانت ترجوه أن يترك لهم المنزل... ذكرى لزوجها. لكنه أغلق الباب في وجوههم ببرود. اختفى المشهد فجأة، وتحول إلى غرفة داخل المنزل. بدأ إلياس يبحث عن أي دليل... لكنه توقف عندما سمع صوت رجل يقول: "لقد أخطأت يا سيراز... ابنك أحب تلك الإنسية، وبرغم أنه الأمير... فرّقت بينه وبين عائلته." قاطعه سيراز بغضب: "لا أريد فتح هذا الموضوع مجددًا." ثم قال بحدة: "لقد عارضني وعارض مملكتي عندما أحب تلك الإنسية... وسأجعله يندم." كانت نبرة الملك سيراز تفيض بقسوة ملكية المطلقة؛ نبرة حاكم يرى في المشاعر الإنسانية خطيئة وعاراً يهددان طهارة سلالته الحاكمة. كان صوت الخشخشة الصادر من رداء سيراز الثقيل يقطع صمت الغرفة، محاطاً بهالة نارية خافتة تجعل الهواء يتشقق. استشعر ساري حجم القهر الذي عاشه ذلك الأمير العاشق؛ إذ إن القرار الملكي بفضل عائلته وتشريد تلك المرأة الإنسية كان هو الحجر الأول الذي أدى لاندلاع اللعنة الشاملة التي أحرقت الأخضر واليابس. تجمد إلياس مكانه. اقترب من الباب، ووضع يده على المقبض. وعندما فتحه— اسودّ كل شيء أمام عينيه. نهض وسط ظلام كثيف. كان هذه المرة في قلب الغابة. لاحظ شجرة غريبة تحمل نقوشًا قرمزية. اقترب منها، ولمس أحد الرموز دون قصد... فانفتح باب سري تحت قدميه. تردد للحظة، ثم نزل. وجد نفسه داخل قاعة عملاقة، سوداء وفارغة. كانت أعمدة القاعة الضخمة منحوتة على هيئة حراس حفريين. يحتضنون صدورهم بأيدٍ متقاطعة، وعيونهم الحجرية تتألق بلون قرمزي مطفأ. تمتد الأرضية السوداء كالمرآة الصافية، تعكس ظله المتبدل بين هيئة الأمير الجني والهيئة البشرية التي نشأ عليها. كانت الرطوبة عالية في هذا المكان العميق من الغرفة السحرية، والهدوء مهيباً لدرجة أن صوت أنفاسه المتقطعة كان يتردد بين الأركان كأنه صلاة يائسة في معبد مهجور. خرج صوت ميلان من العتمة: "لقد وصلت لنهاية الأمر... هنا سأسلمك المفتاح لتفتح به أبواب عهدك." تردد صدى صوتها في القاعة. قال بصوت منخفض: "أين المفتاح؟" لم تجبه. بل اشتعلت النقوش فجأة، وامتد الضوء تحت قدميه. وفجأة— عاد إلى المشهد نفسه. المنزل... المرأة... الطفلان... لكن هذه المرة... شعر بشيء مختلف. كان الألم مألوفًا. حدق في الطفلة طويلًا، ثم همس: "إنها تشبه... فيديل." وفجأة رفعت الطفلة رأسها... ونظرت إليه مباشرة. تراجع بصدمة: "لا... هذه ذكرى... لا يمكنها أن تراني." لكنها استمرت بالنظر إليه. ثم عاد ذلك الصوت: "هل بدأت تفهم؟" اهتز المشهد بعنف، وبدأ كل شيء يتشقق. صرخ ساري: "انتظر!" لكن كل شيء اختفى. عاد إلى القاعة مرة أخرى، وسقط على ركبتيه يلهث بعنف. كانت النقوش القرمزية تتوهج بقوة أكبر من السابق.قالت ميلان من الظلام: "ما رأيته... ليس الماضي فقط." رفع رأسه ببطء: "إذًا ماذا كان؟" صمتت لحظة، ثم قالت: "جزء من المفتاح." تصلب جسده: "مفتاح ماذا؟" لم تجب. لكن النقوش بدأت تعيد رسم المشهد... المرأة... الطفل... الطفلة... الباب... ثم اندمجت كلها في رمز واحد. رمز لم يفهمه... لكنه شعر به. وهمس دون وعي: "ليست لعنة..." توقف، ثم أكمل بصوت منخفض: "بل... نتيجة." ساد الصمت. وفجأة— بدأت الأرض تهتز بعنف. تشققت النقوش القرمزية، وخرج منها ضوء أحمر كثيف ملأ القاعة بالكامل. تراجع ساري خطوة، بينما بدأ الرمز العملاق على الجدار ينبض... تمامًا كالقلب. ثم ارتفع صوت قديم، أعمق وأكثر رعبًا من كل ما سمعه من قبل: "لقد اقتربت من الحقيقة أكثر مما يجب..." تجمد مكانه. وببطء... بدأت الظلال تتجمع أمامه، حتى تشكل منها جسد ضخم مألوف. العملاق الأسود. لكن هذه المرة... لم تكن عيناه مليئتين بالغضب. بل بالحزن. نظر مباشرة إلى ساري وقال: "إذا عرفت الحقيقة كاملة... فلن تستطيع العودة كما كنت." تسارعت أنفاس ساري، لكنه لم يتراجع. وقال بثبات: "حتى لو خسرت نفسي... سأعرفها." ساد الصمت للحظة. ثم ابتسم العملاق ابتسامة غامضة، وقال: "إذًا... استعد لما سيكشفه الفصل القادم." وفجأة— انطفأ كل شيء.

ختام الفصل الثاني