شبكة8العقول - ما بين الأصوات

الفصل 10: الفصل الثالث_ الاستيقاظ

الفصل الثالث_ الاستيقاظ

القسم الأول_ الولادة

لم يعد المطر مجرد مطر.كان يسقط من السماء كما لو أن الليل كله يذوب قطرةً قطرة، يغسل شارعًا مهجورًا لم يعد يشبه أي شارع في مدينة يعرفها أحد. كانت أعمدة الإنارة ترتجف بضوء أصفر باهت، تنعكس فوق الإسفلت الأسود الذي امتلأ بالماء حتى بدا وكأنه مرآة تعكس عالمًا آخر تحت الأرض. الريح تعوي بين المباني الخالية، تحمل معها رائحة المطر المختلطة بالإسمنت الرطب والحديد الصدئ وأوراق الأشجار التي التصقت بالأرصفة. في منتصف ذلك الشارع... كانت امرأة راكعة على الأرض. حافية القدمين. ثوبها الأبيض التصق بجسدها من شدة المطر، وشعرها الأسود الطويل انساب فوق كتفيها ووجهها حتى أخفى نصف ملامحها. كانت ترتجف، لا من البرد، بل من الألم الذي كان يمزقها من الداخل. وضعت كلتا يديها فوق صدرها بقوة، كأنها تحاول أن تمنع قلبها من الانشطار. خرجت منها شهقة موجوعة، ثم انهمرت الدموع مع المطر حتى أصبح من المستحيل التمييز بينهما: "لا..." همست بصوت مبحوح: "لم أعد أستطيع..." لكنها لم تكن وحدها. كان هناك رجل يجثو بجانبها. لم يكن المطر يلامسه. ولم يكن ظله ينعكس فوق الماء. كان وجوده هادئًا وغريبًا، كأنه يقف بين عالمين. رجل في الأربعينيات من عمره تقريبًا، ذو شعر أسود طويل يصل إلى كتفيه، ولحية مرتبة، ووجه يحمل ملامح فارسية قديمة، عيناه واسعتان يملؤهما حزن يعرف النهاية قبل أن تقع. مد يده نحوها، لكنها مرت من خلال كتفها كما يمر الضوء عبر الضباب. ابتسم لها رغم انكساره: "لا بأس يا حبيبتي..." قالها بصوت دافئ: "...يجب أن تساعديهم." أغمضت عينيها بقوة "أنا... أتألم..." خرجت الكلمات متقطعة مع أنفاسها: "لا أستطيع... أنا ضعيفة." أطرق الرجل رأسه لحظة، ثم رفعه إليها من جديد: "أعلم." كان صوته يرتجف أكثر منها: "لكن ليس لدينا وقت." بكت بصمت. كأنها طفلة تحاول أن تخفي خوفها: "أنا غير مستعدة..." اقترب منها أكثر: "أعلم يا حبيبتي." نظر إلى السماء المظلمة، ثم عاد إليها: "لكن عليك أن تستعجلي." سكت قليلًا: "قبل أن يصلوا." ارتعشت شفتاها: "إنهم سيجدونهم..." هز رأسه: "لهذا السبب يجب أن تولديهم الآن." نظرت إليه بعينين غارقتين بالدموع: "وأنا؟" ابتسم ابتسامة صغيرة. تلك الابتسامة التي يحاول الإنسان بها أن يخفي انهياره: "أنتِ أقوى امرأة عرفتها في حياتي." ثم أضاف هامسًا: "وأقوى من أي شخص سيأتي بعدك." صرخت. هذه المرة لم تكن صرخة ألم. بل صرخة خرجت من أعماق روحها. اهتز الشارع كله. تكسرت قطرات المطر في الهواء. ارتجفت أعمدة الإنارة. وخرج من صدرها ضوء أبيض هائل. انقسم الضوء... إلى ثمانية خيوط. اندفعت في السماء كالشهب. واحد... اثنان... ثلاثة... ثمانية. في برلين... رفع سليم رأسه فجأة. توقف عن التنفس. في الموصل... ارتجفت يد ميرين فوق مسدسها. في الأناضول... سقطت سماعة آيلين من فوق كتفها. في الخرطوم... توقفت دموع وهج فجأة. في أونتاريو... رفعت تقوى رأسها نحو السماء. في مارسيليا... تجمدت مها أمام المرآة.في جيجو... انسكب قدح الماء من فوق رأس نون. وفي اللاذقية... سقطت ريناد على ركبتيها وهي تضغط رأسها بكلتا يديها. كلهم... في اللحظة نفسها... رأوها. رأوا المرأة الراكعة تحت المطر. رأوا دموعها. ورأوا الضوء الخارج من صدرها. لكن... لم يرَ أحد الرجل الذي كان بجانبها. تنفست بصعوبة. ثم نظرت إليه. ابتسمت رغم الألم: "لقد..." انقطع صوتها. ثم ابتسمت أكثر: "لقد رأيتهم..." توقفت للحظة. وأغمضت عينيها: "لقد فعلتها..." لكن ابتسامتها اختفت فجأة. لأنها شعرت بشيء. وجود آخر. بارد. أشد برودة من المطر نفسه. التفتت ببطء نحو يمينها. كان هناك رجل آخر. هو أيضًا لم يكن موجودًا ماديًا. يرتدي معطفًا أسود طويلًا، وملامحه جامدة بصورة مخيفة، وعيناه خاليتان من أي رحمة. وقف يراقبها. ثم قال بهدوء: "هكذا كنتِ تختبئين عنا..." ابتسم ابتسامة باهتة وهو ينظر إلى علبة أقراص منومة ملقاة قرب يدها. "حيلة ذكية." تجمد الرجل الإيراني. نظر إليها بسرعة. "هل..." تردد:"هل هو هنا؟" أغمضت عينيها... ثم حركت رأسها ببطء: "نعم." اتسعت عينا الرجل. "هل يراك؟" هزت رأسها مرة أخرى: "نعم." أغلق عينيه للحظة. ثم قال بسرعة: "قاوميه. لا تستمعي إليه." ضحك الرجل ذو المعطف الأسود: "توقفي عن هذه اللعبة..." اقترب خطوة: "كم مرة حاولتِ إنهاء حياتك..." صمت: "...ولم تفعلي؟"لم تجبه. ظل نظرها متعلقًا بالرجل الذي تحبه. ابتسم الرجل ذو المعطف ابتسامة باردة: "إذن..." نظر إلى الرجل الإيراني: "هذا هو؟" ثم قال ساخرًا: "أخبريه أنني متشوق للقائه." كانت أنفاسها تتباطأ. نظر إليها الرجل الإيراني بعينين ممتلئتين بالعجز: "أنا أحبك." همس بها. ارتعشت شفتاها. ثم قالت بصعوبة: "احمِهم..." اقترب منها: "أعدك." أغمضت عينيها للحظة. لكن الرجل الآخر لم يتوقف. قال بهدوء قاتل: "وهل يعرف... سرنا الصغير؟" ارتجف جسدها كله. لكنها لم تنظر إليه. ظلت تحدق في الرجل الذي تحبه. ثم... ابتسمت للمرة الأخيرة. في نهاية الشارع... توقفت ثلاث سيارات سوداء. انفتحت الأبواب. وترجل رجال يرتدون ملابس سوداء. هذه المرة... كانوا حقيقيين. كانوا موجودين. يتقدمون بسرعة نحوها. رفعت رأسها بصعوبة. نظرت إليهم. ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة جدًا. وقالت بصوت يكاد لا يسمع: "لقد..." تنفست آخر نفس: "...تأخرتم." وسقط رأسها إلى الأمام. في اللحظة نفسها... اختفى الرجل الإيراني. واختفى الرجل ذو المعطف الأسود. وبقي المطر وحده... يسقط فوق جسدها الساكن.