القسم الرابع_ بين القلب والقدر
كانت اللاذقية مدينة تعرف كيف تخفي حزنها خلف البحر.في الصباحات الهادئة، كانت الأمواج تضرب الشاطئ برفق، بينما تشرق الشمس فوق المياه الزرقاء كأنها تحاول أن تمنح الناس سببًا جديدًا للاستمرار. رائحة الملح تختلط برائحة القهوة القادمة من الشرفات والمخابز الصغيرة، وأصوات النوارس تدور فوق الميناء القديم الذي شهد أجيالًا كاملة من الحكايات والانتظار والفراق. من شرفة منزلها، كانت ريناد تستطيع رؤية جزء من البحر. لم تكن تنظر إليه كثيرًا. لكنها كانت تشعر بوجوده دائمًا. كأنه صديق صامت يراقب حياتها من بعيد. في ذلك الصباح، كانت جالسة على طاولة الإفطار مع والديها وأختها الصغرى. رائحة الزعتر والخبز الساخن تملأ المكان، بينما كانت والدتها تتحدث بحماس عن ترتيبات قادمة، وتشاركها أختها الابتسامات والضحكات. أما والدها...فكان يبدو سعيدًا بصورة لم ترها منذ زمن. سعيدًا كالأب الذي يعتقد أن حياته تسير أخيرًا كما كان يتمنى. والسبب كان واضحًا. فادي. فادي النجار. طبيب شاب. وسيم. متعلم. من عائلة ثرية.والده رجل أعمال وصاحب نفوذ سياسي واسع، يحلم بأن يصل يومًا إلى البرلمان وأن يصبح واحدًا من أكثر الشخصيات تأثيرًا في البلاد. لكن فادي لم يكن يشبه والده تمامًا. كان أكثر هدوءًا. أكثر إنسانية. وأقل اهتمامًا بالسلطة. بل وأكثر من ذلك... كان يحب ريناد فعلًا.أما ريناد... فلم تكن تكرهه. ولم ترفضه. لكنها أيضًا لم تحبه. كانت عالقة في منطقة رمادية بين القبول والرفض.وافقت بصمت. لأنها رأت الفرحة في عيون والديها. ورأت الراحة التي شعروا بها. ولأنها لم ترد أن تكون سببًا في انكسار تلك الفرحة.لكن قلبها... ظل مترددًا. كانت تؤمن بالله. وتؤمن بالعلم. وتؤمن أن الكون أكبر من قدرة البشر على الفهم. لم ترَ يومًا تعارضًا بين الإيمان والمعرفة. بل كانت ترى أن كليهما طريقان نحو الحقيقة. ولهذا كانت تدعو كثيرًا. في صلواتها. وفي وحدتها. وفي الطريق إلى العمل. كانت تدعو أن يمنحها الله الحب إن كان هذا الرجل نصيبها. أو يمنحها إشارة تمنع هذا الزواج قبل أن يصبح متأخرًا.في المستشفى، كانت زميلاتها يتحدثن عن الموضوع طوال الوقت: "لو كان فادي طلب يدي أنا لما انتظرت دقيقة واحدة."قالت إحدى الطبيبات ضاحكة: "ابن رجل غني وطبيب ووسيم؟ ماذا تريدين أكثر؟" وأضافت أخرى: "أنتِ محظوظة يا ريناد." ابتسمت ريناد فقط.ذلك النوع من الابتسامات التي لا تعني شيئًا. في ذلك اليوم، كانت تستعد للخروج إلى المستشفى حين بدأ الصداع مجددًا.توقفَت عند باب المنزل. وضعت يدها على رأسها. الألم عاد. خفيفًا في البداية. ثم ازداد تدريجيًا. ثم— سمعت الرعد. واضحًا. قريبًا. كأن عاصفة كاملة فوق المنزل. تبعه صوت برق. ثم رائحة مطر. رفعت رأسها نحو النافذة. العالم خارج المنزل كان مشمسًا. ومع ذلك... كانت متأكدة أنها سمعت العاصفة. لدرجة أنها حملت المظلة معها. في الطابق الأرضي كان مطعم والدها يستعد لاستقبال الزبائن. رائحة اللحم المشوي والتوابل والثوم تعبق في المكان. كان والدها يقف قرب المدخل يراقب العمال. وعندما رآها ابتسم فورًا: "تعالي." اقتربت منه. نظر إلى المظلة في يدها باستغراب. ثم ضحك: "إلى أين بالمظلة؟" ترددت: "أعتقد أن المطر سيهطل." نظر إلى السماء. ثم عاد ينظر إليها: "ريناد..." وأشار إلى الخارج. الشمس كانت ساطعة. والسماء زرقاء تمامًا. لا غيمة واحدة. ارتبكت. وشعرت بخجل غريب: لكني... سمعت... البرق" اقترب منها والدها. ووضع يده على كتفها: "أتعلمين؟" ابتسم: "ما زلت أراك تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تختبئ خلف أمها." شعرت بشيء ينقبض داخل صدرها. لأنها رأت السعادة الحقيقية في عينيه. السعادة التي يشعر بها الأب عندما يعتقد أن ابنته تسير نحو حياة آمنة ومستقرة. وكان جزء منها يريد أن يخبره بالحقيقة. أنها لا تحلم بالجلوس في البيت. ولا بأن تكون زوجة فقط. ولا بأن تنجب الأطفال ثم تترك كل شيء. هي تحب الطب. تحب المستشفى. تحب العلم. وتحب حياتها كما هي. لكنها لم تقل شيئًا. اكتفت بأن قبلت رأسه. ثم غادرت. __________________________________________________ وصلت إلى المستشفى. الممرات البيضاء الطويلة. رائحة المعقمات. أصوات الأجهزة. أصوات المرضى. كل شيء بدا طبيعيًا. في البداية. ثم بدأ الاجتماع. أطباء. مناقشات. تقارير. ملفات. لكن الصداع أصبح أسوأ. أسوأ بكثير. كأن شيئًا يحاول الخروج من داخل رأسها. وبعد انتهاء الاجتماع، دخلت مع بعض زميلاتها إلى إحدى غرف الفحوصات. كانت تتحدث. ثم توقفت فجأة. لأن العالم... اختفى. رأت رجلًا يقف عند نافذة في مدينة بعيدة. دخان سيجارة. وعينان متعبتان. سليم. ثم رأت امرأة بزي الشرطة. ميرين. ثم فتاة وسط الثلج. تقوى. ثم فتاة أمام كاميرا. مها. ثم وهج. ثم نون. ثم آيلين. ثم الجميع. واحدًا تلو الآخر. كأن أبوابًا كانت تُفتح داخل عقلها. شعرت بحرارة العراق. ثم ببرد كندا.ثم بمطر برلين. ثم بموسيقى صاخبة. ثم بصفارات الشرطة. ثم بفلاشات الكاميرات. ثم برائحة المعقمات نفسها التي كانت حولها. لكن أقوى. وأقرب. وأكثر خنقًا. ثم ظهرت المرأة. الحافية القدمين. المبللة بالمطر. واقفة وسط شارع مظلم. تنظر مباشرة إلى ريناد. ولأول مرة... تكلمت معها. بوضوح. قالت: "لقد بدأتم" واكملت ""ابحثوا عن بعضكم... قبل أن يجدوكم." ارتجفت ريناد: "من أنتِ؟" لكن المرأة لم تجب. بل أشارت إليها فقط. ثم اختفت. شعرت فجأة أن الأرض تميل تحتها. اختل توازنها. حاولت التمسك بالطاولة. لكن يدها اصطدمت بالقوارير الزجاجية. تناثرت على الأرض. وتحطمت. التفت الجميع نحوها. "ريناد!" حاولت أن تتكلم. أن تشرح. أن تقول شيئًا. لكن الكلمات لم تخرج. آخر شيء رأته... كان وجوه زميلاتها تقترب منها بسرعة. ثم الظلام. سقطت على الأرض. ركضت إحدى الطبيبات نحوها. بينما صرخت صديقتها: "أحدكم اتصل بالإسعاف بسرعة!" وتحولت الغرفة كلها إلى فوضى من الأصوات والخطوات والقلق... بينما كانت ريناد تغرق في ظلام لا تعرف إن كان إغماءً... أم بداية شيء أكبر بكثير.
ختام الفصل الثاني...