القسم الثالث_ الوعد الذي أثقل القلب
كانت جزيرة جيجو تبدو في أعين السياح كقطعة هادئة من الجنة؛ بحر أزرق لا نهاية له، منحدرات بركانية سوداء، حقول خضراء تمتد حتى الأفق، ورياح مالحة تحمل رائحة المحيط إلى كل زاوية من الجزيرة. لكن بالنسبة لنون، لم تكن جيجو مكانًا للسياحة أو الصور الجميلة. كانت وطنًا للأشباح. أشباح الذكريات. وأشباح الكلمات التي لم تُقل. وأشباح الأشخاص الذين رحلوا وتركوا وراءهم فراغًا لا يملؤه شيء. في ذلك الصباح البارد، كانت تقف أمام قبر والدتها. السماء ملبدة بغيوم رمادية خفيفة، والعشب المبلل بالندى يحيط بالمقبرة الصغيرة التي تقع فوق تلة تطل على البحر البعيد. كان الهواء باردًا، يحمل رائحة التراب الرطب وأشجار الصنوبر المنتشرة حول المكان. وضعت نون باقة الزهور أمام القبر. ثم جلست على ركبتيها. بصمت. لم تكن من الأشخاص الذين يتحدثون كثيرًا. ولا من الذين يبكون بسهولة. لكن أمام هذا القبر... كانت تعود طفلة في العاشرة. طفلة فقدت الشيء الوحيد الذي كان يمنحها شعور الأمان. مرت دقائق طويلة وهي تحدق في الاسم المحفور على الحجر. ثم انهمرت الدموع أخيرًا. دموع هادئة. صامتة. كما لو أن قلبها تعب من حملها وحده. _"اشتقت لكِ يا أمي..." همست بها بصوت بالكاد سمعته هي نفسها. لكن الريح حملتها بعيدًا نحو البحر. وبعد فترة طويلة نهضت. عدلت معطفها. ومسحت دموعها. ثم اتجهت إلى عملها. كان مبنى الشركة يرتفع وسط المدينة مثل كتلة من الزجاج والفولاذ. حديث. باهظ. مصمم ليبهر الناس. لكن نون كانت تعرف أن بعض الأبنية الجميلة تخفي داخلها أشياء قبيحة. دخلت البهو الرئيسي. الموظفون يحيونها باحترام. المصاعد تتحرك صعودًا وهبوطًا بلا توقف. الشاشات تعرض أسعار الأسهم والأرقام والتقارير. وصلت إلى مكتبها. جلست. وبمجرد أن وضعت حقيبتها... رن الهاتف. نظرت إلى الشاشة. تنهدت. وتركت الهاتف يرن. ثم حملت ملفًا سميكًا من فوق المكتب وخرجت مباشرة. _"أريد مقابلة المدير." قالتها للسكرتيرة. لكن المرأة هزت رأسها: "السيد كيم ليس هنا." _"متى يعود؟" _"لديه اجتماع خارج الشركة." شعرت نون بالإحباط. قبضت على الملف بقوة. ثم استدارت وعادت إلى مكتبها. كانت تعرف ما يوجد داخل ذلك الملف. وتعرف أيضًا لماذا تحاول الوصول للمدير. لأن هناك سرقة. وتلاعبًا بالأرقام. وتحويلات مالية مشبوهة. وأشخاصًا يختفون من السجلات المحاسبية كما لو أنهم لم يوجدوا يومًا. وهي... كانت تعرف من يفعل ذلك. بعد دقائق دخلت مساعدتها: "الآنسة نون؟" رفعت رأسها:"السيد بارك مين-جون يريد مقابلتك." أغمضت عينيها للحظة:"مرة أخرى؟" _"هذه المرة الرابعة هذا الأسبوع." "بارك مين-جون". رجل أعمال ثري. وأحد أكبر المستثمرين في الشركة. وأحد القلائل الذين يعرفون الحقيقة. يعرف أنها ابنة المدير. ويعرف أن هناك شيئًا غير طبيعي يحدث في الحسابات. ويريد التحدث معها. لكن نون كانت تهرب منه. كل مرة. لأنها لا تريد سماع ما تعرفه أصلًا. ولا تريد الاعتراف بالحقيقة. الحقيقة كانت تحمل اسمًا واحدًا. والدها. كان والدها رجلًا يقدسه الناس. يحترمونه. ويهابونه. ويصفونه بأنه نموذج النجاح. أما نون... فكانت ترى وجهًا آخر. رجلًا لا يسمح لنفسه بالخطأ. ولا يسمح للآخرين بالخطأ. يهتم بالسمعة أكثر من المشاعر. وبالصورة أكثر من الحقيقة.وكان يحلم دائمًا بابن يحمل اسمه.وريث.خليفة. رجل يكمل المسيرة. لكن أول مولود جاء... كان نون. ثم بعد عامين جاء "يوشين". ومنذ ذلك اليوم بدا وكأن القدر أعطاه كل ما أراد."يوشين". الشقيق الذي وعدت أمها بحمايته. والشخص الذي أصبح أكبر خيبة أمل في حياتها. يقضي لياليه بين الحفلات والمخدرات والكحول. يهرب من المسؤولية. ويهدر كل فرصة تُمنح له. ورغم ذلك... ظل الأب يفضله. ويأخذه معه إلى الاجتماعات. ويقدمه للشركاء. ويحاول تعليمه إدارة الشركة. بينما كانت نون... هي من تقوم بالعمل الحقيقي. رن الهاتف مجددًا. ثم مجددًا. ثم مجددًا. للمرة المئة تقريبًا. لكنها تجاهلته. وفي النهاية... أغلقت الهاتف تمامًا. وغادرت الشركة. كانت قاعة الفنون القتالية ملاذها الوحيد. المكان الوحيد الذي تستطيع فيه أن تتنفس. أن تصمت. أن تفكر. أن تهرب. الرائحة المميزة للأرضية الخشبية. صوت الأقدام. هدوء المكان. كل شيء هنا كان مختلفًا. في الحديقة الخلفية للقاعة... كانت تتدرب. قدح ماء فوق رأسها. وعليها أن تبقى ساكنة. مستقرة. هادئة. كما علمها معلمها. الرجل العجوز الذي أصبح بالنسبة لها أكثر من مدرب.كان مرشدًا.وحكيمًا. وشخصًا يرى ما تخفيه قبل أن تنطق به. وقف يراقبها بصمت. ثم ابتعد. وتركها وحدها. عندها... بدأت الدموع. دون إنذار. دون سبب ظاهر. انهمرت فوق خديها. بينما بقي جسدها ساكنًا. كانت تفكر بالملف. بالشركة. بوالدها. بالحقيقة. ثم عادت الذكرى. عمرها عشر سنوات. غرفة مستشفى. رائحة أدوية. وصوت أجهزة طبية. وأمها جالسة على كرسي متحرك. ضعيفة. متعبة. لكنها ما زالت تبتسم:"اعتني بأخيك يا نون..." قالتها يومها:"مهما حدث." وكان ذلك آخر وعد قطعته. وفجأة...اختفت الحديقة.واختفى الهواء.واختفى كل شيء. وجدت نفسها داخل سيارة. في مدينة أخرى. إشارة مرور. امرأة تبكي بجوارها. وهج. وفي اللحظة نفسها... التفتت وهج نحوها. ورأتها. كما رأت نون وهج. نظرتا إلى بعضهما. بصدمة. وخوف. وحيرة. ثم اختفت الرؤية. عادت إلى الحديقة. لكن الصداع بدأ. أقوى من أي مرة سابقة. شعرت بحرارة العراق. ثم ببرد كندا. ثم بمطر برلين. ثم برائحة دخان السجائر. ثم بمعقمات المستشفى. ثم بموسيقى صاخبة. ثم بصفارات الشرطة. ثم بومضات كاميرات. كل شيء معًا. كله في اللحظة نفسها. ورأتهم. سليم. ميرين. آيلين. وهج. تقوى. مها. ريناد. واحدًا تلو الآخر. ثم رأت المرأة الحافية القدمين. تقف وسط المطر. كما رأتها من قبل. لكن هذه المرة... بدت أكثر حزنًا. وأكثر تعبًا:"أنتِ لستِ وحدكِ". سقط قدح الماء. وانسكب فوق العشب. فتح المعلم العجوز عينيه. كان يراقبها من بعيد. اقترب ببطء. ثم قال:"اذهبي." رفعت رأسها نحوه:"لكن... معلمي..." _"لن تجدي السلام هنا." نظر إلى عينيها مباشرة. وكأنه يرى كل شيء:"عودي عندما تكونين مستعدة لمواجهة ما تهربين منه." ثم استدار وغادر. مع غروب الشمس... عادت نون إلى المقبرة. مرة أخرى. إلى المكان الذي بدأت منه يومها. جلست أمام قبر أمها. والصمت يملأ العالم. كانت الرياح أبرد الآن. والبحر أبعد. والسماء أكثر ظلمة. وضعت يدها فوق الحجر. وأغلقت عينيها. ثم قالت أخيرًا:"أمي..." توقفت. وانكسر صوتها:"أنا متعبة." سالت دمعة فوق خدها. ثم أخرى:"أعرف من يسرق."همست بها:"وأعرف ماذا يجب أن أفعل..." لكنها لم تكن تعرف إن كانت تملك الشجاعة. رفعت رأسها نحو السماء. وأطلقت السؤال الذي ظل يحاصرها طوال الأشهر الماضية:"ما الذي ينبغي علي أن أفعله يا أمي؟" لم يجبها أحد. لكن الريح مرت فوق المقبرة بهدوء. كأنها تحمل الجواب... إلى مكان لم تصل إليه نون بعد.