القسم الثالث_ تقاطعات
لم يكن صباحاً أليماً فحسب، بل كان مختلفاً عن بقية صباحاتها. السماء رمادية كعادتها، والغيوم المنخفضة تحجب الشمس حتى في منتصف النهار، والهواء البارد يحمل رائحة التراب الرطب بعد المطر والأشجار التي بدأت أوراقها تتساقط مبكراً. وقف عشرات الأشخاص بصمت داخل المقبرة القديمة، مصطفين حول حفرة مستطيلة فُرشت جوانبها بالعشب المبتل، بينما أخذ رجل الدين يتلو كلماته الأخيرة بصوت هادئ يختلط مع صفير الريح. وقف "سليم" إلى جوار "جوليان". لم يكن يعرف المتوفى جيداً، لكنه جاء احتراماً لصديقه. نظر إلى التابوت الخشبي وهو يُخفض ببطء نحو القبر، وشعر بانقباض غريب في صدره. منذ الليلة الماضية، أصبح منظر التوابيت يعيده دون إرادته إلى تلك المرأة التي ماتت تحت المطر. لم يكن يعرف من تكون، لكنه كلما أغلق عينيه لمح وجهها للحظة، ثم اختفى. أفاق من شروده عندما تنهد جوليان بصوت منخفض. قال وهو يراقب التابوت: "كان ابن خالي... أصغر من أن يموت."ربت سليم على كتفه دون أن يجد كلمات مناسبة. بدأ المشيعون بإلقاء حفنات التراب فوق التابوت، بينما تراجع بعضهم إلى الخلف. على مسافة قريبة، وقف شاب أنيق يرتدي معطفاً أسود باهظ الثمن ونظارة شمسية رغم غياب الشمس. كان يمضغ علكة بلا اكتراث، يتبادل الحديث مع ثلاثة رجال آخرين وكأنهم في مقهى لا في جنازة. همس جوليان بضيق: "ذلك ابن عمي... فيكتور." ابتسم سليم ابتسامة خفيفة: "واضح أنه لا يعرف معنى احترام الموت." هز جوليان رأسه: "هو لا يحترم الأحياء أصلًا." بعد دقائق، ابتعد الجميع عن القبر. تجمع أفراد العائلة في مجموعات صغيرة، أما فيكتور فقد أشعل سيجارة والتفت نحو جوليان: "سوف أكون غنياً؟" رفع جوليان حاجبه: "وكيف ذلك؟" اقترب فيكتور حتى أصبح صوته لا يسمعه إلا هو وسليم: "هناك فرصة لن تتكرر." نظر حوله سريعاً قبل أن يخفض صوته أكثر: "شركة مجوهرات خاصة." ساد صمت قصير. أخرج من جيبه صورة لهاتفه، أراها لجوليان. كانت غرفة فولاذية يتوسطها باب خزنة ضخمة. قال بابتسامة متباهية: "داخلها شحنة ألماس وصلت أمس." تأمل "جوليان" الصورة: "كم تساوي؟" ابتسم "فيكتور" ابتسامة جشعة: "يكفي أن يعتزل كل واحد منا العمل بقية حياته." تبادل سليم وجوليان نظرة سريعة. أكمل فيكتور: "نسخت المفتاح الخارجي." ثم أشار بإصبعه: "لكن القفل الداخلي... يحتاج فنانًا. لكننا سوف نفتحه." ضحك "فيكتور" وهو يغادر مع مجموعته: "بينما أصعد أنا للقمة، ستبقون أنتم تقتاتون على فتات خيرات والدي." أجاب "جوليان" بغضب وهو يحدث نفسه: "القمة التي تصعدها هي جبلٌ بناه أبوك بجهده، أما أنت فمجرد حشرة تسير على أكتافه! نحن نأكل من كسب أيدينا وعرق جبيننا بكرامة، بينما أنت لو حُجب عنك مصروف يومٍ واحد، لمُتّ ذلاً وجوعاً على عتبة والدك!" لم يجب "سليم". فقط عاد بنظره نحو القبر. كان يشعر أن الوقوف بين الموت والحديث عن السرقة في اللحظة نفسها أمر يبعث على الغثيان. لكن شيئاً آخر كان يشغل باله أكثر... ذلك الصداع الذي لم يفارقه منذ الفجر. بعد ساعتين، في شقة جوليان التي تفوح منها رائحة القهوة المرة والأوراق القديمة، كان جوليان يذرع الغرفة جيئة وذهاباً، بينما جُرح كبرياؤه ينزف بغضب من كلمات فيكتور. وقف أمام سليم وقال وهو يضرب يديه ببعضهما: "فيكتور أحمق، وسيقود الجميع إلى الكارثة... لكن الخزنة؟ الخزنة فرصة لا تتكرر يا سليم. شحنة الألماس هذه كفيلة بتغيير حياتنا للأبد، ولن أسمح لشخص مثله بأن يسبقنا أو يستنزف تعبنا!" نظر إليه سليم بصمت، ثم قال بهدوء: "أتريد أن تسرق الخزنة قبل أن يصل إليها؟" رد جوليان بابتسامة حادة: "بل سنفعل ذلك الليلة! لقد حصلت بطريقتي الخاصة على نسخة من المفتاح الخارجي للشركة قبل ساعات، وكل ما نحتاجه هو الدخول والتعامل مع القفل الداخلي قبل أن يطأ حذاء فيكتور القذر تلك الغرفة. سينهار عندما يكتشف أن الخزنة أصبحت فارغة قبل منتصف الليل." قام سليم من مقعده، تفحص نسخة المفتاح المعدنية اللامعة بيده، وشعر بطاقة التحدي تتدفق في الشقة. تفقد الأدوات الحادة وساعات التوقيت، وبدأت الخطة ترتسم بوضوح في أذهانهما: الاقتحام سيكون الليلة، والسباق مع الزمن ومع فيكتور يبدأ قبل منتصف الليل. في الجانب الآخر من أوروبا... كانت "آيلين" تمشي بسرعة فوق الرصيف، تاركة خلفها ضحكات أصدقائها عند باب النادي الليلي. لم تستطع احتمال البقاء أكثر. الموسيقى توقفت منذ دقائق، لكنها ما زالت تسمعها داخل رأسها. خلعت سماعة الأذن من أذنها اليمنى، ثم أعادتها مرة أخرى، وكأنها تحاول إخفاء الأصوات الأخرى بموسيقاها الخاصة. _ "آيلين!" التفتت. كان "يامان" يركض خلفها. شاب طويل، بشعر أشعث وسترة رياضية مفتوحة، يعرفها منذ سنوات الجامعة، وكان الوحيد في المجموعة الذي لا يضغط عليها أو يسخر من هدوئها. توقف أمامها وهو يلهث: "لماذا خرجتِ هكذا؟" ابتسمت بتعب: "صداع." نظر إليها بقلق: "منذ متى؟" _ "منذ أيام." صمت قليلًا ثم قال: "إمري سأل عنك." تغيرت ملاحمها قليلًا: "ولماذا؟" _ "يريد أن نتقابل الليلة أو غدًا." سارت من جديد: "لا أظن." لحق بها: "اسمعي..." خفض صوته: "هو ليس مثل بقية التجار." ضحكت بسخرية: "وهل يوجد تاجر مخدرات محترم؟" ابتسم يامان: "ليس هذا ما أقصده." ثم أضاف: "لديه صنف جديد... يقول إنه أنقى من أي شيء موجود في السوق."لم تنظر إليه: "وأنا ماذا أفعل بهذه المعلومة؟" _ "يمكننا فقط أن نراه." سكت قليلًا: "لن يجبرك أحد." رفعت عينيها إلى السماء الرمادية: "لا أحب هذه الأماكن." قال برفق: "أنا سأكون معك." لم تجبه. لكنها لم ترفض أيضًا. ثم ذهبت مبتعدة لطريقها إلى البيت. وفي الوقت نفسه، في حديقة عامة تعج بالحياة والضحكات بمناسبة اليوم الوطني، كانت "مها" تجلس على مقعد خشبي برفقة صديقتها المفضلة "كلير". كان الهواء يعزف ألحاناً هادئة، والأطفال يركضون حول البالونات الملونة. استمتعت الصديقتان بتناول الآيس كريم، وضحكت مها من قلبها وهي تراقب قطرات الآيس كريم تذوب على يد كلير. لكن تلك اللحظة الدافئة أعادت مها رغماً عنها إلى ذكريات مضت؛ تذكرت اليوم الوطني في العام الماضي في هذا البارك بالذات... عندما اقتربت إحدى الفتيات المتعجرفات مع مجموعتها، وما إن عرفت "مها" حتى صرخت باستهزاء أمام الجميع: "أوه! أليست هذه صانعة المدونة الصوتية للحديث عن الأخبار؟ التي تدعي أنها تفهم كل شيء وهي لا تقدم سوى الهراء؟" تذكرت مها كيف تجمدت حينها ورغبت في الاختفاء، لكن "كلير" لم تتردد لحظة واحدة؛ تقدمت بشجاعة، ووقفت أمام الفتاة المعتدية، وردت عليها بقوة ودهاء أخرس المجموعات بأكملها وجعلهم ينسحبون بجرائر خيبتهم، مدافعةً عن صوت مها وموهبتها بكل حزم. ابتسمت مها في الحاضر ونظرت إلى كلير بامتنان عميق، وقالت: "شكراً لأنكِ دائماً هنا يا كلير..." في تلك اللحظة تحديداً... وبينما كانت "آيلين" تواصل طريقها نحو بيتها بخطوات مثقلة بالصداع، اهتزت رؤيتها فجأة. انقطعت شوارع مدينتها المظلمة للحظة خاطفة، ورأت نفسها بشكل مرعب وهي تجلس على المقعد الخشبي في ذلك المنتزه المشمس، مواجهةً لـ "كلير"، وأصابعها تمسك بملعقة آيس كريم باردة وشديدة الحلاوة لم تذقها بلسانها قط! شهقت آيلين وتوقفت في منتصف الشارع، تمسكت بجبينها وهي ترمش بذهول، بينما اختفت الصورة بنفس السرعة التي ظهرت بها، تاركةً إياها تتخبط في أفكارها: من كانت تلك الفتاة؟ وما هذا الطعم الذي تشعر به في فمها؟! توقفت سيارة الشرطة أمام بوابة مديرية الشرطة. أطفأ "سامر" المحرك، ثم تمدد قليلًا داخل المقعد: "ليلة طويلة." ابتسمت ميرين ابتسامة خفيفة: "وأظنها لم تنته." نظر إليها: "هل نمتِ أصلًا؟" هزت رأسها: "تقريبًا." كان يعرف أنها تكذب. منذ أسبوع لم تعد كما كانت. أصبحت شاردة أكثر. تحدق في الفراغ طويلًا. وتضع يدها فوق رأسها كل بضع دقائق. ترجل الاثنان من السيارة. داخل المركز، كانت الحركة لا تهدأ. هواتف ترن. أجهزة لاسلكية تصدر تشويشًا. شرطي يركض بين المكاتب. وآخر يكتب تقريرًا بسرعة. ما إن وصلت ميرين إلى مكتبها حتى دوى صوت غرفة العمليات: "جميع الوحدات القريبة..." توقف الجميع عن الحركة: "...بلاغ عن إطلاق نار في المنطقة الصناعية." نظر سامر إلى ميرين. قال: "يبدو أن راحتنا انتهت." أمسكت قبعتها بسرعة: "لنذهب." بعد أقل من دقيقة... كانت صفارة سيارة الشرطة تشق شوارع الموصل.