شبكة8العقول - ما بين الأصوات

الفصل 16: القسم الثالث_ ما لا يخصّني

القسم الثالث_ ما لا يخصّني

كانت الموسيقى قد أصبحت أكثر دفئًا مع اقتراب ليلة الخطوبة من نهايتها. اختلطت الضحكات برنين الكؤوس ورائحة الطعام، وتحولت القاعة إلى مساحة صغيرة من الفرح لا يكاد أحد فيها يجلس. كان فادي يرقص مع ريناد وهو أكثر سعادة مما رأته منذ عرفته. لم يكن راقصًا بارعًا كما كان يظن، لكنه عوّض ذلك بالحماس، حتى ضحكت ريناد حين كاد يدوس طرف فستانها. اقترب والدها منهما، وربت على كتف فادي: "تسمح لي؟" ابتسم فادي وتنحى فورًا: "هي لك قبل أن تكون لي." أمسك والد ريناد يد ابنته، وبدأ يرقص معها ببطء. للحظات، لم ترَ ريناد الرجل المتعب الذي أمضى عمره بين مطبخه ومطعمه، بل أباها القديم؛ الرجل الذي كان يحملها وهي طفلة ويدور بها حتى تصرخ من الضحك. ومع النغمات الأخيرة، مال نحوها وقال: "أنا معجب بهذا الرجل جدًا." نظرت إلى فادي، الذي كان يتحدث مع أحد الضيوف ويضحك: "أعرف." _ "سيكون زوجًا جيدًا." لم تجبه ريناد. اكتفت بابتسامة صغيرة، لأن السعادة التي رأتها في وجه أبيها جعلت الإجابة أصعب. بعد ساعات من عودتهما من برلين، كان ليل الخرطوم أكثر هدوءًا مما توقعته وهج. مشت إلى جوار معتصم في شارع شبه خالٍ، وقد تخلص كلاهما أخيرًا من الكاميرات والصحفيين وضجيج العرض الأول. كان معتصم قد شرب أكثر مما ينبغي في الطائرة وصالة الاستقبال، وأصبح حديثه أكثر جرأة وأقل تهذيبًا. كان يتحدث عن إحدى الممثلات المشاركات في الفيلم، ويسخر من وزنها ومن الطريقة التي اختار بها المصمم فستانها. توقفت وهج عن الابتسام: "كانت جميلة." نظر إليها معتصم: "لم أقل إنها قبيحة." _ "قلت ما يكفي." لوّح بيده: "أصبحتِ حساسة جدًا." _ "وأنت شربت كثيرًا." ضحك. وصلا إلى مدخل منزله، فتوقف معتصم وأخرج المفتاح، ثم نظر إليها: "ادخلي." _ "لماذا؟" رفع ما تبقى من الزجاجة التي كان يحملها: "نكمل الاحتفال." _ "لدي عمل غدًا." _ "ساعة واحدة." _ "معتصم." اقترب منها قليلًا، وقد تحولت المزحة في عينيه إلى محاولة واضحة لجذبها: "أتعرفين؟ لا أتذكر آخر مرة رفضتني فيها امرأة." رفعت وهج حاجبها. نظر إلى نفسه متفاخرًا: "انظري إليّ. وسيم، مشهور، جسمي ممتاز، وشخصيتي—" قاطعته: "شخصيتك تحتاج إلى النوم." حدق بها ثانية، ثم انفجر ضاحكًا. ابتسمت وهج وتراجعت: "تصبح على خير." _ "وهج أنتظري—" _ "نم يا معتصم." واستدارت قبل أن يمنح غروره فرصة لمحاولة أخرى. كانت برلين قد تجاوزت منتصف الليل حين أغلق سليم باب الغرفة خلف المرأة التي تعرّف إليها قبل ساعات. لم يكن يعرف عنها إلا اسمها الأول، ولم تكن هي تعرف عنه أكثر من ذلك بكثير. بدأت الليلة حينما ساعدها في فتح باب السيارة بعد ان نسيت مفتاح السيارة داخلها، ثم بمشروب وحديث عابر، ثم انتهت بهما معًا في شقته، كأن كليهما اتفق بصمت على ألا يسأل الآخر عما سيحدث في الصباح. بعد وقت، استلقى سليم بجوارها يحدق في السقف، فيما بقيت حرارة جسده مرتفعة وأنفاسه تستعيد انتظامها ببطء. وفي اللاذقية، شعرت ريناد أنها تحترق. كانت واقفة إلى جوار صديقتها في إحدى زوايا القاعة بعد أن ابتعدتا قليلًا عن الرقص. رفعت شعرها عن عنقها وأخذت تحرك يدها أمام وجهها: "الجو حار جدًا." ضحكت صديقتها: "بعد كل هذا الرقص؟ طبيعي." _ "لا، ليس هكذا... أشعر كأن الحرارة داخلي." ناولتها صديقتها كأس ماء: "اشربي. ثم اعترفي أن العريس أتعبك." ابتسمت ريناد رغم ارتباكها. _"فادي ليس سيئًا في الرقص." التفتت إليها صديقتها بدهشة مصطنعة: "ليس سيئًا؟ كان مذهلأ جدًا." _ "أرجوكِ." _ "أنا جادة. ثقي بي إن غيرتِ رأيكِ ولم تتزوجيه، أخبريني. سأتزوجه أنا." ضحكت ريناد معها، لكن ضحكتها خفتت سريعًا. وضعت أصابعها فوق عنقها. الحرارة ما زالت موجودة، غريبة، حميمة، ولا تشبه حرارة الرقص. على بعد آلاف الكيلومترات، وفي شقة ببرلين، كان سليم قد استلقى بجوار المرأة التي تعرف إليها في وقت سابق من تلك الليلة. هدأت أنفاسهما، وظلت المدينة تلمع خلف النافذة. أدار سليم رأسه نحو المرأة بجواره وقال: "أنا جائع." ضحكت المرأة: "بعد كل هذا؟" _ "خصوصًا بعد كل هذا." ابتسمت وهي تسحب الغطاء حولها: "أستطيع أن أعد لك شيئًا." هز رأسه. _ "أنا اشتهي نوع محددأ." _ "ماذا؟" أغمض عينيه. جاءته رائحة غريبة، قوية إلى درجة أنه كاد يتذوقها؛ لحم مشوي، بهارات، خبز ساخن، ليمون، وأرز. قال: "طعامًا سوريًا... أو عربيًا." وفي اللحظة نفسها، كان فادي يشكر والد ريناد أمام أفراد العائلتين. كانت الموائد لا تزال ممتلئة بما أعده الرجل في مطعمه لهذه الليلة؛ أصناف سورية متعددة، من المشاوي والكبة إلى المحاشي والسلطات والحلويات. قال فادي: "الطعام وحده يكفي لأتزوج من هذه العائلة." ضحك والد ريناد: "تزوج ابنتي أولًا، وبعدها نتفاوض على الوصفات." ضحك الجميع. أما ريناد، فعادت إليها تلك الحرارة الغريبة للحظة، مصحوبة بإحساس جوع لم يكن لها. وصلت وهج لبيتها وحينما دخلت غرفة نومها، كان ياسر غارقًا في النوم. أغلقت الباب برفق، وبدأت تنزع أقراطها أمام المرآة: "ياسر." لم يتحرك: "هل أنت مستيقظ؟" صمت. ابتسمت: "ياسر... هل أنت مستيقظ؟" فتح عينًا واحدة: "الآن أنا كذلك." ضحكت وهي تخلع ثوب السهرة وتستبدله بملابس نوم مريحة: "كان العرض رائعًا." اعتدل قليلًا فوق الوسادة: "أعجبهم الفيلم؟" _ "كثيرًا. تصفيق وصراخ وصور، ومعتصم يتصرف كأنه اكتشف السينما." _ "إذن ليلة عادية." استلقت إلى جواره: "ثم أمضى الطريق ينتقد وزن إحدى الممثلات، وبعدها قرر أن أفضل ختام لليل هو محاولة إقناعي بالدخول إلى بيته." رفع ياسر حاجبه: "حقًا؟" _ "أعتقد أن الوقت حان لاستبداله." _ "الممثل؟" _ "نعم." _ "بسبب التمثيل أم لأنه يحاول إغواء البطلة؟" ضربته بخفة على كتفه: "هو لا يشك حتى إن كنت مرتبطة أم لا. معتصم فقط يريد الأشياء التي لا يستطيع الحصول عليها." قال ياسر: "وهذه المرة لا يستطيع الحصول عليك." اقتربت منه وهج: "لأن قلبي للأسف مملوك لرجل مثير يرتدي نظارة، ولديه هذه الحركة المتعالية..." رفعت إصبعها إلى نظارته الموضوعة على الطاولة، ثم قلدته وهو يدفعها إلى أعلى أنفه. ضحك ياسر: "أنا لا أفعل ذلك." _ "تفعله كل خمس دقائق." أحاطها بذراعه: "خذي الرجل المثير صاحب النظارة معك في العرض القادم." اختفت بعض ابتسامتها: "تعرف أنني لا أستطيع." _ "أعرف." _ "لو ظهرت معك مرة واحدة ستبدأ الأسئلة. ثم الصور، ثم الصحافة، ثم لماذا أخفيتك، ومنذ متى، ولماذا أنت، ولماذا لست معتصم..." قال ياسر بهدوء: "أعرف يا وهج." وضعت رأسها على صدره: "أكره أن أخفيك." أجاب: "وأنا أكره أن أراك مع رجل آخر على أغلفة المجلات." رفعت رأسها نحوه: "لكنك تعرف الحقيقة." _ "ولهذا ما زلت هنا." أطفأت المصباح. وبعد دقائق، عاد الهدوء. قاد ذلك الجوع سليم بعد وقت إلى مطعم سوري في برلين. جلست المرأة أمامه تراقبه وهو يأكل، ثم قالت: "أنا سعيدة لأنني قابلتك." رفع عينيه إليها: "وأنا أيضًا." ترددت: "هل يعني هذا أننا سنلتقي مرة أخرى؟" توقف سليم قليلًا: "لا أبحث عن علاقة." _ "ولا ارتباط؟" _ "لا." مالت نحوه: "إذن ما الذي تبحث عنه بالضبط؟" كان سليم سيفتح فمه عندما لمح امرأة تسير بين الطاولات. فستان خطوبة. وجه يعرفه ولا يعرفه. ريناد. تحركت بين الزبائن، لكن أحدًا لم يفسح لها الطريق أو يلتفت إليها. إلا سليم. وفي اللاذقية، كانت ريناد قد ابتعدت عن الضيوف وصعدت إلى الطابق الثاني. خرجت إلى الشرفة لتلتقط أنفاسها، ثم نظرت إلى ساحة المنزل. رأت رجلًا واقفًا في الأسفل. رفع رأسه. سليم. وفي برلين، رفعت ريناد عينيها إليه. التقت نظراتهما عبر مدينتين. لم يعرف أي منهما اسم الآخر، لكن كليهما شعر بتلك المعرفة المستحيلة نفسها. _ "سليم؟" لم يجب المرأة: "سليم." رمش. _ "أين ذهبت؟" تبعت المرأة نظرته نحو المكان الفارغ، ثم ابتسمت بشك: "هل أنت مرتبط بشخص أخرى؟" ظل ينظر إلى ريناد وهي تتلاشى بين طاولات المطعم. ثم قال: "لا." وعادت عيناه إلى المرأة أمامه: "ليس لدي أي امرأة. ولا توجد علاقة." في اللاذقية، بقيت ريناد وحدها فوق الشرفة، لا تفهم لماذا سمعت إجابته بوضوح. وهج وياسر قد عادوا إلى النوم حين رن جرس الباب. فتحت وهج عينيها. نظرت إلى الساعة. منتصف الليل تقريبًا. رن الجرس مرة أخرى. نهضت وهي تتمتم بانزعاج، ونزلت إلى الطابق السفلي. عندما نظرت عبر ثقب الباب، كادت تسب بصوت مرتفع. معتصم. والزجاجة ما زالت في يده. فتحت الباب قليلًا: "ماذا تفعل هنا؟" _ "لم أنم." _ "اذهب وحاول." _ "قلت نكمل السهرة." _ "معتصم، لا." انتبهت إلى شابين عند نهاية الشارع تعرفا إليه. رفع أحدهما هاتفه، وبدأ الآخر يقترب. وهج تعرف جيدًا ماذا يمكن أن تفعل صورة واحدة: معتصم أمام منزل وهج بعد منتصف الليل. فتحت الباب بسرعة: "ادخل." ابتسم منتصرًا: "كنت أعرف—" _ "دخلت حتى لا تصنع فضيحة في الشارع." أغلقت الباب: "والآن اذهب، الوقت متأخر جدأ." رفع الزجاجة: "كأس واحد." _ "لا أريد." اتجه نحو المطبخ: "سأحضر كأسين." _ "معتصم، ليس الآن وليس هنا." توقف. نظر حوله إلى الصالة، ثم ابتسم وكأنه فهم قصدًا آخر تمامًا: "صحيح." تنفست وهج براحة سابقة لأوانها. أشار إلى الدرج: "ليس هنا." اتسعت عيناها: "معتصم، لا—" _ "فوق أفضل." بدأ يصعد. _ "معتصم لا!" لم يتوقف. أسرعت خلفه وهي تحاول إبقاء صوتها منخفضًا: "انزل حالًا." وصل إلى الطابق الثاني قبلها، ورأى باب غرفة النوم نصف مفتوح. دفعه. وتوقف. كان ياسر جالسًا فوق السرير، نصف متعري، مستيقظًا تمامًا هذه المرة. وهو يضع نظارتهُ. تلاشت ابتسامة معتصم. نظر إلى ياسر، ثم إلى السرير، ثم إلى وهج التي وصلت خلفه. ولثوانٍ لم يتحرك أحد. خفض معتصم الزجاجة ببطء. وعلى وجهه ظهر إدراك لم يكن موجودًا قبل لحظة. لقد عرف الآن لماذا كانت وهج ترفضه دائمًا.