شبكة8العقول - ما بين الأصوات

الفصل 5: القسم الرابع_ امرأة لا تستطيع إطفاء الضوء

القسم الرابع: امرأة لا تستطيع إطفاء الضوء

كانت الخرطوم في المساء تبدو كمدينة تتنفس بحرارة بطيئة. الهواء ثقيل قليلًا، يحمل رائحة النيل المختلطة بالغبار والدخان والتوابل، بينما تنعكس أضواء السيارات فوق الشوارع المكتظة كأنها خطوط نار تتحرك بلا توقف. أصوات الناس لا تهدأ؛ باعة، أبواق سيارات، ضحكات، وموسيقى بعيدة تخرج من المقاهي المفتوحة حتى وقت متأخر، كأن المدينة تخاف الصمت. داخل استوديو التصوير، كان كل شيء أكثر سخونة. الأضواء القوية المعلقة فوق الكاميرات جعلت الهواء خانقًا، ورائحة مستحضرات التجميل والعرق والقهوة الباردة امتزجت داخل المكان المغلق حتى صار التنفس متعبًا. عشرات الأشخاص يتحركون بسرعة؛ مساعدو الإخراج، مصففو الشعر، عامل الإضاءة الذي يصرخ لأن أحدهم حجب الكاميرا، والمخرج الجالس خلف الشاشة يضغط أصابعه بعصبية فوق الطاولة. وفي منتصف كل ذلك—كانت وهج تحاول ألا تنهار.جلست أمام المرآة داخل غرفة المكياج، تحدق في انعكاسها بصمت بينما كانت خبيرة التجميل تعدل المسحوق تحت عينيها للمرة الثالثة خلال أقل من ساعة. _"عيونكِ حمراء مجددًا." قالت المرأة وهي تتنهد. "هل نمتِ أصلًا؟" أومأت وهج بخفة دون اقتناع. في الخارج، كان صوت المخرج يرتفع: "جاهزون؟! نعيد المشهد!"أغمضت عينيها للحظة. الصداع عاد مجددًا. ذلك الألم الثقيل خلف رأسها، كأن شيئًا يضغط على عقلها من الداخل ببطء. في الأيام الأخيرة لم يعد الأمر مجرد إرهاق أو ضغط تصوير. كان هناك شيء غريب يحدث لها؛ أشياء لا تستطيع تفسيرها، أصوات تسمعها أحيانًا وسط الصمت، ومشاعر لا تخصها تقتحمها فجأة حتى وهي جالسة وحدها. _"وهج؟" رفعت رأسها.كان معتصم الريح يقف عند الباب.ممثل معروف، وسيم، هادئ بطريقة تجذب الناس إليه بسهولة. كان شريكها في البطولة منذ أشهر، وخلال تلك الأشهر لم يتوقف عن محاولة الاقتراب منها. لم يكن خفيف الظل أو مزعجًا مثل بقية الرجال الذين اعتادتهم في الوسط الفني، بل كان صادقًا أكثر مما ينبغي، وهذا بالضبط ما جعلها تبتعد. اقترب منها بابتسامة خفيفة. _"هل أنتِ بخير؟" _"بخير." _"هذا الكذب نفسه كل مرة." لم ترد.جلس على الكرسي المقابل لها: "اسمعي... بعد التصوير، هناك مطعم جديد فتح قرب النيل. يمكننا—"_"معتصم..." قاطعته بهدوء متعب. فهم قبل أن تكمل. خفض عينيه مبتسمًا بمرارة صغيرة: "حسنًا... كالعادة."كانت تكره تلك اللحظات. ليس لأنه سيئ... بل لأنه جيد. ولأنها لم تعد تريد أن تمنح أحدًا مساحة داخل حياتها. الشهرة سرقت منها ذلك منذ زمن.الصحافة.الكاميرات.المعجبون.الإشاعات.حتى الحب صار يبدو وكأنه مادة للفضائح أكثر من كونه شعورًا حقيقيًا. ولهذا أخفت الشيء الوحيد الحقيقي في حياتها. حبيبها. الرجل الذي لم يعرف أحد بوجوده. أستاذ جامعي هادئ اسمه ياسر الكيلاني، التقت به صدفة في ندوة ثقافية منذ عام تقريبًا. لم يكن يشبه الوسط الفني أبدًا، لم يكن مبهورًا بها، ولم يعاملها كنجمة. كان يتحدث معها كإنسانة عادية، وربما لهذا السبب أحبته.معه فقط... كانت تستطيع أن تكون وهج، لا "النجمة وهج". _"أماكنكم!" صرخ المخرج. دخلت وهج موقع التصوير.المشهد كان رومانسيًا ومؤثرًا؛ امرأة تواجه الرجل الذي تحبه بعد سنوات من الفراق. كان يفترض أن تبكي في نهاية الحوار... لكن ليس هكذا. وقفت أمام معتصم بينما الكاميرات تتحرك ببطء حولهما. _"أكشن!" بدأ الحوار. في البداية، كان كل شيء طبيعيًا. ثم— شعرت بالبرد. برد غريب جدًا. كأن ثلجًا يمر داخل عظامها. اتسعت عيناها للحظة. ثم جاءت حرارة خانقة بعدها مباشرة. ورائحة مطر. مطر حقيقي. لكن الخرطوم لم تكن تمطر. ارتجفت أنفاسها. المشهد أمامها بدأ يتشوش.معتصم يتحدث... لكنها لم تعد تسمع كلماته بوضوح. بل سمعت—موسيقى إلكترونية صاخبة. صفارات شرطة. صوت قطار بعيد. أنفاس رجل يدخن قرب نافذة. ثم—رأت وجوهًا. غرباء. لكن مألوفين بطريقة مرعبة. رجل بعينين متعبتين في شقة مظلمة. امرأة ترتدي زي الشرطة. فتاة آسيوية تبكي داخل قاعة تدريب. طبيبة في مستشفى. فتاة خلف أجهزة موسيقى. ومدرسة تقف وسط صف مغطى بالثلج. شعرت بالاختناق. ثم بدأت تبكي. بكاء حقيقي. ليس تمثيلًا. دموع خرجت بعنف حتى إنها لم تستطع إيقافها. _"قطع!" صرخ المخرج. ساد الصمت._"وهج؟!" أحدهم اقترب منها بسرعة. لكنها لم تستطع الكلام. كانت تبكي فقط. لا تعرف لماذا. ولا لمن. بعد نصف ساعة، أعادوا المشهد. ثم مرة أخرى. وفي كل مرة— كانت تصل إلى نفس اللحظة... ثم تنهار. كأن قلبها يمتلئ فجأة بحزن لا يخصها وحدها. وفي المرة الرابعة، بينما كانت الكاميرا قريبة من وجهها، رأت امرأة تقف خلف فريق التصوير. امرأة حافية القدمين. مبللة بالمطر. تنظر إليها مباشرة. توقفت أنفاس وهج. المرأة همست: "لقد بدأتم..." ثم اختفت.صرخت وهج دون وعي. وتوقف التصوير بالكامل. ___________________________________________________ بعد انتهاء العمل، جلست في السيارة بصمت بينما أضواء الخرطوم تمر خلف الزجاج كأشباح ملونة. وهي تقود بهدوء، تتحدثُ هاتفياً عبر مكبر الصوت وهي متوقفٌة عند إشارة المرور: "أنا فقدت موهبتي..." قالت بصوت مكسور. على الطرف الآخر، جاء صوت ياسر هادئًا ودافئًا: "وهج... اسمعيني. أنتِ مرهقة فقط." _"لا... هناك شيء خطأ."_"صداع وتوتر وضغط تصوير، هذا كل شيء."أغمضت عينيها: "أنا أرى أناسًا لا أعرفهم." ساد الصمت للحظة._"ماذا؟" رفعت رأسها نحو الإشارة الحمراء أمام السيارة. ثم تجمدت. لأنها لم تعد داخل السيارة وحدها. كانت هناك فتاة تجلس بجوارها. آسيوية. وجهها متعب وعيناها حمراوان من البكاء. نون. رغم أنها لا تعرف اسمها بعد. التفتت الفتاة إليها ببطء. وفي اللحظة نفسها—وجدت وهج نفسها داخل قاعة تدريب في جيجو. رأت الأرضية الخشبية. شعرت ببرودة المكان. وسمعت أنفاس نون المرتجفة... وشعرت بحزنها كأنه حزنها هي.ثم بدأت تبكي مجددًا.بقوة.بعنف. _"وهج؟!" جاء صوت ياسر من الهاتف.لكن السيارات خلفها بدأت تزمر بجنون. الإشارة أصبحت خضراء. التفتت إليهم مرتبكًا. _""تحركِ!"واخر يقول: "ألا ترى الإشارة؟ ارتفع صوت الأبواق أكثر. ضغط داخل رأسها صار لا يُحتمل. الدموع. الرؤى.الأصوات.صوت ياسر.أصوات السيارات.كل شيء اختلط. ضج الشارع بأصوات التزمير والشتائم بعد أن تجمدت وهج في مكانها. _"اصمتوا!" صرخت فجأة على السيارات خلفها بعصبية وغضب. حتى السواق المركبات التي بجانبها ارتبكوا من شكلها. ثم—اختفت الرؤية. وعادت إلى السيارة. لكن قلبها... لم يعد كما كان. _______________________________________________________________ في الليل، عادت إلى بيتها.خلعت حذاءها بصمت، والممر الطويل كان مظلمًا إلا من ضوء خافت يأتي من غرفة الجلوس. دخلت غرفتها وأغلقت الباب بسرعة، ثم استندت عليه كأنها تهرب من شيء دخل معها إلى الداخل. أنفاسها متسارعة. الصداع يزداد. وفجأة— بدأت ترى الوجوه مجددًا. ليس كصور خاطفة هذه المرة. بل كأنهم داخل الغرفة معها.الرجل عند النافذة. وهو يحمل سجائرة والتعب في عينيهِ ضابطة الشرطة. رات فتاة وسط أضواء ملونة وصوت موسيقى يتصاعد من سماعات ضخمة. الطبيبة. المدرسة. الفتاة في قاعة التدريب. والآخرون. ثم—وجدت نفسها واقفة وسط شارع مظلم تحت المطر. نفس الشارع. نفس المرأة الحافية. ورأت الجميع هناك. سليم. ميرين. نون. آيلين. ريناد. مها. تقوى. كلهم ينظرون حولهم بصدمة. والمرأة المبللة بالمطر تقف في المنتصف. تنظر إليهم بحزن عميق. ثم قالت: "أنتم تسمعون بعضكم الآن..." ارتجفت وهج بعنف. وشعرت لأول مرة في حياتها... أن العالم الذي عرفته كله ربما لم يكن حقيقيًا بالكامل.

ختام الفصل الأول...