القسم الثالث: إيقاع لا ينام
كانت الليالي في الأناضول مختلفة عن أي مكان آخر، كأنها تعيش بشخصيتين متناقضتين في الوقت نفسه. في النهار تبدو المدن هادئة، ممتلئة برائحة القهوة التركية والخبز الساخن وأصوات الباعة والطلاب والعائلات التي تمشي ببطء بين الأزقة القديمة، لكن حين يأتي الليل... يتغير كل شيء. تصبح الشوارع أكثر لمعانًا، الموسيقى أعلى، والوجوه أقل صدقًا.في الطابق العلوي من بيت واسع يطل على حي راقٍ مليء بالأشجار والمنازل الهادئة، كانت آيلين تقف أمام المرآة وهي تضع محدد العيون بسرعة بينما ينعكس ضوء المدينة خلفها فوق الزجاج. كانت ترتدي ملابس سوداء بسيطة لكنها أنيقة، وسماعات كبيرة معلقة حول رقبتها، بينما تنتشر فوق سريرها دفاتر الجامعة بجانب أسلاك وأجهزة صغيرة وعلب مشروبات طاقة فارغة. على الطاولة القريبة، كان هاتفها يهتز دون توقف.رسائل من زملاء الجامعة.إشعارات من متابعيها.صور من الحفل الليلي الذي ينتظرها بعد ساعات. لكن قبل أن تلمس الهاتف—دخلت والدتها الغرفة دون طرق الباب.كانت السيدة ليلى أوزدمير امرأة تعرف كيف تجعل أي مكان يبدو رسميًا بمجرد دخولها إليه. شعر مرتب بعناية، عطر هادئ وثقيل في الوقت نفسه، وملابس أنيقة حتى داخل البيت، كأن الضيوف قد يصلون في أي لحظة. كانت تنتمي إلى ذلك النوع من العائلات التي ترى أن السمعة تُبنى من التفاصيل الصغيرة؛ طريقة الكلام، شكل الطاولة، نوع الموسيقى، وحتى طريقة جلوس الابنة أمام الناس. نظرت إلى الغرفة للحظة طويلة. ثم إلى السماعات. ثم إلى دفاتر الجامعة المفتوحة بإهمال: "هل ستخرجين مجددًا الليلة؟"لم تلتفت آيلين: "لدي عمل." _"هذا ليس عملًا." قالتها أمها بهدوء بارد أكثر إيلامًا من الصراخ. أغلقت آيلين علبة المكياج بعنف خفيف: "الناس يدفعون لي." _"والناس يدفعون للمهرجين أيضًا." ساد الصمت للحظة.في الأسفل، كان صوت البيانو يأتي خافتًا من الصالون الكبير. مقطوعة كلاسيكية حزينة، عزفتها والدتها مئات المرات حتى أصبحت جزءًا من البيت نفسه. ليلى أوزدمير لم تكن مجرد امرأة محافظة؛ كانت عازفة بيانو معروفة، تعاقدت مع مسارح أوبرا وظهرت في حفلات رسمية كثيرة، وكانت ترى الموسيقى فنًا راقيًا يُعاش بالانضباط والاحترام... لا بالصخب والنوادي والليالي الملوثة بالدخان.ولهذا كانت ترى ما تفعله ابنتها... إهانة: "درجاتك انخفضت هذا الفصل." قالت وهي تعقد ذراعيها. "والجامعة ليست لعبة." _"أعرف." _"لا، أنتِ لا تعرفين." اقتربت منها: "أنتِ ذكية يا آيلين... ويمكن أن تكوني شيئًا مهمًا. لكنكِ تضيعين نفسك مع هؤلاء الناس."كانت تقصد أصدقاء النوادي. تعرفهم جيدًا، أو على الأقل تعتقد أنها تعرفهم. شباب لا ينامون قبل الفجر. فتيات يضحكن بصوت عالٍ ليخفين هشاشتهن. مخدرات تمر بين الأيدي وكأنها سجائر عادية. وأكثر ما كانت تكرهه... أن ابنتها بدأت تشبههم. "أغلقي هاتفك الليلة." قالت أمها فجأة. التفتت آيلين إليها: "ماذا؟" _"أغلقي كل شيء. الحسابات، الرسائل، هذه الفوضى كلها." ضحكت آيلين بسخرية مرهقة: "أمي... هذا عملي." _"دراستك هي عملك." ثم أضافت ببرود: "لن تعيشي حياتك كلها داخل النوادي المظلمة." لو كانت تعرف فقط...أن ابنتها بدأت تشعر أصلًا أن الظلام انتقل إلى داخل رأسها. __________________________________ في الجامعة، كانت آيلين شخصًا آخر.طالبة هادئة غالبًا، تجلس قرب النافذة، تسجل الملاحظات بسرعة، وتحاول أن تبدو مركزة أكثر مما هي عليه فعلاً. لكنها في الأشهر الأخيرة بدأت تفقد السيطرة على حياتها تدريجيًا.السهر.الدراسة.الحفلات.الضغط المستمر. كل شيء صار فوق بعضه. ولهذا بدأت الحبوب. في البداية مجرد "شيء يساعد على التركيز". ثم شيئًا يساعد على البقاء مستيقظة. ثم شيئًا تحتاجه... حتى تشعر أنها قادرة على التنفس. في كافتيريا الجامعة، كانت تجلس مع صديقتها المقربة ديريا، فتاة تضحك كثيرًا وتدخن أكثر، بينما كان شابان من أصدقائهما يتجادلان بصوت مرتفع حول حفلة نهاية الأسبوع القادمة. _"ستحرقين نفسك بهذا النظام." قالت ديريا وهي تراقبها تفتح علبة صغيرة تحت الطاولة. _"أنا بخير." _"أنتِ لستِ بخير." أخذت آيلين الحبة مع رشفة قهوة باردة. ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة مصطنعة: "الآن أصبحت بخير." لكن حتى جسدها... لم يعد يصدقها. ____________________________________ في الليل، كان النادي يهتز بالموسيقى.الأضواء تتحرك فوق الوجوه كألوان حلم مكسور، والدخان يملأ الهواء حتى يصبح التنفس نفسه جزءًا من الإيقاع. الناس يرقصون كأنهم يحاولون الهرب من شيء لا يستطيعون تسميته. وقفت آيلين خلف منصة الـDJ. يديها تتحركان بثقة فوق الأجهزة، والموسيقى الإلكترونية ترتفع تدريجيًا حتى صار الإيقاع يشبه نبضًا هائلًا داخل المكان كله.الجميع يصرخ.الجميع يرقص. لكن داخل رأسها... كان هناك شيء آخر. في البداية، ظنته الإرهاق. ذلك الضغط الخفيف خلف عينها اليسرى. ثم تحول إلى ألم حاد. وضعت يدها على رأسها للحظة، لكن الموسيقى استمرت. الناس لم يلاحظوا شيئًا. إلا أنها فجأة—شعرت بالبرد. برد قاسٍ جدًا. كأن الثلج يلامس رقبتها. ثم حرارة خانقة بعدها مباشرة. ثم رائحة مطر. مطر حقيقي. رغم أن النادي كان مغلقًا بالكامل. توقفت يداها فوق الأجهزة. الإيقاع اختلط بأصوات أخرى. صفارات شرطة. أنفاس رجل يدخن قرب نافذة. صوت امرأة تبكي. ضوء أبيض داخل مستشفى. ثم— رأتهم.وجوه غريبة. لكن مألوفة بشكل مرعب. رجل بعينين متعبتين يقف في شقة مظلمة. امرأة ترتدي زي الشرطة وتنظر حولها بتوتر. طبيبة ترفع رأسها فجأة كأنها سمعت اسمها. فتاة آسيوية داخل قاعة قتال. امرأة سودانية أمام الكاميرا. مدرسة تقف وسط صف مغطى بالثلج خلف النوافذ. اتسعت عيناها. الموسيقى ما زالت تعمل... لكنها لم تعد تسمعها جيدًا. ثم ظهرت المرأة. نفس المرأة. شعر مبلل بالمطر. قدمان حافيتان. عيناها مليئتان بذلك الحزن الغريب الذي يبدو أقدم من العالم. كانت تقف هذه المرة داخل النادي نفسه. وسط الناس. لكن لا أحد يراها. لا أحد غير آيلين. شعرت أن قلبها توقف للحظة. المرأة اقتربت ببطء. _"لقد بدأتم..." همست. ثم—اختفى كل شيء. وجدت نفسها فجأة في مكان أبيض. صامت. واسع بلا نهاية. وكانوا هناك. كلهم.ثمانية أشخاص ينظرون حولهم بصدمة، كأنهم انتزعوا من أماكن مختلفة وأُلقي بهم داخل نفس الحلم.أنفاسها تسارعت. ثم رأت ميرين. نفس المرأة التي رأتها قبل لحظات داخل رؤيتها. نظرتا إلى بعضهما مباشرة. لا تعرف اسمها. ولا من تكون. لكن شيئًا عميقًا داخلها... عرفها. وفي اللحظة نفسها—شعرت ميرين بالأمر ذاته. كأنهما تتذكران بعضهما من حياة لم تعاش أصلًا. _"من أنتم...؟" خرج صوت آيلين مرتجفًا. لكن قبل أن يجيب أحد—اهتز المكان كله. وجاء ذلك الصوت المعدني العميق من الظلام البعيد. ثم— عادت فجأة إلى النادي. الموسيقى انفجرت داخل أذنيها بقوة. الناس ما زالوا يرقصون. لكنها لم تعد قادرة على الوقوف.تراجعت خطوة، اصطدمت بالطاولة خلفها، وأنفاسها تتسارع بعنف. _"آيلين!" ديريا أمسكت ذراعها: "ما بكِ؟!" رفعت آيلين رأسها ببطء. والرعب يملأ عينيها. لأنها كانت تعرف شيئًا واحدًا فقط... ما رأته لم يكن هلوسة. ولم يكن بسبب الحبوب. كان حقيقيًا.