شبكة8العقول - ما بين الأصوات

الفصل 3: القسم الثاني_ الرماد الذي لا يبرد

القسم الثاني: الرماد الذي لا يبرد

لم تكن الموصل مدينة تُنسى بسهولة. حتى بعد الخراب... بقي فيها شيء حي، شيء يشبه الروح التي ترفض مغادرة الجسد مهما أثقله الألم. في الصباح الباكر، كانت المدينة تستيقظ ببطء تحت ضوء شاحب يميل إلى الغبار أكثر من الشمس. أصوات الباعة تبدأ أولًا، ثم السيارات القديمة، ثم أبواب المحلات المعدنية وهي تُفتح واحدة تلو الأخرى، كأن المدينة تعيد تركيب نفسها كل يوم رغم التعب.رائحة الخبز الحار تختلط برائحة الدخان والعادم والتراب الرطب القادم من الأزقة القديمة، بينما يقف نهر دجلة هادئًا كشيخ عجوز رأى من الدم ما يكفي ليصمت إلى الأبد. في مركز الشرطة الواقع قرب شارع مزدحم بالأسواق، كانت ميرين تقف أمام المرآة الصغيرة داخل غرفة الاستراحة، تعدّل ياقة زيها الرسمي بصمت.الزي كان مرتبًا دائمًا. الحذاء الأسود لامع. الشعر مربوط بإحكام.لكن عينيها... كان فيهما شيء لا يستطيع النظام العسكري إخفاءه.تعب قديم. خلف الباب، كانت أصوات الضباط تختلط برنين الهواتف وصفارات أجهزة الاتصال وضحكات متقطعة تأتي وتموت بسرعة، ذلك النوع من الضحك الذي يولد داخل الأماكن المرهقة فقط؛ ضحك الناس الذين يشاهدون القبح يوميًا ويحاولون ألا يتحولوا إليه. _"ميرين!" جاء الصوت من الخارج.فتحت الباب.كان رائد الشمري ينتظرها قرب الممر، يحمل كوب شاي ورقيًا بيد وملفًا بالأخرى. طويل القامة، في منتصف الثلاثينات، وعلى وجهه ملامح رجل ينام أقل مما ينبغي. كان شريكها في الدوريات منذ أكثر من عامين، وربما الشخص الوحيد داخل المركز الذي يتحدث معها دون أن يزن كل كلمة. _"البلاغ جاء قبل عشر دقائق." قال وهو يناولها الملف:"شجار مسلح قرب حي المجموعة الثقافية."أخذت الملف دون تعليق. _"أتعلمين؟" أضاف مبتسمًا بخفة، "أقسم أن المشاكل تنتظر يوم إجازتي تحديدًا." لم تبتسم.لكن زاوية فمها تحركت قليلًا، بالكاد.وهذا بالنسبة للرائد... كان كافيًا. سارا معًا في الممر الطويل. ضباط يتحركون بسرعة، أوراق تتنقل بين الأيدي، وشاشة كبيرة في آخر القاعة تعرض أسماء مطلوبين وصورًا باهتة التقطتها كاميرات رديئة. أحد العناصر حيّاها باحترام، بينما آخر خفض صوته عندما مرت.ميرين اعتادت ذلك. اعتادت النظرات. الهمسات. الصمت الذي يأتي فجأة حين تدخل غرفة. لم يكونوا يقولون شيئًا مباشرًا... لكن الجميع يعرف السبب.اسم والدها.اللواء محمد الحصيري.الرجل الذي كان يومًا واحدًا من أكثر الضباط احترامًا داخل الشرطة، قبل أن تنتشر الإشاعات كالنار: خائن. باع معلومات. تعاون مع جهات مجهولة. لم يظهر دليل حقيقي أبدًا، لكن في هذا البلد، أحيانًا تكفي الإشاعة لتقتل الحقيقة.حتى بعد تقاعده بسبب المرض، ظل اسمه يتبع العائلة كظل ثقيل لا يرحل.ولهذا انضمت ميرين إلى الشرطة. ليس حبًا بالسلاح. ولا بالسلطة... بل لأنها كانت تعرف شيئًا واحدًا فقط في أعماقها:والدها بريء. وكان عليها أن تثبت ذلك... حتى لو بقيت وحدها. خرجت مع رائد الشمري إلى ساحة المركز. الهواء بارد قليلًا، والسماء مغطاة بغيوم خفيفة. سيارة الشرطة كانت تنتظر قرب الباب الخارجي، محركها يعمل بصوت منخفض.ركبت في المقعد الأمامي، وأغلقت الباب بقوة أخف مما تشعر به. انطلقت السيارة وسط الشوارع المزدحمة. الأطفال يركضون قرب الأرصفة، الباعة ينادون بأصوات مرتفعة، ودخان المطاعم الصغيرة يصعد إلى السماء محملًا برائحة اللحم المشوي والبهارات الثقيلة. المدينة كانت تبدو حية، لكن الحياة هنا دائمًا تحمل توترًا خفيًا، كأن الجميع ينتظر شيئًا سيئًا قد يحدث في أي لحظة. _"هل زرتِ والدك اليوم؟" سأل رائد دون أن ينظر إليها.بقيت صامتة لثوانٍ. _"قبل الدوام." _"كيف حاله؟" نظرت من النافذة._"يتظاهر بأنه بخير."فهم رائد المعنى دون شرح. __________________________________________________________ في البيت، كان المرض يأكل الرجل ببطء.اللواء محمد لم يعد يشبه صورته المعلقة داخل غرفة الجلوس بزيه العسكري ونظرته الحادة. الجسد الذي كان يومًا صلبًا أصبح أضعف، والحركة صارت أبطأ، لكن عينيه...عينيه بقيتا كما هما. هادئتين... ومتعبتين. في الصباح، قبل خروجها للعمل، كانت قد دخلت غرفته بهدوء.رائحة الدواء والمعقمات تملأ المكان، والستائر نصف مفتوحة تسمح لضوء رمادي بالدخول فوق الأثاث القديم. كان جالسًا قرب النافذة ملفوفًا ببطانية ثقيلة، يراقب الحديقة الصغيرة بصمت. _"أنتِ متعبة." قال دون أن يلتفت. _"وأنت عنيد." ابتسم بخفة._"تشبهين أمك حين تغضبين." اقتربت منه، عدلت الوسادة خلف ظهره. _"هل أخذت الدواء؟" _"أخذته." كانت تعرف أنه يكذب. كما يعرف هو أنها تعرف. لكن أحيانًا، كان الصمت أرحم من الحقيقة. وقبل أن تغادر، أمسك يدها فجأة. يده كانت باردة. _"ميرين..." التفتت إليه.ظل ينظر إليها للحظة طويلة، كأنه يريد أن يقول شيئًا مهمًا... ثم تراجع._"لا تدعي هذا المكان يسرق قلبك." لم تفهم تمامًا ما قصده. لكن الجملة بقيت معها طوال اليوم. ___________________________________________________________ توقفت سيارة الشرطة بعنف قرب الزقاق المطلوب.أصوات صراخ.تجمهر.رجل ينزف قرب الجدار.نزلت ميرين بسرعة، يدها على سلاحها. _"ابتعدوا!" رائد بدأ يبعد الناس بينما تقدمت هي للأمام. قلبها صار أسرع. ليس خوفًا.شيء آخر. ذلك الإحساس الغريب الذي بدأ يزورها منذ ساعات الصباح.ضغط خلف عينها. ثم—الصداع عاد. أقوى. وضعت يدها على رأسها للحظة._"ميرين؟" صوت رائد بدا بعيدًا جدًا. وفجأة—شعرت بحرارة خانقة تضرب جسدها. حرارة جافة... ثقيلة... كأن الشمس فوقها مباشرة. ثم تبدلت فورًا إلى برد حاد جعل أنفاسها تتجمد داخل صدرها. اتسعت عيناها. :"ما الذي يحدث؟" ثم جاء المطر. صوت مطر غزير. واضح جدًا. لكن السماء فوق الموصل... لم تكن تمطر. توقفت أنفاسها. والعالم حولها بدأ يتشوش. الوجوه. الأصوات. الشارع. كل شيء صار بعيدًا... كأنه يُسحب منها ببطء. ثم—رأت رجلًا يقف أمام نافذة في مدينة لا تعرفها. دخان سيجارة. عينان متعبتان.وبرودة غريبة في المكان. شعرت بقلبه. بخوفه. حتى بثقل أنفاسه. كأنه ليس غريبًا. كأنها... تعرفه منذ زمن.ثم ظهرت وجوه أخرى بسرعة خاطفة. فتاة آسيوية داخل قاعة قتال. امرأة أمام كاميرا. طبيبة ترتدي معطفًا أبيض. موسيقى صاخبة وأضواء ملونة.ثلج خلف نافذة بعيدة. ثم—هي. المرأة.المرأة التي رأتها للحظة في الفراغ الأبيض داخل حلم الليلة الماضية. شعر أسود مبلل بالمطر. قدمان حافيتان. عينان مليئتان بحزن لا يشبه أي حزن بشري. كانت تقف وسط شارع مظلم وتنظر إليها مباشرة. لا... ليس إليها وحدها. كأنها تنظر إلى الجميع في الوقت نفسه.شعرت ميرين بقشعريرة تسري في جسدها كله. الغريبة بدت مألوفة بطريقة مرعبة. كأنها شخص رأته قبل سنوات... ونسيه عقلها لكن لم ينسه قلبها. فتحت المرأة فمها. وقالت بهدوء:_"لقد بدأ الاتصال..." ثم—صرخة. صوت معدني عميق اهتز له العالم كله. ارتجفت ميرين بعنف. وعادت فجأة.الشارع.الصراخ.رائحة الدم والغبار.أنفاسها كانت متقطعة، ويديها ترتجفان حول السلاح. _"ميرين!" رائد أمسك كتفها. _"ما الذي يحدث لك؟!" نظرت إليه كأنها خرجت للتو من حلم طويل. لكن المشكلة... أنها لم تشعر أنه حلم. رفعت رأسها ببطء.وفي الجهة الأخرى من الشارع— رأت لثانية واحدة فقط... الرجل الذي كان عند النافذة. نفس الوجه. نفس العينين. كان ينظر إليها وسط الزحام. ثم اختفى.تجمد الدم في عروقها. لأنها كانت تعرف شيئًا واحدًا فقط: لم تره في حياتها أبدًا... ومع ذلك— كانت متأكدة أنها تعرفه.يتبع...