شبكة8العقول - ما بين الأصوات

الفصل 2: الفصل الأول_ الصدع

الفصل الأول_الصدع

القسم الأول: ما قبل الارتطام____________________

لم تكن برلين مدينة تمنح أحدًا شعور الانتماء بسهولة. كانت مدينة باردة حتى في دفئها، صاخبة حتى في صمتها، وكأنها بُنيت من بقايا أشياء كثيرة تحطمت ثم أُعيد ترتيبها بطريقة لا تزال تحمل آثار الكسر. في الليل، كانت تبدو أجمل... وأكثر قسوة. الأمطار القديمة تركت لمعانًا خافتًا فوق الإسفلت، والهواء البارد كان يتحرك بين الأزقة الضيقة حاملًا رائحة الدخان والبيرة والرطوبة، ورائحة محطات المترو التي لا تنام أبدًا. أضواء المحلات تنعكس فوق الشوارع المبللة، وأصوات الموسيقى البعيدة تتداخل مع ضحكات متقطعة وصوت قطار يمر تحت المدينة كوحش معدني لا يتوقف. في الطابق الثالث من مبنى قديم قرب شارع جانبي مزدحم بالمقاهي الرخيصة، كانت هناك شقة صغيرة يتشاركها سليم وجوليان. الشقة لم تكن فوضوية... لكنها لم تكن مريحة أيضًا. أثاث بسيط، جدران رمادية، مطبخ ضيق دائم الامتلاء بأكواب القهوة الفارغة وعلب السجائر، وستائر ثقيلة تحجب معظم ضوء النهار، كأن المكان نفسه لا يحب أن يُرى بوضوح. وقف سليم أمام النافذة المفتوحة قليلًا.الدخان يتصاعد ببطء من سيجارته، يختلط ببخار أنفاسه في الهواء البارد. كان يرتدي قميصًا أسود بأكمام مطوية، وعلى ذراعه آثار ندوب قديمة لا يلاحظها إلا من يقترب كثيرًا. في الداخل، كان صوت الموسيقى الألمانية القديمة يأتي خافتًا من غرفة جوليان._"هل ستبقى واقفًا هكذا طول الليل؟" جاء الصوت من خلفه. التفت قليلًا.جوليان خرج من المطبخ حاملًا زجاجتي بيرة، شعره الأشقر مبعثر، وعلى وجهه تلك الابتسامة التي تجعل الجميع يظنون أنه شاب طبيعي... بعيد تمامًا عن القذارة التي يعيش داخلها. رماه بزجاجة._"خذ... تبدو كأنك ستقتل أحدًا." أمسكها سليم دون أن ينظر._"ربما." ضحك جوليان وجلس على الأريكة، ثم رفع صوت الموسيقى أكثر قليلًا. في أي مكان آخر، كان يمكن أن يبدوا كصديقين عاديين يعيشان حياة عادية في برلين. لكن الحقيقة كانت أبعد من ذلك بكثير.المتجر الذي يعملان فيه نهارًا — متجر إكسسوارات نسائية وأطفال — لم يكن سوى واجهة صغيرة لشبكة أكبر بكثير. شبكة لا يعرف عنها أحد شيئًا. حتى الشرطة نفسها لم تكن ترى سوى السطح.أما ما تحت السطح... فكان يخص رجلًا واحدًا. والد جوليان. الرجل الذي تجاوز الخامسة والسبعين، لكنه لا يزال يُخيف رجالًا في الثلاثين والأربعين بمجرد دخوله الغرفة. رجل يملك شركات، وموانئ، وحسابات لا تنتهي، وأسماء داخل السياسة والشرطة وحتى الإعلام. رجل صنع إمبراطورية كاملة من الظلال. ولم يكن أحد يعرف الحقيقة. لا أحد يعلم أنه قتل والده بيده قبل عقود ليأخذ كل شيء. ولا حتى جوليان نفسه. سليم وحده كان يشعر دائمًا أن هناك شيئًا خاطئًا في تلك العائلة. شيئًا أعمق من المال والدم. شيئًا... يشبه اللعنة. أخذ رشفة طويلة من البيرة دون أن يبعد عينيه عن الشارع._"غدًا سنذهب إلى المخزن القديم." قال جوليان. _"أعرف." _"أبي يريد إنهاء الصفقة بسرعة." عند ذكره، ساد صمت قصير. حتى الموسيقى بدت أبعد فجأة. لم يكن سليم يخاف من الرجل... لكنه لم يرتح له يومًا. كان يشعر دائمًا أن عينيه تخفيان شيئًا لا يمكن فهمه بالكامل، كأن الرجل يعرف أكثر مما يجب عن الناس. أكثر مما ينبغي لأي إنسان أن يعرفه.أطفأ سيجارته، ثم أشعل أخرى فورًا. _"ستقتل نفسك بهذا." قال جوليان ساخرًا. لكن سليم لم يرد. لأنه في تلك اللحظة... بدأ شيء غريب يحدث. في البداية كان مجرد صداع خفيف خلف عينه اليمنى. ضغط صغير... ثم ازداد تدريجيًا. وضع يده على رأسه ببطء. _"أنت بخير؟" _"نعم..." لكنه لم يكن بخير. فجأة شعر بحرارة خانقة تضرب جسده، كأنه يقف تحت شمس حارقة في منتصف أغسطس، حرارة جافة تلف أنفاسه وتحرق جلده من الداخل. ثم—اختفت. ليأتي بعدها برد قاسٍ. بارد جدًا. شعر به في أطراف أصابعه وعظامه، كأن نافذة جليدية فُتحت داخل صدره. رأى للحظة بياضًا... ثلجًا خلف زجاج... وأنفاسًا تتصاعد في هواء متجمد. ارتفع رأسه بسرعة. الغرفة ما زالت كما هي. برلين. لكن جسده... لم يعد مقتنعًا بذلك. ثم سمع المطر. صوت واضح جدًا. مطر غزير يضرب الأرض والخشب والنوافذ. لكن خارج نافذته... لم يكن هناك مطر. تجمد مكانه. الموسيقى التي كانت تعمل في غرفة جوليان اختلطت فجأة بإيقاع آخر... غريب... إلكتروني... كأنه قادم من نادٍ مزدحم بعيد جدًا. ثم—صوت امرأة تضحك. وصوت آخر يبكي. ولغات متعددة تتداخل داخل رأسه حتى شعر أن جمجمته لن تتحمل أكثر._"سليم؟" صوت جوليان بدا بعيدًا. بعيد جدًا. العالم حوله بدأ يفقد وضوحه للحظات قصيرة، كأن الصورة تتشوش ثم تعود. أغلق عينيه. وعندها... رآهم.ليس بوضوح كامل. بل كلقطات سريعة خاطفة. امرأة تحمل سلاحًا وتنظر بخوف مخفي خلف قوتها. فتاة آسيوية تتنفس بعنف داخل قاعة قتال. امرأة محجبة ترتدي معطف طبيبة. فتاة تقف وسط أضواء وموسيقى. امرأة سودانية أمام كاميرا تصوير. ومدرسة تمسك طبشورًا وتسقطه فجأة من يدها. ثم—اختفت الصور. فتح عينيه بسرعة. أنفاسه كانت مضطربة._"ما بك بحق الجحيم؟" قال جوليان وهو ينهض. لكن سليم لم يسمعه جيدًا. لأنه حين رفع نظره نحو النافذة... رأى شيئًا جعله يتجمد تمامًا. في الجهة الأخرى من الشارع، وسط المارة... مرت امرأة. لثانية واحدة فقط. لكن قلبه انقبض بعنف. حافية القدمين. ثوبها الطويل التصق بجسدها من المطر، على الرغم بأنه لا وجود للمطر, وشعرها الداكن انسدل على كتفيها مثل حبر سال من سماء مكسورة. كان وجهها شاحبًا، لكن الشحوب لم يكن ضعفًا؛ عيناها مفتوحتان على اتساعهما. كان يعرفها. أو هكذا شعر. مع أنه متأكد... أنه لم يرها في حياته. التقت عيناها بعينيه للحظة خاطفة. ثم اختفت بين الناس. ركض نحو النافذة أكثر. اختفت.لم يبقَ سوى الشارع البارد... وأضواء برلين المرتجفة. تراجع خطوة ببطء. وضع يده على رأسه. الصداع صار أقوى.ثم جاء الصوت. واضح. قريب جدًا. كأنه يهمس داخل أذنه. _"أنت لست وحدك..." اتسعت عيناه. وفي تلك اللحظة... عرف أن شيئًا ما قد بدأ. شيء لن يسمح لحياته أن تعود كما كانت أبدًا.