شبكة8العقول - ما بين الأصوات

الفصل 1: ✦ المقدمة ✦

✦ المقدمة ✦

"قبل أن يسمعوا بعضهم..."

لم يكن هناك صوت يمكن أن يُسمّى صوتًا، ولا زمن يمكن أن يُقاس، ولا مكان يمكن أن يقال عنه هنا أو هناك. كان هناك فقط اهتزاز خافت، بعيد، كأن الكون نفسه يتنفس للمرة الأولى بعد صمت طويل جدًا، صمت لم تلمسه لغة، ولم تحفظه ذاكرة، ولم يمر عليه كائن كي يشهد أنه كان موجودًا. كان الفراغ ساكنًا، لكنه لم يكن ميتًا؛ كان أشبه بصدر مظلم يحبس داخله سرًا لا يريد أن يولد، ومع ذلك كان السر يدفع من الداخل، يضغط، يتمدد، يترك في العدم رجفة لا تُرى، لكنها تُحس كما يُحس المرء بنظرة خلف ظهره قبل أن يلتفت. ثم ظهرت نقطة. كانت صغيرة إلى حد يجعلها أقرب إلى الوهم، لكنها كانت أثقل من نجمة، وأقدم من أي نار، وأهدأ من عين تعرف أنها ستبكي بعد لحظات. لم تكن نورًا خالصًا، ولا ظلامًا كاملًا، بل شيئًا بينهما؛ وعيًا خامًا لم يتخذ اسمًا بعد، نبضة أولى من إدراكٍ مدفون في عمق الخلق، كأن العالم حين تكوّن ترك في داخله بابًا سريًا، ثم نسي أين خبأ المفتاح. ارتجفت النقطة، لا خوفًا، بل كمن يوشك أن يتذكر شيئًا كان ممنوعًا عليه أن يتذكره، ومع ارتجافها انشقّ الفراغ حولها ببطء، لا كزجاج ينكسر، بل كجلد يتفتح فوق جرح قديم. ومن داخلها خرجت خيوط. ثمانية خيوط. لم تخرج مرة واحدة، بل اندفعت كأنها كانت محبوسة منذ آلاف الحيوات، تمددت في العتمة، وتلوّت مثل أنهار من ضوء بارد، كل خيط يحمل نغمة لا تشبه الأخرى. خيط كان حادًا كحد السكين، فيه غضب رجل تعلّم أن يعيش بين الخطر والخطيئة. وخيط كان صلبًا كالمعدن، فيه يقظة امرأة اعتادت أن ترفع سلاحها قبل أن تثق بصوت قلبها. وخيط كان مضطربًا كهواء الموانئ، فيه فضول امرأة تطارد الحقيقة بالكاميرا والكلمة. وخيط كان سريعًا كقبضة تنطلق في الهواء، فيه جسد يعرف القتال قبل أن يعرف الراحة. وخيط كان ناعمًا كيد طبيبة فوق جبين مريض، لكنه يحمل تعبًا لا ينام. وخيط كان مبللًا بالموسيقى والضوء، كمدينة ترقص كي تخفي وحدتها. وخيط كان ساخنًا كتصفيق جمهور لا يرى دموع الممثلة خلف المكياج. وخيط أخير كان هادئًا، شديد الهدوء، مثل طبشور يلامس سبورة في صباح بارد، لكنه كان أعمقها جميعًا، لأنه لم يكن يبحث عن القوة، بل عن المعنى. وفجأة لم يعد الفراغ فراغًا. كان المطر يهطل بغزارة فوق مدينة لا تريد أن تُعرّف نفسها. مدينة قد تكون في آخر العالم، أو في أوله، أو في تلك المسافة الصغيرة بين الحلم والكابوس. كانت الشوارع غارقة في لمعان أسود، والإسفلت يلمع تحت أعمدة الإنارة مثل جلد حيوان جريح. رائحة المطر اختلطت بدخان قديم، وبصدأ الحديد، وبروائح بشرية متعبة؛ عرق الخائفين، عطر امرأة مرّت قبل دقائق، بنزين محترق من سيارة متوقفة عند طرف الشارع، ورائحة بحر بعيد لا يظهر في الظلام لكنه يرسل ملحه إلى الهواء كرسالة. الريح كانت باردة، لا تعصف بقوة، بل تمر ببطء بين الأبنية المهجورة، كأنها تتفقد النوافذ واحدة واحدة، تبحث عمن بقي حيًا. في منتصف الشارع، تحت مصباح يرتجف ضوؤه بين الانطفاء والاشتعال، كانت تقف امرأة حافية القدمين. لم يكن في وقفتها شيء عادي؛ لم تكن تائهة، ولا هاربة، ولا منتظرة. كانت كأنها وصلت إلى المكان الذي رآه العالم في حلم قديم ثم نسيه. ثوبها الطويل التصق بجسدها من المطر، وشعرها الداكن انسدل على كتفيها مثل حبر سال من سماء مكسورة. كان وجهها شاحبًا، لكن الشحوب لم يكن ضعفًا؛ كان أثر معركة لم تُخض بالسلاح، بل بالذاكرة. عيناها مفتوحتان على اتساعهما، لا تنظران إلى الشارع، ولا إلى المطر، ولا إلى الظلال الممتدة حولها، بل إلى شيء في الداخل؛ شيء أكبر من جسدها، وأبعد من هذا الليل، وأكثر قسوة من أي حقيقة يمكن لإنسان أن يحتملها دفعة واحدة. لم تكن ترتجف من البرد. كانت ترتجف لأن ثمانية قلوب كانت تنبض داخل صدرها في اللحظة نفسها. رفعت يدها ببطء، فظهرت الخيوط من أطراف أصابعها. لم تكن ضوءًا بالمعنى المفهوم؛ كانت أقرب إلى أعصاب مكشوفة للكون، تمتد منها إلى جهات لا تُرى. وكلما اشتد المطر، ازداد وهجها، كأن السماء نفسها تحاول إطفاءها فلا تستطيع. همست المرأة بشيء لم يكن دعاءً، ولم يكن اعترافًا، بل كان جملة خرجت منها كما تخرج آخر قطرة هواء من غريق: "لقد بدأتم... أخيرًا." ثم رأتهم. لم ترهم بعينيها، بل بداخلها، كما يرى الإنسان ذكرى لا تخصه لكنها تؤلمه رغم ذلك. رأت رجلًا في برلين يقف أمام نافذة ضيقة، دخان سيجارة يلتف حول وجهه، وخلفه غرفة لا تحمل من الدفء إلا ما يكفي ليخدع الوحدة. كان سليم يحدّق في الشارع كمن اعتاد أن يسبق الخيانة بخطوة، لكن في عمق عينيه كان هناك طفل قديم لم ينجُ تمامًا من خوفه الأول. ورأت ميرين في الموصل، وسط ضوء أحمر وأزرق يتكسر على الجدران، يدها ثابتة على السلاح، وقلبها غير ثابت أبدًا، امرأة تعلمت أن القوة ليست غياب الخوف، بل القدرة على ألا يراك أحد وأنت تخاف. ورأت مها في مارسيليا، أمام كاميرا مضاءة، خلفها بحر ورائحة ملح وأزقة ضيقة وصوت مدينة لا تنام إلا كي تخبئ أسرارها. كانت تبتسم للناس كما تفعل دائمًا، لكنها تحمل تحت ابتسامتها جوعًا مريرًا للحقيقة، كأنها تعرف أن كل خبر تنشره ليس سوى باب لخبر أكبر. ورأت نون في جيجو، في قاعة تدريب تفوح منها رائحة العرق والخشب والجلد، جسدها يتحرك بحدة مذهلة، ووجهها ساكن كحجر أسود تحت المطر، لكنها في داخلها كانت تخوض معركة أقدم من أي نزال، معركة بين ما صارت إليه وما خافت أن تكونه. ثم اتسعت الرؤية، ولم تعد أربعة وجوه تكفي قلبها. رأت ريناد في اللاذقية، تحت ضوء أبيض بارد في ممر مستشفى طويل، رائحة المعقم تملأ الهواء حتى تكاد تخنق الروح، وأصوات الأجهزة الطبية تنبض حولها كقلوب معدنية. كانت تمسك يد مريض لا يعرف أحد إن كان سيعود من حافة الغياب، وفي عينيها ذلك التعب الذي لا يصنعه السهر وحده، بل تصنعه كثرة الوداعات التي يبتلعها الطبيب بصمت كي لا ينهار أمام من ينتظرون منه الأمل. رأت آيلين في الأناضول، وسط أضواء ملونة وصوت موسيقى يتصاعد من سماعات ضخمة، أصابعها تتحرك فوق الأجهزة بثقة، والناس حولها يرقصون كأنهم هاربون من حياتهم إلى إيقاع لا يسألهم من يكونون. لكنها، وسط كل ذلك الضجيج، كانت تسمع فراغًا صغيرًا داخلها، فراغًا لا تملؤه أغنية. ورأت وهج في الخرطوم، تحت حرارة مدينة تعرف كيف تخبئ الألم خلف الضحك والكرامة. كانت تقف أمام عدسة تصوير، وجهها مضاء، عيناها تلمعان كما تلمع أعين النجوم على الشاشات، والجميع حولها يناديها باسم الشخصية التي تؤديها، لا باسمها الحقيقي. كانت مشهورة، محبوبة، محاطة بالناس، ومع ذلك كان داخلها مقعد فارغ لا يجلس عليه أحد. ورأت تقوى في أونتاريو، في صف مدرسي هادئ، الثلج خلف النوافذ مثل صمت أبيض يغطي العالم. كانت تمسك طبشورًا، وعلى السبورة جملة ناقصة عن العقل والذاكرة، بينما يراقبها طلاب لا يعرفون أنها تسمع في تلك اللحظة ما هو أبعد من أصواتهم؛ تسمع بابًا داخليًا يفتح، وتخاف أن تكون هي الوحيدة التي تعرف كيف يُغلق. ثمانية وجوه، ثمانية أماكن، ثمانية أقدار تتباعد على الخريطة وتقترب في العمق. شعرت المرأة بهم جميعًا كأنهم ليسوا أشخاصًا بعيدين، بل أعضاء في جسد واحد لم يكتشف بعد أنه حي. كان ألم سليم في كتفها، وخوف ميرين في حلقها، وفضول مها في عينيها، وغضب نون في قبضتها، وتعب ريناد في ظهرها، ووحدة آيلين في أذنها، وابتسامة وهج الثقيلة فوق شفتيها، وصمت تقوى في صدرها. لم تكن تحملهم فقط؛ كانت تولدهم من جديد، لا ولادة جسد من جسد، بل ولادة وعي من وعي، ولادة سرٍّ كان يجب أن يبقى مدفونًا، لكنه اختار هذه الليلة كي يصرخ. قالت بصوت مبحوح: "العقول لم تُخلق لتكون وحدها." لم يكن هناك أحد يسمعها، ومع ذلك بدا أن المدينة كلها أنصتت. المطر صار أبطأ. مصباح الشارع توقف عن الارتجاف. حتى الريح التي كانت تمر بين الأبنية توقفت كمن خاف أن يفسد لحظة مقدسة. لكنها لم تكن لحظة مقدسة تمامًا. كان في الهواء شيء فاسد، شيء قادم، شيء يعرف رائحة الدم قبل أن يُراق. التفتت المرأة فجأة نحو نهاية الشارع. لم يكن هناك أحد في الظاهر، لكن الظلال عند الزاوية كانت أثقل مما ينبغي. في زجاج متجر مهجور، انعكس شكل لم يكن واقفًا خلفها قبل لحظة. رجل طويل بمعطف أسود، أو ربما أكثر من رجل، أو ربما لم يكن رجلًا أصلًا؛ مجرد حضور بارد يتخذ هيئة بشرية كي لا يكشف عن حقيقته دفعة واحدة. لم يتحرك، لكن وجوده جعل المطر يبدو أغمق، وجعل الهواء يهبط على رئتيها كحجر. اختفت ابتسامتها. فهمت أنهم وجدوها. لم يكن هذا ما خططت له. كان يجب أن تملك وقتًا أكثر، أن تترك لهم إشارات أوضح، أن تفتح البوابة ببطء كي لا تحطم عقولهم قبل أن تتعرف على بعضها. لكنها أخطأت في شيء واحد: ظنت أن الذين دفنوا هذه القدرة نسوا مكانها. لم ينسوا. كانوا ينتظرون فقط أن يلمع المفتاح. بدأت الخيوط الثمانية ترتجف. الضوء الذي كان يخرج من أصابعها صار يتقطع كأن سكينًا غير مرئي يمر فوقه. شهقت، وضغطت يدها الأخرى على صدرها، تحاول تثبيت النبضات الثمانية في داخلها. كان الألم هائلًا، لكنه لم يكن ألم الجسد. كان ألم الانفصال؛ ألم أم تُنتزع منها أسماء أطفالها قبل أن تناديهم. همست: "لا... ليس الآن." لكن المدينة لم تعد تسمعها. شيء آخر بدأ يتكلم. جاء الصوت من كل مكان ومن لا مكان. صوت عميق، معدني، بارد، كأنه خارج من بئر تحت الأرض ومن قمر ميت في السماء في الوقت نفسه. لم يقل كلمات واضحة في البداية، بل أطلق ذبذبة جعلت الماء على الإسفلت يرتجف في دوائر صغيرة. النوافذ اهتزت. المصباح انفجر فجأة، وتناثرت شظاياه فوق الشارع مثل نجوم صغيرة ماتت بسرعة. المرأة أغمضت عينيها، وحين فتحتهما، لم يكن في عينيها خوف فقط؛ كان فيهما حزن عميق لأنها عرفت أن البداية ستكون قاسية أكثر مما أرادت لهم. ثم رأتهم مرة أخيرة. سليم يلتفت نحو باب شقته قبل أن يُطرق. ميرين تسمع صوتًا داخل رأسها وهي تصوب سلاحها. مها تتوقف أمام الكاميرا والكلمة تموت فوق لسانها. نون تشعر بقبضة ليست قبضتها تتحرك في جسدها. ريناد تضع السماعة الطبية على صدر مريض وتسمع نبضًا لا يخصه. آيلين ترفع يدها عن جهاز الموسيقى لأن الإيقاع في أذنها صار قادمًا من مكان آخر. وهج تنسى جملتها أمام الكاميرا، لا لأنها ممثلة سيئة، بل لأنها فجأة شعرت بحزن امرأة لا تعرفها في كندا. وتقوى تسقط الطبشورة من يدها، وتنظر إلى طلابها بعينين واسعتين كمن خرج لتوه من حلم لم يكن حلمًا. عندها عرفت المرأة أن الاتصال تم. لم يكتمل، لكنه تم. والاكتمال لم يعد بيدها. رفعت رأسها نحو السماء المشققة بالمطر وقالت، لا للعدو الذي اقترب، ولا للمدينة التي انطفأت، بل للثمانية المنتشرين في العالم كنجوم لا تعرف أنها تشكل كوكبة واحدة: "ابحثوا عن بعضكم... قبل أن يجدوا كل واحد منكم وحده." ثم صرخت. هذه المرة كانت الصرخة حقيقية، بشرية، موجعة، لكنها في عمقها حملت شيئًا أكبر من الألم. انفتحت الخيوط الثمانية دفعة واحدة، واندفع الضوء منها إلى الجهات كلها، يخترق الليل والمدن والبحار والحدود واللغات، يعبر برلين والموصل ومارسيليا وجيجو واللاذقية والأناضول والخرطوم وأونتاريو، كما لو أن العالم ليس إلا جسدًا واحدًا، وأن هذه المدن ليست سوى نقاط نابضة تحت جلده. وفي اللحظة نفسها، انطفأ الشارع. توقف المطر في الهواء. تجمدت القطرات حولها مثل خرز شفاف معلق بين السماء والأرض. الرجل ذو المعطف الأسود، أو ما يشبه الرجل، صار قريبًا جدًا حتى إن ظله لمس قدميها الحافيتين. لكنها لم تتراجع. لم يعد هناك ما تخسره. فتحت كفها الأخيرة، وتركت ما بقي من الضوء يخرج منها. قالت بصوت خافت، لكنه وصل إليهم جميعًا، حتى من لم يعرفوا بعد أنهم سمعوه: "أنت لا تفقد عقلك... أنت تشاركه." ثم ابتلعها الظلام. وفارقت الحياة. وفي أماكن متفرقة من العالم، في اللحظة نفسها، فتح ثمانية أشخاص أعينهم، وكل واحد منهم ظن لثانية واحدة أنه مات أو جن أو رأى حلمًا لا يليق بالعقل. لكن شيئًا واحدًا كان مشتركًا بينهم جميعًا: لم يعودوا وحدهم. وفي مكان بعيد، خلف جدران لا تظهر على الخرائط، أضاءت شاشة سوداء بنقطة بيضاء واحدة، ثم انقسمت النقطة إلى ثمانية خطوط. وقف رجل أمام الشاشة، يضع يديه خلف ظهره، وعلى وجهه هدوء من لا يتفاجأ أبدًا. خلفه كان هناك رجال ونساء يرتدون ملابس رمادية، أجهزة تلتقط الذبذبات، خرائط تتحرك، وأسماء مدن تظهر واحدة بعد أخرى. برلين. الموصل. مارسيليا. جيجو. اللاذقية. الأناضول. الخرطوم. أونتاريو. قال الرجل دون أن يلتفت: "لقد فتحتهم." سأله صوت من الخلف: "كلهم؟" اقترب من الشاشة، ولمعت النقاط الثمانية في عينيه كأنها فريسة أخيرًا ظهرت في الضوء. قال بهدوء مخيف: "نعم... كلهم." ثم أضاف بعد صمت قصير: "ابدؤوا الصيد."