القسم الثاني_ الفتاة التي سرقت اسمها
كانت مارسيليا مدينة لا تشبه المدن التي تُكتب عنها القصائد الرومانسية. لم تكن أنيقة مثل باريس، ولا هادئة مثل القرى الساحلية الصغيرة التي تظهر في البطاقات البريدية. كانت مدينة صادقة أكثر مما ينبغي. مدينة تخلط البحر بالجريمة، والفن بالفوضى، والثروة بالفقر، واللغات المختلفة في جملة واحدة.في الصباح، كانت رائحة الملح تصل حتى الشوارع البعيدة عن الميناء، بينما تمتلئ الأرصفة بالصيادين والباعة والسياح والطلاب والمشردين. كل شخص هنا يسير نحو شيء مختلف، وكأن المدينة لا تجمع الناس بقدر ما تجمع طرقهم المتقاطعة. في الطابق الرابع من مبنى قديم يطل على أحد الشوارع القريبة من المرفأ، كانت مها جالسة أمام شاشة حاسوبها منذ ساعات.ستائر الشقة نصف مغلقة. أكواب القهوة الفارغة منتشرة فوق المكتب. ثلاث شاشات مضاءة. عشرات النوافذ المفتوحة. وحسابات أكثر مما يستطيع أي شخص طبيعي أن يتذكر. ضغطت بضعة أزرار. اختفت صفحة. ظهرت أخرى. ثم ابتسمت بخفة. ما زالت تستطيع فعلها بسهولة. حتى بعد كل هذه السنوات. لم تكن مها مضطربة كما يعتقد والدها. ولم تكن متمردة كما تصفها والدتها. كانت فقط ترى العالم بطريقة مختلفة. منذ طفولتها كانت تسأل أسئلة لا يحب الناس سماعها. وتلاحظ أشياء يتجاهلها الآخرون. وترفض قبول الإجابات الجاهزة. ولهذا السبب بالتحديد... غادرت المنزل. لم تهرب. لم تقاطع عائلتها. لكنها أرادت مساحة خاصة بها. مكانًا تستطيع أن تكون فيه نفسها. بعيدًا عن الأحكام.بعيدًا عن المقارنات. بعيدًا عن الجملة التي سمعتها مئات المرات: "كان يمكن أن تكوني شيئًا أعظم." والداها أحباها بطريقتهما الخاصة. لكن الحب لا يعني دائمًا الفهم. كانا يريدان لها وظيفة محترمة. مستقبلًا مستقرًا. اسمًا يفتخران به أمام الأقارب. لكن مها اختارت طريقًا آخر. طريقًا لا يشبه أي شيء خططا له. أما الشخص الوحيد الذي ظل يفهمها دائمًا... فكانت أختها الصغرى. الوحيدة التي كانت تتصل بها دون أن تطلب منها تغيير حياتها. الوحيدة التي كانت تقول: "أنا لا أفهمك دائمًا... لكنني أحبك." عندما انتقلت للعيش وحدها، اكتشفت شيئًا آخر. كانت بارعة بالحواسيب. بارعة بشكل مخيف.بدأ الأمر كهواية. ثم فضول. ثم شغف. ثم تحول إلى شيء أكبر. تعلمت البرمجة. الاختراق. إخفاء البيانات. تزوير السجلات. بناء الهويات الرقمية. حتى وصلت إلى مرحلة استطاعت فيها أن تجعل شخصًا يختفي من الإنترنت... أو يولد شخصًا جديدًا بالكامل. وفي سنوات معينة... قبل أن تدخل عالم الصحافة... كانت تصنع هويات مزيفة مقابل المال. جوازات رقمية. ملفات. حسابات. قصص كاملة لأشخاص لم يوجدوا يومًا. لكن تلك المرحلة انتهت. أو هكذا كانت تحب أن تصدق. _______________________________________ قبل سبع سنوات... في مكتبة قديمة قرب الجامعة... كانت تبحث عن كتاب نادر يتحدث عن الحركات الاجتماعية السرية في أوروبا. وصلت إلى الرف نفسه في اللحظة نفسها التي وصلت فيها يد أخرى. توقفت. ورفعت رأسها. لتجد فتاة تنظر إليها. شعر بني قصير. عينان خضراوان. وابتسامة واسعة" "يبدو أننا نقرأ الكتب الغريبة نفسها." كان اسمها: كلير دوبوا. لم يكن لقاءً عابراً، بل كان أشبه بالعثورعلى نسخة أخرى من روحها؛ فتاة تشاركها نفس النهم للمطالعة، وتقدس رائحة الورق القديم، وتائهة مثلها بين سطور الكتب. ضحكت مها. لأول مرة منذ أيام. بمرور الأشهر، تحولت الأحاديث السريعة بين الرفوف إلى جلسات مطولة في المقاهي المطلة على المتوسط، وسرعان ما غزل الوقت بينهما خيوط صداقة متينة وعميقة. ومنذ ذلك اليوم... أصبحت أقرب شخص إليها. ومع اشتداد وطأة الحياة في مارسيليا، حيث بدأت إيجارات الشقق ترتفع بشكل جنوني وتلتهم كاهل الشباب، برزت فكرة العيش معاً كحلٍّ مثالي. لم يكن الأمر مجرد خطوة لتقاسم أعباء مادية خانقة وتقسيم فاتورة الإيجار والمصاريف مناصفة لتخفيف الحمل في مدينة فرنسية غالية، بل كان، في عمقه، قراراً واعياً بإنهاء عهد الوحدة. هكذا، نقلتا كتابيهما إلى رفوف واحدة، واقتسمتا تفاصيل البيت الصغير، لتتحول الشقة من مجرد سقف باهظ الثمن، إلى وطن حقيقي دافئ يتسع لصديقتين وحلم مشترك تحت شمس الجنوب. ورغم كل السنوات... لم تعرف كلير الحقيقة الكاملة عن ماضي مها. بعض الأسرار... تبقى مدفونة. الآن أصبحت مها صحفية مستقلة. تمتلك قناة ناجحة. آلاف المتابعين. حسابات في كل منصة تقريبًا. وتسجل يومياتها باستمرار. الكاميرا بالنسبة لها لم تكن أداة شهرة. بل دفتر مذكرات. في ذلك المساء... كانت الكاميرا تعمل. والضوء الأحمر الصغير فوقها مضاء. جلست أمام العدسة. وبدأت تسجيل حلقة جديدة: "مساء الخير للجميع..." قالتها مبتسمة. "اليوم سنتحدث عن قضية لا يريد أحد الحديث عنها..." بدأت الحلقة. النقد. السياسة. التحليل. الأسئلة الصعبة. الأمور التي اشتهرت بها. لكن بعد عشر دقائق... بدأ الألم. ذلك الصداع نفسه. عاد. أقوى من كل مرة. وضعت يدها على صدغها. ثم تناولت حبة مسكن. وشربت الماء. وانتظرت. لكن الألم لم يختف. بل ازداد. ثم جاء البرد. برد عميق. كأن الثلج يمر داخل عظامها. ثم حرارة خانقة. شمس حارقة. هواء جاف. ثم مطر. غزير. بارد. يضرب النوافذ. رغم أن سماء مارسيليا كانت صافية. ثم جاءت الروائح. معقمات. ممرات مستشفى. أدوية. قفازات طبية. ثم موسيقى إلكترونية صاخبة. ثم دخان سجائر. ثم صفارات شرطة. توقفت الكلمات في حلقها. ونظرت إلى الكاميرا. لكنها لم تعد ترى الكاميرا. رأت رجلًا يقف أمام نافذة. سليم. ثم امرأة بزي الشرطة. ميرين. ثم فتاة داخل نادٍ موسيقي. آيلين. ثم ممثلة تبكي. وهج. ثم معلمة تقف وسط الثلج. تقوى. ثم وجوه أخرى. واحدًا تلو الآخر. كأن عقلها يعرض ألبوم صور لا تعرف مصدره. شهقت. ووقفت بسرعة. الكرسي سقط خلفها. لكن الأمر لم ينتهِ. دخلت الحمام. فتحت الماء البارد. ورفعت رأسها نحو المرآة. كانت تحاول إقناع نفسها أنها متعبة فقط. لكن عندما رفعت عينيها... تجمدت. لأنها لم تكن وحدها. خلفها مباشرة... كانت المرأة الحافية القدمين. واقفة بصمت. شعرها مبلل. وثوبها يقطر ماء. وعيناها ممتلئتان بالحزن نفسه. استدارت مها بعنف. لم يكن هناك أحد. عادت تنظر إلى المرآة. المرأة ما زالت هناك. تنظر إليها. فقط من خلال الانعكاس. شعرت مها أن قلبها سيتوقف: "من أنتِ؟" همست. لكن المرأة لم تجب. بل رفعت يدها ببطء. وأشارت خلف مها. نظرت في المرآة مرة أخرى. فلم تعد ترى الحمام. ولا الشقة. ولا نفسها. رأت دائرة. ثمانية أشخاص. يقفون حول شيء لا تراه. سليم. ميرين. آيلين. وهج. تقوى. نون. ريناد. ومها نفسها. ثم فجأة... وجدت نفسها بينهم. حقيقية هذه المرة. ليست مجرد رؤية. كانت هناك. وسطهم. تشعر بأنفاسهم. وخوفهم. وحيرتهم. التقت عيناها بتقوى. فشعرت بدفئها. ثم نظرت إلى وهج. وشعرت بحزنها. ثم إلى سليم. وشعرت بقلقه. وكأن المشاعر أصبحت لغة. وفي مركز الدائرة... كانت المرأة الحافية. أضعف من السابق. أكثر شحوبًا. كأنها تتلاشى. نظرت إليهم جميعًا. ثم قالت بصوت متعب: "إنهم يقتربون..." ارتجفت الأرض البيضاء تحت أقدامهم. وعاد ذلك الصوت المعدني البعيد. أقرب. أقوى. وأكثر تهديدًا. وفجأة... اختفى كل شيء. عادت مها إلى الحمام. إلى المرآة. إلى الشقة. لكن أنفاسها كانت متسارعة. وقلبها يضرب صدرها بعنف. أما المرأة... فلم تعد موجودة. حدقت في انعكاسها طويلًا. ثم همست لنفسها: "من أنتم...؟" لكن في أعماقها... كانت تعرف أن السؤال الحقيقي لم يعد: من هم؟ بل: كيف أصبحوا داخل رأسها؟