لعبة الصفر0

الفصل 1: الفصل الأول_ اللحظة

الفصل الأول_ اللحظة

القسم الأول_حركة الأولى

لم تكن الساعة الثالثة وثلاثًا وثلاثين دقيقة توقيتًا غريبًا بحد ذاته، لكنها كانت تملك شيئًا لا يمكن تسميته بسهولة، شيئًا يتسلل بهدوء إلى الإحساس قبل أن يصل إلى الفهم، كأن الزمن عندها يتباطأ قليلًا، أو ربما... يتردد. المدينة في تلك اللحظة لم تكن نائمة تمامًا، ولم تكن مستيقظة، بل عالقة بين حالتين، مثل نفسٍ طويل لم يُزفر بعد. الشوارع شبه فارغة، والإسفلت لا يزال يحتفظ بآثار مطر خفيف مرّ منذ ساعات، يعكس الضوء الأصفر الخافت لأعمدة الإنارة التي بدت كأنها متعبة من الوقوف، مائلة قليلًا، ترسل ضوءًا غير مكتمل، كأنه لا يريد أن يكشف كل شيء. في ذلك الشارع تحديدًا، كان رجل يمشي وحده. لم يكن في مظهره ما يلفت الانتباه؛ معطف داكن، قبعة منخفضة تخفي ملامحه، وخطوات ثابتة لا تحمل ترددًا ولا استعجالًا. لم يكن يبدو ضائعًا، ولا حتى حذرًا، بل كان يتحرك كما لو أنه يعرف المكان جيدًا، أو ربما... لا يحتاج إلى أن يعرفه أصلًا. الغريب أنه لم يكن ينظر أمامه، بل إلى الأسفل قليلًا، كأن عينيه تتبعان شيئًا لا يظهر للآخرين، مسارًا غير مرئي، مرسومًا بدقة لا يمكن تفسيرها. كانت خطواته منتظمة بشكل غير مريح، نفس المسافة، نفس الإيقاع، كأن الأرض نفسها مقسمة إلى وحدات خفية وهو يسير فوقها دون أن يخطئ. لا انحراف، لا تردد، لا تغيير. فقط تقدم هادئ... محسوب. في الجهة الأخرى من المدينة، داخل غرفة مضاءة بضوء أبيض بارد، كان المحقق آدم يجلس أمام شاشة مراقبة، يراجع تسجيلات لا تبدو مهمة للوهلة الأولى. لم يكن من أولئك الذين يعتمدون على الحدس فقط، لكنه لم يتجاهله أبدًا. كان يعرف أن التفاصيل الصغيرة، تلك التي تمر دون أن تُلاحظ، هي ما يصنع الفرق بين قصة مكتملة... وأخرى ناقصة. أعاد اللقطة. ثم أعادها مرة أخرى. الرجل نفسه. الشارع نفسه. التوقيت نفسه. أيام مختلفة. شيء في الصورة لم يكن منطقيًا، ليس لأنه مستحيل، بل لأنه دقيق أكثر مما يجب. التكرار لم يكن عشوائيًا، بل بدا كأنه مقصود، كأنه... مُعاد. اقترب آدم من الشاشة، عينيه تضيّقان المسافة بينه وبين المشهد، كما لو أن الاقتراب قد يكشف شيئًا لم يُرَ من قبل. في المرة الثالثة التي أعاد فيها التسجيل، حدث شيء لم يكن واضحًا في البداية، شيء صغير، لكنه كافٍ ليُفسد كل ما قبله. توقف الرجل. لم يكن توقفًا مفاجئًا، بل بطيئًا، محسوبًا، كأنه جزء من الحركة نفسها. رفع رأسه تدريجيًا، وعندما التقت عيناه بعدسة الكاميرا، ظهرت تلك الابتسامة. لم تكن واسعة، ولا واضحة، لكنها كانت حاضرة بما يكفي لتترك أثرًا... أثرًا لا يمكن تفسيره بسهولة. لم تكن ابتسامة فرح، ولا سخرية، بل شيء أقرب إلى المعرفة، كأن صاحبها يعرف شيئًا لا يجب أن يُعرف. شعر آدم بانقباض خفيف في صدره، ذلك النوع من الإحساس الذي لا يأتي من الخوف، بل من إدراك غير مكتمل. أعاد اللقطة، ثم أبطأها، محاولًا أن يثبت اللحظة، أن يمسك بها قبل أن تفلت. كانت النظرة مباشرة. لكنها لم تكن موجهة إلى الكاميرا. كانت... أعمق. كأن الرجل لا ينظر إلى العدسة، بل إلى من خلفها. بل... إليه هو. في تلك اللحظة تحديدًا، رنّ الهاتف. الصوت بدا حادًا داخل صمت الغرفة، كأنه اخترق التركيز فجأة. نظر آدم إلى الشاشة، ثم إلى الهاتف، قبل أن يلتقطه ببطء. _"آدم." لم يأتِ الرد فورًا، بل كان هناك صمت قصير، لكنه لم يكن فارغًا، بل مشحونًا، كأن الطرف الآخر ينتظر، أو يراقب. ثم جاء الصوت. هادئ... منخفض... بارد بشكل غريب. _"تأخرت بحركتك." تجمّد آدم للحظة، أصابعه تشد على الهاتف دون أن يشعر. _"من هذا؟" ضحكة خفيفة، بالكاد تُسمع، لكنها كافية لتُشعر بأن المسافة بينهما ليست كما تبدو. _"اللعبة بدأت... وأنت ما زلت تراقب." ثم... انقطع الاتصال. لم يكن هناك صوت إغلاق واضح، فقط اختفاء مفاجئ، كأن الصوت لم يكن هناك أصلًا. عاد آدم بنظره إلى الشاشة. الرجل... كان لا يزال واقفًا في تلك اللحظة المجمدة، يبتسم. لكن هذه المرة، لم يعد المشهد كما كان. عند التدقيق، عند الإبطاء، عند النظر إلى ما خلف الحركة... ظهر شيء آخر. في الخلفية، عند الحافة التي يلتقي فيها الضوء بالظل، كان هناك شكل. ليس واضحًا، ليس مكتملًا، لكنه موجود. لا يتحرك، لا يقترب، لكنه لا يختفي. ظل... لكنه ليس ظلًا. وجود... لكنه بلا تفاصيل. أعاد اللقطة. ثم أعادها. نفس الشيء. نفس الموضع. نفس الثبات. شعر آدم بشيء بارد يمر في عموده الفقري. _"لم يكن وحده..." الكلمات خرجت منه دون أن يشعر. لكن السؤال الذي تبعها كان أثقل. إذا لم يكن وحده... فمن الآخر؟ ________________________________ وفي الخارج، في نفس الشارع، عند نفس النقطة، كان كل شيء يسير كما في التسجيل. توقف الرجل. رفع يده ببطء، نظر إلى ساعته. 03:33 تلك اللحظة لم تكن عادية. لم يكن هناك صوت، ولا حركة، لكن شيئًا ما تغيّر، كأن الهواء نفسه أصبح أثقل، كأن المكان دخل في طبقة أخرى... غير مرئية. ابتسم الرجل مرة أخرى. ثم... سقط. ببساطة. دون مقاومة. دون أي علامة. جسده ارتطم بالأرض كما لو أن شيئًا داخله قد توقف فجأة، كما تنطفئ شعلة بلا سبب واضح. لكن الحقيقة... لم تكن في السقوط. بل فيما سبقه. في تلك اللحظة الصغيرة، غير المرئية، التي لم تُسجل بالكامل، حيث بدا وكأن الزمن... فقد جزءًا من نفسه. في التسجيل، عند الإبطاء الشديد، كان هناك فراغ. إطار ناقص. لحظة لا تحتوي على شيء. وكأن الرجل... لم يكن موجودًا فيها. عاد. ثم سقط. التقرير الرسمي سيقول لاحقًا: "وفاة طبيعية." وسيُغلق الملف. لكن آدم، وهو يحدق في تلك الابتسامة المجمدة على الشاشة، كان يعرف أن ما حدث لم يكن طبيعيًا، ولم يكن عشوائيًا، ولم يكن حتى جريمة بالشكل الذي يفهمه. كان شيئًا آخر. شيئًا أدق. أعمق. أخطر. ___________________________________ وفي مكان ما، خارج حدود الكاميرات، وخارج نطاق ما يمكن إثباته، كان هناك من يقف... يراقب. ليس من بعيد. بل من زاوية لا تُرى. ابتسم. وحرك شيئًا صغيرًا أمامه... قطعة شطرنج ربما، أو فكرة. _"أخيرًا..." قال بصوت هادئ. ثم أضاف، وكأنه يخاطب شخصًا بعيدًا، أو ربما... قريبًا جدًا: "بدأت ترى."