لعبة الصفر0

الفصل 2: القسم الثاني_ النمط الذي لا يُرى

القسم الثاني_ النمط الذي لا يُرى

لم يكن من السهل على آدم أن يتعامل مع ما شاهده كحادثة عابرة، أو كملف يُغلق بتقرير مختصر يحمل كلمات باردة مثل "توقف مفاجئ في القلب". تلك الجملة، رغم بساطتها، بدت له كقناع رقيق يغطي شيئًا أكثر عمقًا، شيئًا لا يريد أحد أن يراه، أو ربما... لا يستطيع. جلس في مكتبه لساعات بعد انتهاء كل شيء، بينما المبنى بدأ يفرغ تدريجيًا من الحياة، الأصوات تخفت، الأضواء تُطفأ، والممرات تتحول إلى مساحات طويلة من الصمت الثقيل. لم يكن يحب هذا الوقت من الليل، لكنه في تلك الليلة تحديدًا لم يكن يكرهه أيضًا... بل شعر أنه أقرب للحقيقة، كأن الضجيج الذي يختفي مع الناس كان يخفي معه أشياء أخرى. أمامه، على الشاشة، كانت نفس اللقطة لا تزال تعمل. الرجل. الشارع. التوقف. الابتسامة. ثم السقوط. أعادها مرة أخرى، ليس لأنه لم يفهم ما حدث، بل لأنه لم يفهم "كيف" حدث. الفرق بين الاثنين لم يكن بسيطًا، بل كان كل شيء. اقترب قليلًا، أبطأ التسجيل، بدأ يفكك اللحظة كما لو أنها آلة معقدة، يبحث بين أجزائها عن خلل، عن قطعة لا تنتمي، عن ثانية خرجت عن سياقها. لكن كل شيء بدا... مثاليًا أكثر من اللازم. الحركة طبيعية، الضوء ثابت، الصوت – إن وُجد – لا يحمل أي اضطراب. وهذا تحديدًا... ما أزعجه. "الأشياء لا تكون مثالية هكذا..." تمتم بصوت منخفض، كأنه لا يريد أن يسمع نفسه. مدّ يده إلى فنجان القهوة الموضوع بجانبه، رفعه ببطء، لكن الطعم كان باردًا، باهتًا، كما لو أن الوقت قد مرّ دون أن يلاحظ. وضعه جانبًا دون أن يكمله، ثم أعاد تركيزه إلى الشاشة، لكن هذه المرة لم يكن ينظر إلى الرجل. بل إلى ما حوله. إلى الفراغ. إلى الخلفية. إلى ما لا يتحرك. هناك... عند الحافة، عند النقطة التي يذوب فيها الضوء داخل الظل، كان ذلك الشيء لا يزال موجودًا. لم يكن يتغير، لم يقترب، لم يبتعد، لكنه... لم يكن صدفة. وجوده تكرر بنفس الدقة التي تكررت بها خطوات الرجل، بنفس الصمت، بنفس الثبات. شعر آدم بشيء يتكوّن داخله، ليس فكرة واضحة، بل إحساس... بأن ما يراه ليس حدثًا واحدًا، بل جزء من ترتيب أكبر، ترتيب لا يعتمد على العشوائية، بل على دقة غير مريحة. أعاد اللقطة، ثم ركّز على توقيت الخطوات. واحدة... اثنتان... ثلاث... نفس المسافة. نفس الإيقاع. نفس التوقف. لم يكن يمشي... بل يُعاد. توقف عند هذه الفكرة. "إعادة..." قالها بصوت خافت، وكأنه يختبر الكلمة. هل يمكن أن يكون ما يراه... تكرارًا؟ ليس لحدث، بل لحظة؟ لحظة تُعاد بصيغ مختلفة، بأشخاص مختلفين، لكن بنفس الهيكل؟ عاد إلى قاعدة البيانات، هذه المرة بسرعة أقل، بعين مختلفة. لم يعد يبحث عن تطابق واضح، بل عن شيء أخفى... عن حالات لا تبدو مرتبطة، لكنها تشترك في شيء لا يُقال. كتب الرقم: 03:33 ظهرت النتائج. لم تكن كثيرة، لكنها كانت كافية. حوادث متفرقة، في أحياء مختلفة، لأشخاص لا يعرفون بعضهم، لا يجمعهم شيء واضح... سوى توقيت الموت. بعضهم مات في منزله، بعضهم في الشارع، آخرون في أماكن مغلقة لا يمكن دخولها بسهولة. الأسباب كانت متنوعة، لكنها جميعًا تنتهي بنفس النتيجة: "طبيعي". ابتسم آدم بسخرية خفيفة، لكنها لم تكن مريحة. "طبيعي..." كرر الكلمة، وكأنها أصبحت بلا معنى. بدأ يفتح الملفات واحدًا تلو الآخر، يغوص في التفاصيل الصغيرة التي عادة ما تُهمل. كان يبحث عن خطأ... لكنه وجد شيئًا أسوأ. تطابق. ليس في الحياة... بل في اللحظة. كل واحد من هؤلاء الأشخاص كان على وشك فعل شيء. مكالمة لم تكتمل. باب كان على وشك أن يُفتح. قرار لم يُتخذ بعد. توقف. رفع رأسه ببطء: "لم يتم اختيارهم..." قالها هذه المرة بوضوح. ثم أضاف، بنبرة أثقل: "...بل تم التقاطهم." الكلمة لم تكن مريحة، لكنها بدت صحيحة. كأن هناك من لا يختار الضحية، بل يختار اللحظة التي يكون فيها الإنسان... في حالة انتقال، بين قرارين، بين حالتين، بين احتمالين. عاد إلى التسجيل. إلى الرجل. إلى تلك اللحظة قبل السقوط. أبطأها أكثر. ثم أكثر. وهنا... ظهرت الفجوة. إطار ناقص، ليس أسود، ليس مشوشًا، بل... غائب. كما لو أن الزمن نفسه قد فقد جزءًا صغيرًا من تسلسله. شعر بشيء بارد يمر في صدره. _"لم يكن موجودًا..." قالها بالكاد: "...لثانية." صمت. ثم أكمل، وكأنه يخشى أن تكون الفكرة حقيقية: "أو... لم يكن هنا." جلس ببطء، وكأن جسده بدأ يثقل، لكن عقله كان أبعد ما يكون عن التوقف. لم يعد يرى الأمر كجريمة، بل كخلل... خلل في شيء أكبر من الإنسان نفسه. رفع نظره نحو الشاشة، نحو الرجل الذي لا يزال يبتسم في تلك اللحظة المجمدة، ثم همس: "أين ذهبت؟" السؤال لم يكن موجّهًا للرجل. بل لمن... أخذه. في تلك اللحظة، شعر بشيء غريب، ليس صوتًا، ولا حركة، بل إحساس... بأن المسافة بينه وبين شيء ما بدأت تختفي. كأن الفكرة لم تعد مجرد تحليل، بل أصبحت دعوة... أو ربما إشارة. وفجأة، عاد الصوت في ذاكرته، واضحًا أكثر من أي وقت مضى: "تأخرت بحركتك." أغمض عينيه للحظة، ثم فتحهما ببطء: "أنا لا أتأخر..." قال بصوت منخفض. توقف: "...أنا فقط... لم أكن أرى." وفي مكان ما، بعيدًا عن كل هذا، في غرفة لا يمكن تحديد موقعها، كان هناك شخص يقف أمام سطح مظلم يعكس صورًا لا تُعرض، بل تُفهم. لم يكن يستخدم شاشة، ولا جهازًا، بل شيئًا آخر... شيئًا أقدم، أهدأ، وأكثر دقة. مرر يده في الهواء ببطء، كما لو أنه يتتبع خيطًا غير مرئي، ثم ابتسم: "الآن..." قال بهدوء. توقف لثانية، وكأن الفكرة تحتاج أن تستقر: "...بدأ يرى النمط." رفع نظره قليلًا، كأن هناك من يقف أمامه: "...لكن ما زال لا يفهم..." ابتسامته اتسعت قليلًا، لكنها لم تكن فرحًا: "...أن النمط... ينظر إليه أيضًا."