لعبة الصفر0

الفصل 6: القسم السادسة_ الرجل الذي مات مرتين

القسم السادسة_ الرجل الذي مات مرتين

لم يغادر آدم المكتب بعد رحيل الدكتورة ليان. بقي جالسًا أمام الاسم. فقط الاسم. لم تكن الملفات هي ما يشغله الآن، ولا الصور، ولا التقارير الطبية، ولا حتى العلامة الغامضة التي وُجدت داخل أعين الضحايا. كل شيء تراجع إلى الخلف، وبقيت كلمة واحدة تتوسط المشهد كله، كأنها محور تدور حوله بقية التفاصيل. كاتم. كان هناك شيء غير مريح في الاسم. ليس غرابته. بل بساطته. الأسماء الخطيرة عادة تكون محاطة بالضجيج؛ ألقاب طويلة، أوصاف، رتب، أسماء منظمات، أما هذا الاسم فكان وحيدًا، مجردًا، يقف داخل الملفات كما لو أنه لا يحتاج إلى تعريف. أغلق آدم عينيه للحظة، ثم أعاد فتح أحد الملفات القديمة التي دفعتها ليان نحوه. ملف يعود إلى ثمانية وعشرين عامًا. صفحات صفراء فقدت أطرافها لونها الأصلي. تقرير تحقيق. شهادة شاهد. عدة أسماء. وفي منتصف الصفحة الثالثة... ظهر الاسم. كاتم. لكن هذه المرة لم يكن مشتبهًا به. بل كان شاهدًا. قلب الصفحة التالية. وفي ملف آخر يعود إلى خمس وعشرين سنة. ظهر الاسم مجددًا. لكن هذه المرة كضحية محتملة. وفي ملف ثالث... كمخبر. وفي رابع... كمطلوب. شعر آدم بأن شيئًا ما لا يستقيم. ليس لأن الاسم يتكرر. بل لأن دوره يتغير. وكأن شخصًا واحدًا كان حاضرًا في كل مكان. أو... وكأن عدة أشخاص يحملون الاسم نفسه. رفع سماعة الهاتف. اتصل بقسم الأرشيف. بعد دقائق طويلة من الانتظار، جاءه صوت متعب من الطرف الآخر. "الأرشيف المركزي." قال آدم دون مقدمات: "أريد كل ملف يحتوي على اسم كاتم." ساد صمت قصير. ثم جاء الرد: "الاسم فقط؟" _"نعم." تردد الموظف قليلًا. ثم قال: "هذا سيستغرق وقتًا." أجاب آدم: "ابدأ." أغلق الخط. ثم عاد إلى الصور. في الخارج كانت السماء قد أصبحت أكثر قتامة رغم اقتراب الظهيرة. الغيوم المتراكمة فوق المدينة حجبت الشمس بالكامل، وجعلت النوافذ تبدو كألواح رمادية كبيرة. بدا كل شيء ساكنًا بشكل غير مريح، كأن العالم كله ينتظر شيئًا. رن هاتفه بعد أقل من ساعة. هذه المرة كان موظف الأرشيف. لكن صوته لم يكن كما كان. بدا مرتبكًا: "سيدي..." رفع آدم رأسه: "نعم؟" جاء الرد ببطء: "هناك مشكلة." شعر آدم بانقباض خفيف في معدته: "أي مشكلة؟" تنفس الرجل من الطرف الآخر بعمق. ثم قال: "عدد الملفات." _"كم؟" ساد الصمت. ثانيتان. ثلاث. ثم قال الرجل: "مئة واثنان وتسعون ملفًا." تجمد آدم: "ماذا؟"مئة واثنان وتسعون." لم ينطق لثوانٍ. ثم قال: "هذا مستحيل." أجابه الموظف: "هذا ما ظننته أيضًا." أغلق آدم الهاتف ببطء. ثم نهض من مكانه. لم يعد الأمر مجرد اسم ظهر في بضعة تحقيقات. كان الاسم منتشرًا عبر ثلاثة عقود كاملة. مئة واثنان وتسعون ملفًا. مئة واثنان وتسعون ظهورًا. مئة واثنان وتسعون أثرًا. لكنه لا يملك صورة واضحة واحدة. ولا تاريخ ميلاد. ولا عنوانًا. ولا بصمة. ولا شيئًا يمكن أن يربطه بإنسان حقيقي. فقط الاسم. كاتم. وصلت ليان بعد الظهر. كانت تحمل صندوقًا صغيرًا من الوثائق. ما إن دخلت حتى أدركت من ملامحه أن شيئًا حدث. وضعت الصندوق على الطاولة: "وجدت شيئًا؟" نظر إليها. ثم قال: "وجدت الكثير." جلسا معًا وسط أكوام الملفات. مرت ساعة. ثم ساعتان. ثم ثلاث. وفي كل مرة كانا يظنان أنهما وصلا إلى نمط واضح، كانت وثيقة جديدة تدمر كل استنتاج سابق. حتى وصلا إلى ملف صغير. قديم جدًا. أقدم من البقية. ملف يعود إلى ثلاثين عامًا كاملة. فتح آدم الصفحة الأولى. وتوقف. ثم أعاد النظر. مرة ثانية. ثم ثالثة. شعر بأن الغرفة أصبحت أضيق فجأة. لاحظت ليان ذلك: "ماذا؟" لم يجب. فقط دفع الملف نحوها. انحنت فوقه. وقرأت. ثم تجمدت هي الأخرى. لأن الصفحة لم تكن تحتوي على تقرير. ولا تحقيق. ولا شهادة. بل شهادة وفاة. وفي أعلى الصفحة كان الاسم واضحًا. كاتم. تحته مباشرة: "متوفى." التاريخ: قبل ثلاثين عامًا. رفعت ليان رأسها ببطء. نظرت إلى آدم. ثم إلى الملف. ثم قالت أخيرًا: "إذا كان هذا صحيحًا..." أكمل آدم الجملة بدلًا عنها. "...فكل الملفات التي بعده مستحيلة." ساد الصمت. صمت ثقيل. كأن الهواء نفسه توقف داخل الغرفة. ثم بدأت ليان تقلب الأوراق بسرعة. تفحص التوقيع. الختم. الوثائق المرفقة. كل شيء بدا حقيقيًا. رسميًا. قانونيًا. مكتملًا. بل أكثر اكتمالًا من أغلب الملفات الحديثة. شهادة وفاة لا يمكن الطعن فيها. قالت ليان أخيرًا: "ربما شخص آخر." لكنها لم تبدُ مقتنعة بما تقول. هز آدم رأسه ببطء: "لا." _"لماذا؟" أشار إلى أسفل الصفحة. إلى جملة صغيرة بالكاد تُقرأ. لكنها كانت كافية. الاسم الحركي: كاتم. شعرت ليان بقشعريرة تسري في ذراعيها. وأدركت ما أدركه آدم في اللحظة نفسها. الشخص الذي مات قبل ثلاثين عامًا... هو نفسه الشخص الذي استمرت الملفات بذكره طوال العقود التالية. وهذا لا يترك سوى احتمالين. إما أن الرجل لم يمت. أو... أن شخصًا ما يحرص منذ ثلاثين عامًا على إبقائه حيًا داخل الظل.

_________________________________________

وفي مكان بعيد، خلف أبواب لا تظهر على الخرائط، كان رجل مجهول يقف أمام شاشة تعرض صورة قديمة باهتة. صورة لرجل التُقطت قبل ثلاثين عامًا. كان الوجه غير واضح. لكن الاسم أسفل الصورة كان واضحًا تمامًا. كاتم. ابتسم الرجل. ثم أغلق الشاشة. وقال بصوت هادئ جدًا: "أخيرًا..." وتوقف للحظة: "...وصلوا إلى الموت." ثم اتجه نحو الظلام: "والآن..." ابتسامته اتسعت قليلًا. "...سيبدؤون البحث عن الحياة."