لعبة الصفر0

الفصل 8: القسم الثامن_ الصندوق الأسود

القسم الثامن_ الصندوق الأسود

لم يمد أحد يده نحو الصورة بعد أن انتهى آدم من قراءة الجملة المكتوبة على ظهرها. بقيت فوق المكتب، ساكنة، كأنها ترفض أن تعود إلى داخل الصندوق الذي خرجت منه، بينما كانت عيون الثلاثة معلقة بها، لا بالصورة نفسها، بل بالرجل الخامس الذي يقف في منتصفها بثبات غريب، كأنه لا ينتمي إلى الزمن الذي التقطت فيه. لم يكن أجملهم ملامح، ولا أكثرهم هيبة، ومع ذلك كانت العين تنجذب إليه وحده. كانت صورته تحمل تلك السكينة التي لا تُولد من الطمأنينة، بل من شخص يعرف شيئًا لا يعرفه الآخرون، شخص يقف وسط رجال الدولة وكأنه لا يخضع لأي سلطة، ولا يخشى أي عدسة. ظل آدم يحدق فيه طويلًا، حتى شعر أن بقية الوجوه بدأت تتلاشى تدريجيًا من الصورة، ولم يبقَ أمامه سوى ذلك الوجه. كان مألوفًا. بشكل مزعج. لكن عقله لم يستطع أن يحدد السبب. كسر سامر الصمت أخيرًا وهو يسحب الصورة من فوق الطاولة: "يجب أن تكون مزيفة."قالها بثقة، لكنها كانت ثقة من يحاول إقناع نفسه أكثر من الآخرين. اقترب من النافذة، رفع الصورة أمام الضوء، ثم أخرج هاتفه وبدأ يلتقط عدة صور لها: "إذا كانت مركبة، فسيظهر ذلك في التحليل الرقمي." لم تعلق ليان. كانت لا تزال تنظر إلى الصندوق الخشبي. شيء ما فيه لم يعجبها. اقتربت منه ببطء، مررت أصابعها فوق الخشب، ثم رفعت الصندوق بين يديها، وأدارته ببطء شديد. توقفت. عقدت حاجبيها: "آدم..." رفع رأسه: "انظر هنا." اقترب منها. في أسفل الصندوق، داخل أحد الألواح الخشبية، كان هناك تجويف صغير للغاية، يكاد لا يُرى. أخرجت مشرطًا صغيرًا من حقيبتها الطبية، وأدخلت طرفه داخل الفتحة. صدر صوت خافت. ثم انفصل اللوح السفلي. نظر الثلاثة إلى بعضهم. داخل التجويف... لم يكن هناك شيء كبير. فقط ظرف أسود صغير. بلا عنوان. ولا اسم. ولا ختم. فتح آدم الظرف بحذر. أخرج منه بطاقة واحدة فقط. بطاقة قديمة، سميكة، أشبه ببطاقات الفهرسة التي كانت تستخدمها المكتبات قبل عصر الحواسيب. وفي منتصفها... رقم واحد فقط.001 وتحته... بخط الآلة الكاتبة القديمة: "إذا وصلت إليكم هذه البطاقة... فهذا يعني أن أول من كان يجب أن يموت... لم يمت." ساد الصمت. لم يتكلم أحد. حتى سامر، الذي اعتاد السخرية من كل شيء، شعر هذه المرة بأن الكلمات خانته. قلب آدم البطاقة. كان ظهرها فارغًا. أو هكذا ظن. لكن عندما سقط عليها ضوء النافذة بزاوية معينة، بدأت حروف باهتة جدًا تظهر، كأنها كُتبت بحبر لا يرى إلا تحت الضوء. اقترب أكثر. قرأها بصعوبة. الملف: صفر لم يشعر آدم بالدهشة. بل شعر بشيء آخر. شعور لم يعرفه منذ سنوات. شعور بأن القضية بدأت الآن فقط. أما كل ما سبق... فلم يكن سوى المقدمة. رن هاتف المكتب فجأة. رنّة واحدة. ثم ثانية. ثم ثالثة. نظر آدم إلى الشاشة.رقم داخلي. قسم الأرشيف. رفع السماعة. جاءه صوت الرجل نفسه الذي تحدث معه صباحًا، لكن هذه المرة كان صوته مضطربًا إلى درجة أنه بالكاد استطاع الكلام: "سيدي..." _"ماذا هناك؟" _"أعتقد... أعتقد أن عليك النزول بنفسك." _"لماذا؟" ساد صمت قصير. ثم قال الموظف جملة جعلت الدم يتجمد في عروق آدم "الملفات... تختفي." قطب حاجبيه: "أي ملفات؟" _"كل ملف يحمل اسم كاتم." _"كيف تختفي؟" _"لا أعرف." كان صوت الرجل يرتجف: "قبل ساعة كانت هنا." _"والآن؟" _"...الرفوف فارغة." نظر آدم إلى ليان. ثم إلى سامر. ولم يقل شيئًا. ركض الثلاثة نحو المصعد. كان قسم الأرشيف يقع في الطابق السفلي، بعيدًا عن المكاتب الرئيسية، داخل ممر طويل تنبعث منه رائحة الورق القديم والرطوبة. كلما اقتربوا، ازداد شعور آدم بأن المكان تغير. ليس في شكله... بل في حضوره. كأن الهدوء هناك لم يكن طبيعيًا. عندما وصلوا، وجدوا موظفي الأرشيف مجتمعين أمام أحد الرفوف. الوجوه شاحبة. لا أحد يتكلم. شق آدم طريقه بينهم. ثم وقف. الرف الذي كان يحتوي على ملفات "كاتم"... كان فارغًا بالكامل. لا توجد أوراق مبعثرة. لا آثار كسر. لا أقفال مخلوعة. ولا حتى غبار يدل على أن شيئًا كان موضوعًا هناك. كأن الملفات... لم تكن موجودة أصلًا. وقف الجميع صامتين. إلى أن قال أحد الموظفين بصوت خافت: "الغريب..." التفتوا إليه. ابتلع ريقه. ثم أكمل: "كاميرات المراقبة..." توقف. "...لم تُسجل دخول أي شخص." نظر إليه آدم طويلًا. ثم قال بهدوء: "أرني التسجيل." أجابه الرجل، وعيناه لا تفارقان الرف الفارغ: "هذا هو الأمر الذي لا أفهمه..." اقترب خطوة. ثم همس: "...التسجيل نفسه اختفى."

___________________________________

وفي مكان لا يعرفه أحد... داخل غرفة يغمرها ضوء أصفر خافت، جلس رجل أمام طاولة خشبية قديمة. كانت فوقها مئات البطاقات المتشابهة. كل بطاقة تحمل رقمًا.واسمًا.وملفًا. أخذ البطاقة التي تحمل الرقم 001. وابتسم. ثم شطب عليها بقلم أسود. ورفع بطاقة أخرى. تحمل الرقم: 002 وقال بصوت هادئ، وكأنه يتحدث إلى شخص يجلس أمامه: "أحسنت يا آدم..." رفع البطاقة أمام عينيه: "...لقد فتحت الباب الأول." ثم وضعها فوق الطاولة... وكأن اللعبة... انتقلت إلى مرحلتها التالية.

ختام الفصل الأول... أنتظروا الفصل الثاني.