الفصل الثاني_ أول الخيط
القسم الأول_ الرجل الذي لا وجود له
لم يكن اختفاء الملفات هو أكثر ما أقلق آدم. بل الطريقة التي اختفت بها. لو سُرقت، لكان الأمر مفهومًا، ولو أُحرقت، لترك الحريق أثرًا، ولو أخفاها أحد، لظهرت ثغرة ما في نظام الأرشيف أو في تسجيلات المراقبة. أما أن يختفي مئة واثنان وتسعون ملفًا دفعةً واحدة، دون أن يتغير شيء في المكان، فذلك لم يكن سرقة... بل محوًا. وقف أمام الرف الفارغ طويلًا. كان الموظفون قد بدأوا يعودون إلى أعمالهم، لكن بصمتٍ مختلف، صمت أولئك الذين شهدوا شيئًا لا يملكون تفسيرًا له، وقرروا، دون اتفاق، ألا يتحدثوا عنه كثيرًا. مدّ آدم يده إلى الرف. مرر أصابعه ببطء على الخشب. كان الغبار يغطي الأطراف، لكنه ينقطع في منتصف الرف، كما لو أن الملفات كانت موجودة فعلًا حتى ساعات قليلة مضت. همس لنفسه: "لقد كانت هنا..." التفت إلى موظف الأرشيف: "آخر مرة رأيتها؟" ابتلع الرجل ريقه قبل أن يجيب: "قبل أن أتصل بك بعشر دقائق تقريبًا." _ "هل كنت وحدك؟" _ "لا." _ "من كان معك؟" تردد قليلًا: "الجميع." رفع آدم رأسه: "الجميع؟" أومأ الرجل: "كل موظفي القسم كانوا هنا." ساد الصمت. وهنا بدأ الشعور القديم يعود إليه. ذلك الشعور الذي رافقه منذ الليلة الأولى. الإحساس بأن القضية لا تُخفى... بل تُدار. خرج من الأرشيف بصحبة ليان وسامر دون أن يتبادلوا كلمة واحدة. كان المصعد يصعد ببطء، يصدر صوتًا معدنيًا خافتًا مع كل طابق، بينما كانت الأرقام الحمراء فوق الباب تتغير واحدة تلو الأخرى. الطابق الثالث... الرابع... الخامس... وعند السادس... توقّف المصعد فجأة. انطفأت الإضاءة للحظة. ثم عاد كل شيء كما كان. ثانيتان فقط. لكن آدم شعر خلالهما بأن الزمن تمدد بشكل غير طبيعي. نظر إلى سامر. كان ينظر إلى الأرض. نظر إلى ليان. كانت تحدق في باب المصعد. ولا أحد منهما بدا وكأنه لاحظ شيئًا. _ "هل انقطع التيار؟" سأل آدم. نظر إليه سامر باستغراب: "متى؟" _ "قبل لحظة." هز سامر رأسه: "لم يحدث شيء." التفت آدم نحو ليان. ابتسمت باستغراب: "آدم... المصعد لم يتوقف أصلًا." لم يجب. لكنه كان متأكدًا... لقد توقف. بل وأكثر من ذلك... كان متأكدًا أنه خلال تلك الثانيتين... سمع أحدًا يتنفس. في مكتبه، جلس صامتًا. كانت الصورة القديمة لا تزال أمامه. خمسة رجال. أربعة منهم ماتوا. والخامس... لا وجود له. أخرج عدسة مكبرة. بدأ يتأمل تفاصيل الصورة. الخلفية. المبنى. الظلال. ثم... شيء صغير. انعكاس على نافذة المبنى. لم يكن ضمن الرجال الخمسة. بل شخصًا سادسًا. بعيدًا. يقف خلف الزجاج. لا يظهر منه سوى نصف وجه. رفع الصورة أكثر نحو الضوء. اقترب أكثر. لا. لم يكن انعكاسًا. كان شخصًا بالفعل. شخصًا كان يراقب الصورة... لحظة التقاطها. فتح الباب فجأة. دخل سامر بسرعة: "آدم..." كان يتنفس بسرعة: "وجدنا شيئًا." رفع آدم رأسه: "ماذا؟" وضع سامر ملفًا صغيرًا فوق المكتب: "ليان طلبت فحص ورق الصورة." جلس آدم في مكانه. فتح الملف. كانت نتيجة مختبر الأدلة. قرأ السطر الأول. ثم الثاني. وتوقف. أعاد القراءة. ثم نظر إلى سامر: "هل أنت متأكد من هذا التقرير؟" أجابه سامر بصوت خافت: "قرأناه ثلاث مرات." خفض آدم عينيه نحو الورقة مرة أخرى. عمر الورق: ثلاثون عامًا تقريبًا. أما الحبر المستخدم لكتابة عبارة "لا تبحثوا عن الرجل... ابحثوا عمّن أخفاه"... توقف. وشعر بشيء بارد يسري في أطرافه. ثم أكمل القراءة. لم يمضِ على كتابته أكثر من ثمانية وأربعين ساعة. لم ينطق أحد. بقي الثلاثة ينظرون إلى التقرير. إلى الحقيقة التي لا يمكن أن تجتمع. الصورة عمرها ثلاثون عامًا. لكن الرسالة... كُتبت قبل يومين فقط. وفي مكان آخر... على بعد آلاف الكيلومترات من المدينة... كانت أمواج البحر ترتطم بصخور سوداء شاهقة، بينما يقف رجل عجوز أمام منارة مهجورة، يلف معطفه الصوفي حول جسده الهزيل، ويحدق في الأفق كما لو كان ينتظر سفينة لن تأتي. خلفه، كانت كوخ خشبي قديم تغطيه نباتات متسلقة، لا يحمل أي علامة تدل على أنه مأهول. دخل الرجل ببطء. أغلق الباب. اقترب من خزانة حديدية صغيرة. أخرج منها جهاز راديو قديم. أدار المفتاح. صدر تشويش طويل. ثم انبعث صوت هادئ من الطرف الآخر. لم يكن هناك ترحيب. ولا تعريف. فقط سؤال واحد: "هل بدأوا؟" أجاب الرجل العجوز وهو ينظر إلى نار المدفأة: "نعم." ساد الصمت. ثم عاد الصوت: "وهل وصلوا إلى الاسم؟" ابتسم العجوز ابتسامة حزينة: "وصلوا..." توقف للحظة: "...لكنهم ما زالوا يبحثون عن الرجل." ثم أغلق جهاز الاتصال. جلس بصعوبة على الكرسي الخشبي. نظر إلى صورة قديمة معلقة فوق المدفأة. كان فيها شابان يقفان جنبًا إلى جنب. أحدهما هو نفسه قبل ثلاثين عامًا. أما الآخر... فقد مُزق وجهه من الصورة بعناية. بقي الاسم فقط مكتوبًا أسفل الجزء الممزق.
كاتم.
خفض الرجل رأسه. وأغمض عينيه. ثم قال بصوت لم يسمعه أحد: "سامحني..." توقفت أنفاسه لحظة: "...لقد عادوا يبحثون عنك."