القسم الثاني_ الشاهد الذي تأخر ثلاثين عامًا
بقيت صورة الرجل العجوز أمام المدفأة معلقة في مكانها بعد أن خمد صوته، وكان الجزء الممزق منها أكثر حضورًا من الجزء الباقي. النار الصغيرة تلتهم أطراف الحطب ببطء، وترسل ضوءًا برتقاليًا مرتجفًا فوق جدران الكوخ الخشبية، فيما كان البحر في الخارج يضرب الصخور أسفل المنحدر بعنف منتظم، كما لو أنه يحاول منذ مئات السنين الوصول إلى هذا المكان ولا ينجح. جلس الرجل على كرسيه، منكفئًا قليلًا تحت ثقل العمر، لكنه لم يكن نائمًا. كان ينظر إلى الصورة بعينين تعرفان أكثر مما ينبغي، وفي يده اليمنى استقرت قطعة معدنية صغيرة تشبه مفتاحًا قديمًا، ظل يقلبها بين أصابعه كلما علا صوت الريح. كان اسمه نديم شاهين، أو على الأقل هذا هو الاسم الذي عاش به طوال السنوات السبع والعشرين الماضية. أما الاسم الذي عرفه به الرجال الواقفون في الصورة، فقد دفنه منذ زمن مع أشياء كثيرة لم يكن يتوقع أن تضطره الحياة إلى نبشها مرة أخرى. نهض بصعوبة، واتجه إلى النافذة. كانت المنارة المهجورة تقف غير بعيد عن الكوخ، سوداء وطويلة أمام بحر أكثر سوادًا، ولم يعمل ضوؤها منذ سنوات. ومع ذلك ظل نديم ينظر إليها كل ليلة تقريبًا. لم يكن ينتظر سفينة، ولم يكن ينتظر أحدًا. كان يفعل ذلك لأنه تعلّم منذ زمن بعيد أن بعض العادات، مهما بدت بلا معنى، تساعد الإنسان على التأكد من أن العالم ما زال في مكانه. هذه الليلة لم يكن كذلك. منذ أن جاءه الاتصال القصير، عاد إليه شعور كان يظن أنه مات داخله. لم يكن خوفًا من الموت؛ في عمره، يصبح الموت جارًا مزعجًا أكثر منه وحشًا مجهولًا. كان خوفًا من الماضي حين يقرر أن يعود دون استئذان، لأن الماضي لا يعود وحده أبدًا. يحمل معه الوجوه والأصوات والديون التي ظن أصحابها أنها سقطت بالتقادم. فتح قبضته ونظر إلى المفتاح. ثلاثون عامًا وهو يحتفظ به. وثلاثون عامًا لم يستخدمه. كان قد وعد رجلًا ذات ليلة بأنه لن يفعل إلا إذا ظهر الاسم مرة أخرى. وقد ظهر.
كاتم.
في المدينة، وعلى بعد آلاف الكيلومترات من البحر الذي كان يضرب صخور نديم، لم يكن آدم يعرف أن هناك رجلًا عجوزًا نطق بالاسم نفسه قبل ساعات. كان جالسًا أمام مكتبه، يحدق في تقرير المختبر، بينما تحولت العبارة المكتوبة على ظهر الصورة إلى مشكلة أكبر من الصورة ذاتها. الورق قديم، الصورة قديمة، الأشخاص الذين فيها ينتمون إلى زمن مضى، لكن الحبر حديث. شخص ما احتفظ بالصورة ثلاثين عامًا، ثم أخرجها قبل أقل من يومين، كتب عليها رسالة موجهة إليهم تحديدًا، ووضعها داخل صندوق عرف طريقه إلى قسم التحقيقات دون أن يترك وراءه اسمًا أو وجهًا أو تسجيلًا. لم يكن ذلك دليلًا. كان إعلانًا. والفرق بين الاثنين بدأ آدم يفهمه الآن. جلس سامر على الطرف الآخر من المكتب، يعبث بقلم بين أصابعه بعصبية حاول إخفاءها خلف ملامحه الساخرة المعتادة، بينما كانت ليان واقفة قرب النافذة تقرأ نسخة التقرير للمرة الرابعة. منذ دخول كاتم إلى القضية، تغير شيء بسيط في علاقتهم جميعًا بها. لم يعد سامر يطلق تعليقاته بسهولة، ولم تعد ليان تتعامل مع الأمر كما لو أنه لغز طبي يمكن حله بالمجهر والتحليل، وحتى آدم نفسه بدأ يشعر أن الملفات الموضوعة أمامه لا تمثل القضية كلها، بل الجزء الذي سُمح له برؤيته منها. قال سامر أخيرًا: "هناك احتمال أبسط من كل ما نفكر فيه. شخص وجد صورة قديمة، عرف أننا نبحث في هذه الملفات، كتب الرسالة وأرسلها. لا نحتاج إلى رجل عاد من الموت ولا إلى أشباح." وضع آدم التقرير على الطاولة ونظر إليه. "كيف عرف أننا نبحث؟"_ "تسريب."_ "من أين؟"رفع سامر كتفيه. "من هنا. لدينا مئات الموظفين."_ "البحث بدأ قبل أقل من أربع وعشرين ساعة."_ "وهذا يكفي." تدخلت ليان دون أن ترفع عينيها عن الورقة. "لا يكفي لإيجاد صورة عمرها ثلاثون عامًا، والتحقق من الأشخاص الموجودين فيها، والوصول إلى صندوق قديم، وإخفاء بطاقة داخل قاعدة مزدوجة، ثم إدخاله إلى مبنى أمني دون أن يظهر المرسل على كاميرا واحدة." نظر إليها سامر. "إذن ما تفسيرك؟" رفعت عينيها إليه. "ليس لدي تفسير. وهذه أول مرة منذ بداية القضية أشعر فيها بالارتياح لذلك." ابتسم سامر بسخرية باهتة. "ترتاحين لأنك لا تعرفين؟" أعادت التقرير إلى الطاولة. "أرتاح عندما لا أضطر إلى اختراع إجابة فقط كي أشعر بالأمان." كاد سامر يرد، لكن الباب انفتح قبل أن يفعل. دخل العميد فؤاد الكيلاني. لم يكن يحمل ملفًا هذه المرة، ولم تكن ملامحه غاضبة. وهذا بالتحديد جعل دخوله أكثر ثقلاً. أغلق الباب خلفه بنفسه، ثم ألقى نظرة على الثلاثة وعلى الصورة الموضوعة فوق المكتب. قال: "طلبت منكم إغلاق هذا." لم ينهض آدم. "ثم وصل الصندوق." _ "أعرف." كانت الإجابة سريعة أكثر مما ينبغي. لم يقل أحد شيئًا. رفع آدم عينيه إليه. "كيف تعرف؟" لم تتغير ملامح فؤاد، لكنه تأخر ثانية واحدة قبل الإجابة. "كل طرد مجهول يدخل هذا المبنى يُسجل." قال سامر: "هذا لم يُسجل." التفت العميد إليه. أكمل سامر بهدوء: "راجعت سجل الاستقبال بنفسي. لا يوجد وقت وصول، ولا اسم موظف استلمه، ولا توقيع، ولا حتى رقم إدخال. رجل الأمن الذي أحضره إلى المكتب يقول إنه وجده على الطاولة المخصصة للطرود." هذه المرة لم يجب فؤاد فورًا. اقترب من المكتب، ومد يده نحو الصورة، لكنه لم يلمسها. بقيت أصابعه على بعد سنتيمترات منها، ثم سحب يده ببطء. كانت حركة صغيرة، لكن آدم لاحظها. الخوف له لغته الخاصة. وأحيانًا يكون أكثر وضوحًا عندما يحاول صاحبه إخفاءه. قال آدم: "أنت تعرف هذه الصورة." رفع فؤاد نظره إليه: "لا." _ "تعرف أحدًا فيها." _ "قلت لا." _ "إذن لماذا عندما رأيت اسم كاتم بالأمس أمرتنا بإغلاق التحقيق؟" تغير وجه العميد قليلًا، ليس غضبًا، بل ذلك النوع من الجمود الذي يسبق الغضب. اقترب أكثر حتى أصبح واقفًا أمام آدم مباشرة: "لأن هناك ملفات لا تفهمون طبيعتها." قال آدم: "ساعدنا على فهمها." _ "وظيفتي ليست مساعدتك على فتح قبور قديمة." أجابه آدم: "المشكلة أن أصحاب القبور يبدو أنهم يفتحونها بأنفسهم." ساد الصمت. نظر فؤاد إليه طويلًا، ثم إلى ليان، ثم إلى سامر. كان واضحًا أنه يقاوم شيئًا داخله؛ قرارًا ربما، أو ذكرى، أو خوفًا لم يسمح لنفسه منذ سنوات بأن يعترف بوجوده. وأخيرًا قال بصوت منخفض: "إذا ظهر اسم كاتم مرة أخرى، لا تبحثوا عنه في قواعد البيانات." سأله آدم فورًا: "أين نبحث؟" لكن فؤاد فتح الباب. توقف عند العتبة دون أن يلتفت: "لا تبحثوا." ثم خرج. هذه المرة لم يحتج آدم إلى أن يقول شيئًا. نظر سامر إلى الباب المغلق، ثم أطلق زفيرًا طويلًا وقال: "حسنًا. أعتقد أن رئيسنا للتو أخبرنا أين نبحث." للمرة الأولى منذ ساعات، ظهرت ابتسامة صغيرة على وجه ليان. أما آدم فلم يبتسم. كان ينظر إلى الصورة. وتحديدًا إلى الرجل الرابع فيها، رجل الأعمال الذي مات في حادث طائرة قبل عشرين عامًا. أخذ قلمًا وكتب اسمه على ورقة. سليم النجار. ثم اسم الوزير الأسبق. ثم رئيس جهاز الأمن. ثم القاضي المغتال. أربعة رجال. أربع وفيات. وأمام كل اسم كتب سنة الوفاة. بقي الخامس. كاتم. كتب بجانبه: متوفى قبل ثلاثين عامًا؟ وضع علامة استفهام كبيرة. ثم نظر إلى التواريخ. شيء لم يكن صحيحًا. اقترب سامر. "ماذا؟" لم يجب آدم، بل بدأ يرتب الأسماء زمنيًا. شهادة وفاة كاتم كانت الأقدم. بعد عشر سنوات مات رجل الأعمال. بعده القاضي. ثم رئيس الجهاز. أما الوزير فقد مات قبل خمس سنوات فقط. قال آدم ببطء: "إذا كانت الصورة تربطهم ببعضهم، فنحن نفترض أن كاتم هو الرجل الغامض بينهم." قال سامر: "لأنه الوحيد الذي لا نعرفه." _ "بالضبط." _ "وما المشكلة؟" أشار آدم إلى الرجال الأربعة. "نحن نسأل من هو الخامس، لكن الرسالة لم تقل ذلك." سكت سامر. أكمل آدم: "قالت: لا تبحثوا عن الرجل... ابحثوا عمّن أخفاه." اقتربت ليان من الطاولة. نظر آدم إلى الصورة من جديد. "ماذا لو كان الرجل الذي يجب أن نبحث عنه ليس كاتم؟ ماذا لو كان واحدًا من هؤلاء الأربعة؟" قالت ليان: "لكنهم ماتوا." رفع آدم عينيه إليها. لم يحتج إلى الكلام. فهمت هي ما يقصده، وتغيرت ملامحها. قبل أيام، كانت كلمة "مات" كافية لإنهاء السؤال. لم تعد كذلك. احتاج سامر إلى أقل من ساعة للحصول على ملفات الرجال الأربعة، لكن ما عاد به لم يكن ملفات بالمعنى المعتاد. كانت نسخًا رقمية ناقصة، صفحات محذوفة، تقارير فقدت ملاحقها، وصورًا اختفت من أرشيفات يفترض أنها لا تسمح بالحذف. كل واحد من الرجال الأربعة كان يملك تاريخًا رسميًا ضخمًا، لكن عندما حاولوا العودة إلى الفترة التي التقطت فيها الصورة، وجدوا الشيء نفسه: فراغًا. ثلاث سنوات تقريبًا من حياة أربعة رجال معروفين اختفت من سجلات الدولة. نفس السنوات. قالت ليان وهي تقلب ملف القاضي: "لا أحد يمحو ثلاث سنوات من حياة أربعة أشخاص بالصدفة." أجاب آدم: "ولا يفعلها شخص واحد." كان ذلك أول مرة تُقال فيها الفكرة دون أن يُنطق اسمها.
منظمة.
لم يقل أحد الكلمة، لكنها دخلت الغرفة وجلست بينهم. أمام آدم كان تقرير عن الوزير الأسبق يشير إلى مهمة دبلوماسية خارج البلاد خلال تلك الفترة، لكن دون تحديد الدولة. ملف رئيس جهاز الأمن يذكر
"تكليفًا خاصًا".
القاضي كان في إجازة طويلة غير مفسرة. أما رجل الأعمال، فلم يكن له وجود رسمي تقريبًا طوال عامين ونصف. أربعة رجال اختفوا من التاريخ في الوقت نفسه. ثم عادوا. وبعد سنوات بدأوا يموتون واحدًا تلو الآخر. أما الخامس، فقد مات قبل أن يبدأ الآخرون بالموت. أو هكذا قالت الأوراق. رن هاتف سامر. أجاب وهو لا يزال ينظر إلى الملفات، لكن ملامحه تغيرت بعد ثوانٍ: "متى؟" استمع: "أرسل العنوان." أغلق الهاتف. نظر إليه آدم. قال سامر: "وجدوا شيئًا متعلقًا بسليم النجار." _ "ماذا؟" _ "ليس شيئًا." توقف لحظة: "شخصًا." كان المنزل يقع في أحد الأحياء القديمة التي ابتلعتها المدينة الحديثة ولم تستطع هضمها بالكامل. أبنية حجرية ضيقة الشرفات، أشجار معمرة ترفع جذورها بلاط الأرصفة، ومحال صغيرة ما زالت تحمل لافتات كُتبت بخط اليد منذ عقود. عندما وصل آدم وسامر وليان، كانت الشمس قد بدأت تنخفض، والسماء تكتسب لونًا نحاسيًا قاتمًا خلف أسطح المنازل. المرأة التي فتحت لهم الباب كانت في أواخر الستينيات، قصيرة القامة، ترتدي ثوبًا داكنًا، وشعرها الأبيض مربوط خلف رأسها. لم تبدُ متفاجئة عندما أبرز آدم هويته. وهذا أول ما أثار انتباهه. قال: "السيدة نوال النجار؟" أومأت: "نريد أن نسألك عن شقيقك سليم." تغير شيء في عينيها. ليس حزنًا. بل حذر. قالت: "سليم مات منذ عشرين سنة." أجاب آدم: "نعرف." ظلت تنظر إليه. ثم قالت: "إذن لماذا جئتم الآن؟" لم يجب مباشرة. أخرج الصورة القديمة من الملف، ومدها إليها. كانت ردة فعلها فورية. تراجعت خطوة. اختفى اللون من وجهها. وللمرة الأولى ارتجفت يدها. قال آدم بهدوء: "تعرفين هذه الصورة." لم تمد يدها إليها. بل حدقت في الرجل الخامس. في كاتم. وبدا أن عشرين عامًا من الصمت انهارت داخلها دفعة واحدة. همست: "من أعطاكم هذه؟" _ "لا نعرف." رفعت عينيها إلى آدم، وفيهما خوف حقيقي هذه المرة: "تخلصوا منها." قال سامر: "نحتاج أن نعرف من هؤلاء." _ "تعرفون أكثر مما يجب بالفعل." قال آدم: "من هو كاتم؟" كان وقع الاسم عليها أشبه بصفعة. نظرت خلفهم إلى الشارع، ثم سحبت الباب أكثر وأشارت إليهم بالدخول. لم يكن البيت كبيرًا. أثاث قديم، رائحة قهوة وهيل، صور عائلية تغطي أحد الجدران، وساعة خشبية كبيرة تصدر صوتًا واضحًا مع كل ثانية. أغلقت نوال الستائر قبل أن تجلس، ثم بقيت للحظات تحرك أصابعها فوق بعضها. قالت أخيرًا: "أخي لم يمت في حادث." لم يتحرك آدم. كانت هذه الجملة وحدها كافية لتغيير الملف. تابعت: "قبل أسبوع من سقوط طائرته جاء إلى هنا. كان خائفًا. سليم لم يكن يخاف. حتى عندما كان صغيرًا، كان يدخل المشاجرات وهو يعرف أنه سيُضرب. لكن تلك الليلة..." توقفت وابتلعت ريقها. "لم أعرف أخي." سألها آدم: "ممّن كان خائفًا؟" نظرت إلى الصورة: "منهم." قال سامر: "الرجال في الصورة؟" هزت رأسها ببطء: "لا." ثم رفعت إصبعها المرتجف وأشارت إلى المساحة خلف الرجال، إلى المبنى، إلى النوافذ الداكنة التي لم يعطها أحد اهتمامًا كافيًا: "ممن كانوا يعملون لهم." لم يسمع في الغرفة سوى دقات الساعة. سأل آدم: "من؟" أغلقت نوال عينيها للحظة، كأن الكلمة نفسها مؤلمة: "لم يقل لي اسمهم. قال فقط إنهم لا يملكون علمًا ولا شعارًا ولا مقرًا، وإنك تستطيع أن تعمل معهم عشرين سنة دون أن تعرف أنك تعمل لهم." شعر سامر بأن سخريته القديمة من القضية أصبحت بعيدة جدًا. أما ليان فسألت: "وكاتم؟" فتحت نوال عينيها. ظلت صامتة. ثم قالت جملة لم يتوقعها أحد: "كاتم كان واحدًا منهم." لم يتحرك آدم، لكنه شعر أن شيئًا ما استقر في مكانه داخل الصورة الكبيرة. إذن الفرضية الأولى بدأت تتشكل. كاتم لم يكن رجلًا يطارد المنظمة. ربما كان جزءًا منها. وربما أكثر من ذلك. قالت نوال: "سليم كان يسميهم
الظل."
توقفت دقات الساعة في عقل آدم للحظة، رغم أنها واصلت الحركة على الجدار.
الظل.
للمرة الأولى أصبح للإحساس الذي طارده منذ بداية القضية اسم. سألها: "هل قال لك ماذا يعني ذلك؟" _ "قال إن الحكومات تتغير، والرؤساء يموتون، والحروب تبدأ وتنتهي... لكن هناك أشخاصًا لا يظهرون في الصور الرسمية، ومع ذلك يكونون موجودين في الغرفة عندما تُتخذ القرارات." اقترب آدم قليلًا. "وهل كان كاتم أحد هؤلاء؟" نظرت نوال إلى الرجل الخامس في الصورة طويلًا. ثم قالت: "أخي كان يعتقد ذلك."_ "وأنت؟" لم تجب فورًا. نهضت من مكانها، واتجهت إلى خزانة صغيرة في نهاية الغرفة. فتحت درجًا سفليًا وأخرجت علبة معدنية قديمة. وضعتها أمام آدم، ثم أخرجت منها ظرفًا اصفرّ لونه مع الزمن: "أعطاني سليم هذا قبل موته. قال لي إذا جاء يوم وسأل أحد عن الصورة، أعطيه الظرف." نظر آدم إليها: "لماذا لم تسلميه للشرطة؟" ابتسمت بمرارة: "لأن أول شيء قاله لي كان: لا تثقي بالشرطة." لم تعجب سامر الجملة، لكن آدم لم يعلق. أخذ الظرف. كان مغلقًا منذ سنوات. وعلى واجهته كُتبت عبارة قصيرة:
إلى من يجد الخامس.
فتح آدم الظرف بحذر. كانت داخله ورقة واحدة. قرأ السطر الأول. ثم توقف. شعر بأن ليان تراقب وجهه. قالت: "ماذا كتب؟" رفع آدم الورقة قليلًا وقرأ بصوت هادئ: "إذا كنت تقرأ هذا، فإما أن كاتم مات فعلًا... أو أن الجميع صدقوا أنه مات." توقف. أسفل العبارة كان هناك رمز صغير مرسوم بالحبر. دائرة سوداء يتوسطها خط عمودي رفيع. وتحتها كلمتان:
المؤسس الخامس.
لم يقل أحد شيئًا. كان ذلك أول دليل يضع كاتم في مكان مختلف تمامًا عما تخيلوه. ليس شاهدًا. ولا ضحية. ولا مخبرًا. بل ربما... واحدًا ممن بدأوا كل شيء. عندما خرجوا من منزل نوال كان الليل قد حل، والهواء أصبح أكثر برودة. وقف آدم عند السيارة، لكنه لم يفتح الباب. ظل ينظر إلى نوافذ المنزل خلفه، بينما كان عقله يعيد جملة واحدة باستمرار:
المؤسس الخامس.
قال سامر وهو يقف بجانبه: "إذا كانت الورقة حقيقية، فالرجل الذي نبحث عنه لم يكن ضحية منظمة الظل." أجاب آدم دون أن ينظر إليه: "ربما كان المنظمة نفسها." أما ليان فكانت على وشك قول شيء عندما أضاءت نافذة في الطابق المقابل للشارع. رفع آدم رأسه. كان هناك رجل يقف خلف الستارة. لم تظهر ملامحه. مجرد هيئة ساكنة. يراقبهم. تحرك آدم فورًا نحو المبنى: "آدم!" سمع سامر يناديه، لكنه كان قد عبر الشارع. دخل المدخل القديم وصعد الدرج بسرعة، بينما لحق به سامر. الطابق الأول، ثم الثاني، ثم الثالث. وصل إلى الشقة المقابلة، وجد الباب مواربًا ودفعه بيده. كانت الشقة فارغة. لا أثاث. لا رجل. لا صوت. فقط رائحة دخان حديثة. اقترب آدم من النافذة التي كان الرجل يقف خلفها قبل أقل من دقيقة. فوق حافتها وجد سيجارة ما زالت مشتعلة. وبجانبها... صورة. رفعها. كانت صورة التقطت قبل دقائق فقط. نوال تفتح الباب لهم. آدم يقف أمامها. ليان خلفه. وسامر إلى الجانب. كان أحدهم يصورهم منذ لحظة وصولهم. قلب آدم الصورة.وجد على ظهرها ثلاث كلمات مكتوبة بحبر أسود حديث: الظل يراك أيضًا. وقف سامر خلفه يقرأها بصمت. وللمرة الأولى منذ بداية القضية لم يحاول أي منهما تفسير الأمر. لأن شيئًا واحدًا أصبح واضحًا. لم يكونوا يبحثون عن منظمة ماتت منذ ثلاثين عامًا. المنظمة كانت لا تزال موجودة. وفي مكان بعيد، داخل غرفة اجتماعات لم يكن فيها أي شعار أو نافذة، جلس خمسة أشخاص حول طاولة سوداء طويلة. لم تظهر وجوههم كاملة تحت الإضاءة الخافتة، ولم ينادِ أحد منهم الآخر باسمه. كانت أمامهم صورة آدم وليان وسامر نفسها التي وُجدت قبل دقائق على حافة النافذة. قال رجل في نهاية الطاولة: "وصلوا إلى نوال." أجاب صوت امرأة من الجانب الآخر: "كان ذلك متوقعًا." سأل ثالث: "والاسم؟"ساد الصمت لثوانٍ. ثم جاء الجواب: "ظهر." لم يحتج أحد إلى السؤال عن أي اسم. قال الرجل الأول: "إذن نُنهي التحقيق." لكن شخصًا كان جالسًا في الظلام عند الطرف البعيد من الطاولة رفع إصبعه ببطء. فسكت الجميع. قال بصوت عجوز هادئ: "لا." التفتت الرؤوس نحوه. أكمل: "اتركوهم يبحثون." سألته المرأة: "عن كاتم؟" ابتسم الرجل في الظلام ابتسامة لم يرها أحد كاملة: "عن النسخة التي نريدهم أن يجدونها منه." ثم سحب الصورة نحوه، وحدق طويلًا في وجه آدم: "ثلاثون عامًا ونحن ننتظر أن يفتح أحد هذا الباب من الجهة الأخرى." رفع عينيه: "لنرَ إلى أين سيصل." وفي الكوخ البعيد عند البحر، كان نديم شاهين قد ارتدى معطفه للمرة الأولى منذ سنوات، ووضع المفتاح القديم في جيبه وأطفأ نار المدفأة. وقبل أن يغادر، وقف أمام الصورة الممزقة للمرة الأخيرة، ومد إصبعه إلى الفراغ الذي كان يحتل فيه وجه كاتم مكانه يومًا. قال بصوت متعب: "كان يجب أن أتركك ميتًا." ثم حمل حقيبة صغيرة وخرج إلى العاصفة. لم يكن يعرف أن سيارة سوداء كانت متوقفة منذ ساعتين على الطريق المرتفع خلف المنارة. ولم يكن الرجل الجالس داخلها ينظر إلى نديم. كان ينظر إلى ساعته. كانت تشير إلى
03:32.