مملكة الألف « إندورال »

الفصل 1: المقدمة التمهيدية

المقدمة التمهيدية

نداء الحجر الأسود________________________

لم يظهر الجبل على أية خريطة. لم تذكره سجلات الرحّالة، ولم تتحدث عنه حكايات القوافل القديمة، حتى أولئك الذين زعموا أنهم عبروا أطراف العالم وعادوا بأخبار أراضٍ لا تصل إليها الشمس، لم يأتوا يومًا على ذكر جبل أسود ينتصب وحيدًا خلف غابة لا تنتهي. ومع ذلك، كان هناك. ظهر عند الغروب، حين ابتلع الضباب الطريق الذي سلكته جماعة الرحّالة، فتاهت خطواتهم بين الأشجار المتشابكة. كانوا سبعة حين دخلوا الغابة، يحملون خرائطهم وأسلحتهم وأحلامهم بالعثور على كنز يخلّد أسماءهم، لكنهم ما إن بلغوا أعمق مواضعها حتى بدأت أشجارها تتقارب من خلفهم، كأنها تمحو الطريق الذي جاؤوا منه. لم تكن الغابة صامتة. كان الصمت نفسه هو الذي يصغي إليهم. كل غصن انكسر تحت أقدامهم بدا كأنه إعلان عن وجودهم، وكل نفس خرج من صدورهم عاد إليهم من مكان بعيد، أبطأ وأثقل، كما لو أن شيئًا مجهولًا يقلّد تنفّسهم بين الظلال. تقدّم قائد الرحلة في المقدمة، وفي يده بوصلة ذهبية قديمة. كان قد اشتراها من تاجر أعمى أقسم له أنها لا تشير إلى الشمال، بل إلى الشيء الذي يرغب حامِلها في العثور عليه أكثر من أي شيء آخر. ومنذ دخلوا الغابة، لم يتوقف عقربها عن الارتجاف. قال أحد الرحّالة وهو يحدّق في الضباب: "لقد مررنا بهذه الشجرة من قبل". لم يجبه أحد. كانت الشجرة مختلفة عن سائر الأشجار؛ جذعها أعرض من أن يحيط به عشرة رجال، وعلى لحائها أثر طويل يشبه شقًّا أحدثه سيف هائل. لكن ذلك لم يكن ما أخافهم. ما أخافهم هو قطعة القماش الحمراء المربوطة بأحد أغصانها. كانوا هم من ربطوها قبل ساعات، ليعرفوا الطريق عند عودتهم. اقترب أحدهم منها ومد يده، ثم توقف. لم تعد القماشة حمراء. كان لونها ينسحب ببطء، كما ينسحب الدم من وجه ميت، حتى تحولت أمام أعينهم إلى سواد قاتم.تراجع الرجل خطوة: "هذه الغابة لا تريدنا هنا". قال قائد الرحلة من دون أن يلتفت: "الغابات لا تريد ولا تكره". فجاءه صوت خافت من بين الأشجار: «لكنها تتذكر.» استدار الجميع في اللحظة نفسها، وارتفعت الأسلحة بين أيديهم، غير أنهم لم يجدوا أحدًا. لم يروا سوى الضباب ينساب بين الجذوع. ثم تحرك عقرب البوصلة. استدار دورة كاملة، ثم ثبت باتجاه الشرق. وفي اللحظة التي رفع فيها القائد رأسه، انشق الضباب أمامهم، وظهر الجبل. كان بعيدًا، ومع ذلك بدا قريبًا بما يكفي ليلامس السماء فوقهم. جبل وحيد لا تتصل به سلسلة، ولا تحيط به قمم أخرى. انحدرت جوانبه السوداء من بين السحب، لامعة كأنها صُقلت بيد عملاقة، بينما استقرت فوق قمته غيوم داكنة لم تتحرك رغم اشتداد الريح. تبدلت نظرات الرحّالة. تراجع الخوف في عيون بعضهم، وحلّ مكانه ذلك البريق الذي قادهم طوال أعوام من مدينة إلى أخرى، ومن مقبرة منسية إلى أطلال ممالك لم يبقَ من أسمائها سوى حروف محطمة. بريق الطمع. أخرج أحدهم مخطوطة مهترئة كان قد عثر عليها في سوق قديم، وفردها تحت الضوء الأخير للنهار. لم تحمل المخطوطة خريطة واضحة، بل سطورًا ناقصة كُتبت بلغة لم يستطع أحد منهم قراءتها كاملة. وفي أسفلها ظهر رسم لجبل منفرد، تحيط به سبعة خطوط ملتوية. قارن الرجل الرسم بالقمة التي أمامهم، ثم قال بصوت مضطرب: "إنه هو". حدّق القائد فيه: "قلت إن المخطوطة لا تحدد مكانه". — "لم تحدد مكانه... لأنها تقول إنه لا يبقى في مكان واحد." ساد بينهم صمت قصير. نظر أحد الرحّالة خلفه، نحو الغابة التي أغلقت دروبها، ثم قال: "ربما ينبغي أن نعود."ابتسم القائد ابتسامة خالية من الدفء: "إلى أين؟" لم يمتلك أحد إجابة. بلغوا سفح الجبل بعد منتصف الليل. لم يعثروا على مدخل، ولا على أثر لطريق صعده إنسان أو دابة. داروا حول صخوره السوداء ساعات، حتى وجد أصغرهم سنًا فجوة ضيقة تحجبها جذور شجرة يابسة. قطعوا الجذور، فظهر خلفها باب. لم يكن بابًا بالمعنى الذي عرفوه؛ لم تكن له مفاصل أو مقبض، بل كان جزءًا من الجبل نفسه، نُقشت في وسطه دائرة سوداء يحيط بها قوسان متقابلان، وبينهما سهمان يتجه كل منهما إلى ناحية. وتحت الرمز كانت هناك كلمات. مرر حامل المخطوطة أصابعه فوقها، ثم قال: "إنها اللغة نفسها." — "هل تستطيع قراءتها؟" تردد طويلًا قبل أن يجيب: "بعضها." رفع المصباح واقترب حتى كاد وجهه يلامس الحجر: "هنا... تكمن القوة..." تحركت شفتاه وهو يحاول فهم السطر الأخير. ثم تغير وجهه: "... والحماية لنا." ضحك أحد الرحّالة باستخفاف: "حماية ممّن؟" قبل أن يجيبه أحد، انفتح الباب. لم يصدر عنه صوت، ولم يتحرك إلى الداخل أو الخارج. انقسم السواد في وسطه فحسب، وظهرت خلفه عتمة أشد كثافة من الليل. هبّت من الممر رائحة باردة؛ مزيج من التراب القديم والدخان وماء ظل راكدًا قرونًا طويلة. وانطفأت ثلاثة مصابيح دفعة واحدة. تراجع أحدهم، لكن القائد أشعل مشعلًا جديدًا ودخل. تبعه الآخرون. كانت الجدران ملساء، سوداء، تعكس وجوههم مشوهة على جانبي الطريق. وفي مواضع متفرقة لمعت عروق حجرية بلون أخضر زمردي خافت، تنبض داخل الصخر كما تنبض العروق تحت جلد كائن نائم. كلما توغلوا، ازدادت حرارة البوصلة في يد القائد. وبعد مسير طويل، انتهى الممر إلى قاعة واسعة لم تصل أضواء مشاعلهم إلى سقفها. رفعوا مصابيحهم، فتساقط الضوء فوق شيء لم يره أحد منهم في حياته. ذهب. تلال من الذهب امتدت أمامهم، تخالطها تيجان مرصعة، وصناديق مفتوحة تفيض منها الأحجار الكريمة، وأسلحة ذات مقابض فضية، وأكواب نُقشت عليها وجوه مخلوقات غريبة. كانت هناك تماثيل لملوك وملكات بملامح فاتنة ومخيفة؛ شعورهم طويلة، وآذانهم مستطيلة، وعيونهم منحوتة بانحراف حاد، كأنهم ينظرون إلى الداخلين رغم جمود الحجر. اندفع بعض الرحّالة نحو الكنوز. أما القائد فبقي مكانه. لم تعد البوصلة تشير إلى الذهب. كان عقربها يتجه إلى الطرف الآخر من القاعة، حيث ارتفع عرش أسود فوق سبع درجات. لم يكن فوق العرش تاج أو هيكل ملك ميت، وإنما استقرت عليه كتلة صغيرة غطاها قماش رمادي أكل الزمن أطرافه. اقترب القائد منها ببطء. ومع كل خطوة، سمع صوتًا في داخله. لم يكن كلامًا واضحًا، بل همسًا بعيدًا يتسلل بين أفكاره، ويناديه بصوت يعرفه ولا يتذكر صاحبه. مد يده إلى القماش. صاح حامل المخطوطة من خلفه: "انتظر!" لكن القائد نزعه. ظهر حجر أسود بحجم قلب صغير. لم يكن لونه كسواد الجدران أو ظلمة الممرات؛ كان سوادًا عميقًا يمتص الضوء من حوله، بينما تحرك في داخله بريق زجاجي خافت، كأن نجمة بعيدة حُبست في قلبه. اقترب حامل المخطوطة، وشحب وجهه عندما رآه. راح يقلب أوراقه بسرعة حتى وجد رسمًا مطابقًا للحجر، محاطًا بسطور لم يجرؤ من كتبها على إكمالها: "أعد الغطاء." لم يتحرك القائد: "وجدناه." — "هذا ليس كنزًا." رفع القائد الحجر بين أصابعه، فانطفأت جميع المصابيح. غرق المكان في العتمة. ومن أعماق الجبل، جاء صوت ضربة واحدة. ضربة هائلة وبطيئة، كنبضة قلب استيقظ بعد موت طويل. ارتجّت القاعة، وتساقط الغبار من سقفها. تراجع الرحّالة مذعورين، بينما بدأت الخطوط الزمردية في الجدران تضيء واحدة تلو الأخرى. لم تكن عروقًا حجرية كما ظنوا، بل كلمات لا حصر لها، تمتد عبر الجبل كله وتلتف حول القاعة كدوائر عهد قديم. ثم فتحت التماثيل أعينها. لم تكن عيونًا من حجر. كانت عيونًا حقيقية، حادة ومتوهجة، تحمل في نظراتها غضب آلاف السنين. صاح أحد الرحّالة، لكن صوته انقطع حين انغلقت بوابة القاعة خلفهم. اندفع الآخرون نحوها، يضربون الصخر ويبحثون عن منفذ، بينما بقي القائد أمام العرش، عاجزًا عن إنزال يده. التصق الحجر بكفه. انتشرت من تحته خيوط سوداء صعدت في ذراعه، وبدا كأن شيئًا ينساب من الحجر إلى جسده، أو من جسده إلى الحجر. اقترب منه حامل المخطوطة وحاول انتزاعه، فرفع القائد وجهه إليه. لم تعد عيناه على حالهما. قال بصوتين متداخلين: "لقد سمع النداء." تجمد الرجل: "مَن؟" ابتسم القائد، إلا أن الابتسامة لم تكن له. ومن وراء العرش انشق الجدار الأسود، كاشفًا عن باب هائل لم يكن موجودًا قبل لحظات. اندفع من خلفه هواء حمل رائحة غابات حية، وأسواق بعيدة، ونيران مشتعلة، وأغانٍ بلغة مات آخر من نطق بها منذ زمن لا يُقاس. وعبر الباب ظهرت مدينة كاملة غارقة في الظلام. قصور شاهقة، وأبراج سوداء مذهبة، وجسور معلقة فوق هاوية خضراء الضوء. وفي قلبها انتصب قصر أعظم من كل ما عرفته الممالك، ترفرف فوقه رايات لم تحركها ريح. لم تكن المدينة أطلالًا. كانت تنتظر. جثا حامل المخطوطة أمام المشهد، وحدّق في الكلمات التي اشتعلت على الصفحة الأخيرة بين يديه. وللمرة الأولى، استطاع قراءتها كاملة:

«إذا نادى الحجر، عاد العهد. وإذا عاد العهد، استيقظ أبناء العالم الأول.»

عندها فهم الحقيقة متأخرًا. لم يكن الجبل يخفي كنزًا. ولم يكن العقيق الأسود حجرًا تركه شعب اندثر. كان بابًا. ومن الجهة الأخرى، فتح شيء عينيه. قبل ذلك بآلاف القرون، قبل أن تُبنَى "أستاريا"، وقبل أن تهمس رمال "السنديان" بأسماء ملوكها، وقبل أن يولد أول إنسان وينظر إلى السماء متسائلًا عمّن سبقه إلى هذا العالم... كان الألف هنا. وكان الحجر قد بدأ يناديهم للمرة الأولى.