القسم الثاني_ ملتقى القبائل
حين انطلقت أبواق الحرب من أقصى الأفق، لم تعرف "نايرا" إن كانت تدعو القادمين إلى السهل أم تحذّرهم منه. خرج الصوت طويلًا وثقيلًا، ثم انقطع فجأة، تاركًا وراءه صمتًا بدا أشد قسوة من الضجيج. بقيت منحنية فوق الشق المضيء، تحدّق في العين الحجرية التي انفتحت تحتها، بينما استمرت الكلمة الأخيرة تتردد داخل رأسها: «اجمعيهم.». كان صوت الحجر يتردد في أعماق عظامها كتردد صدى صاعقة ضربت قاع بئرٍ سحيق، صوتٌ لم يتكلم بلغة البشر بل بنبض الأرض الخام التي لُطخت بالدم قبل أن تُخلق البشرية. جف حلقها، وشعرت بمرارة معدنية تحت لسانها، بينما انتفض كفها بالألم وكأن جمرة حية وُضعت في قبضتها. كان الشق المضيء تحت أقدامها يتنفس بحرارة خافتة، يُخرج زفيراً برائحة الطمي العتيق والرماد الخالي من الدخان. لم تكن تعرف كيف يمكنها جمع قبائل لم تتفق يومًا إلا على كراهيتها بعضها لبعض. قبائل تفصل بينها الجبال والغابات والبحار، وتحفظ كل واحدة منها أسماء قتلاها كما تحفظ أسماء أبنائها. تاريخٌ طويلٌ من الشقاق كتبته الدماء فوق الرق العتيق؛ فهنا في هذه السهول الممتدة، لم تكن الرؤوس تُقطع للسيطرة على الأرض فقط، بل انتزاعاً للكرامة والأوهام القديمة. كيف لعاقل أن يجمع بين رماة الشجر الذين يقدسون الحياة، وحفّاري الجبال الذين يعبدون أفران النار والسخام؟ كان مجرد احتمال وقوفهم في صف واحد ينطوي على دمار شامل، لأن أول سهم سيُنطلق لن يُوجَّه إلى العدو المجهول، بل إلى صدر القريب المخالف. تراجعت خطوة، فانطبقت العين الحجرية ببطء، وتحول الضوء الأخضر إلى خيط دقيق قبل أن يختفي تمامًا. بقي الرمز الأسود محفورًا في الأرض، ساكنًا كأنه لم يتكلم قط. ثم تحرك الدخان من حولها. لم يتبدد مع الريح، بل انقسم إلى ممر ضيق امتد بين الصخرتين القائمتين. وفي نهايته ظهر السهل مرة أخرى، شاحبًا تحت سماء فقدت لونها. كانت السماء فوق السهل تبدو كملاءة رمادية ثقيلة نُسجت من غبار المعارك المنسية، بلا شمس ولا غيوم، مجرد فراغ ملطخ بوجوم داكن. العشب الميت يمتد تحت قدميها أصفر جافاً، يتكسر بأقل حركة ويرسل هشاشة صوتية تزيد من وحشة المكان. حتى الهواء كان ثقيلاً وساكناً، يلتصق بالرئتين وكأنه يمنع الصدر من التنفس بحرية، مشبعاً برائحة الكبريت الشاحب الذي خلفه انفتاح الحجر. سمعت "نايرا" الأبواق للمرة الثانية. هذه المرة جاءت من جهة الشمال. رفعت قوسها، واستدارت نحو الصوت. لم تستطع رؤية شيء خلف ستار الغبار، لكن الأرض حملت إليها ارتجاجًا منتظمًا؛ وقع أقدام كثيرة تتقدم ببطء. لم تكن خطوات دواب. كانت خطوات محاربين. كان المنتظم في وقع أقدامهم يوحي بدقة عسكرية صارمة وخالية من الرحمة؛ لم تكن هناك عجلة، بل زحفٌ ثقيل يُشبه حركة النهر البركاني البطيء حين يلتهم كل ما يمر به. كانت الأرض تحت قدميها تهتز بنبرة خفيفة، نبرة تفهمها "نايرا" جيداً، فهي نبرة العتاد الثقيل، والدروع المصنوعة من الحديد الغشيم الذي لم يمسه الصقل، والدواب المجهدة المربوطة لعربات الحصار. أمسكت "نايرا" سهمًا من جعبتها، ثم تحركت مبتعدة عن الدائرة السوداء. كل ما تعلمته منذ طفولتها كان يأمرها بالاختباء، ومراقبة القادمين قبل أن يروها. غير أن صوت الحجر ظل حاضرًا في أعماقها، يدفعها إلى البقاء قرب البوابة. ظهرت أول راية وسط الغبار. قطعة طويلة من جلد أحمر داكن، رُسمت عليها شعلة تتوسط قرنين أسودين. عرفتها "نايرا" قبل أن يظهر حاملوها. راية بني "زاهان". تصلبت أصابعها حول القوس. لم يدخل محاربو الجبال هذه السهول منذ الحروب القديمة. كانوا يعدّون النار أمًّا أولى، ويؤمنون بأن جبالهم خُلقت من عظام آلهة محترقة. لم تكن قبيلتها قد خاضت حربًا مباشرة معهم، لكنها فقدت قافلتين عند حدودهم، ولم يعد من رجالهما أحد ليروي ما حدث. كانت أساطير بني "زاهان" تتحدث عن قلوبهم المصنوعة من الصلب البارد، وعن أطفالهم الذين يُفطمون على تجرع الدماء المحمومة في أودية الجبال المظلمة. بالنسبة لهم، كانت الحياة مجرد اختبار للمعيار الحقيقي للقوة، والغريب بالنسبة لهم ليس سوى حطب إضافي يُلقى في أفرانهم المقدسة. كانت "نايرا" تعلم أن الوقوف بوجه هؤلاء لا يتطلب الشجاعة فحسب، بل يتطلب الاستعداد التام لمواجهة شياطين لا تعرف الخوف أو التراجع. ظهر المحاربون تباعًا. كانوا طويلين، عريضي الأكتاف، يغطون صدورهم بصفائح سوداء صُهرت في أفران الجبال. تدلت من خوذهم خيوط حمراء، وحمل كل واحد منهم رمحًا ينتهي بحجر بركاني حاد. ساروا في صفين متقابلين، وبينهما تقدم رجل مسن يحمل وعاءً نحاسيًا اشتعلت داخله نار سوداء. كان كاهن قبيلة "زاهان". وعندما بلغ حافة الدخان، رفع يده. توقفت الصفوف كلها في اللحظة نفسها. حدّق الكاهن في "نايرا" طويلًا. كانت عيناه محاطتين بخطوط رمادية، وعلى جبهته أثر حرق قديم اتخذ شكل نصف دائرة. انبعثت من الوعاء النحاسي الذي يحمله رداءة دخانية كثيفة لا تصعد نحو الأعلى، بل تتسرب على أطراف الوعاء وتنسكب على الأرض كالسائل الأسود اللزج. كانت الشعلة ذاتها تبدو كأنها تأكل النور المحيط بها بدلاً من أن تضيء، تصدر صفيراً خافتاً كحسيس الأفاعي. أما الكاهن نفسه، فكان ينظر إليها بعينين خاويتين من الأمل، كعيني ميت خرج للتو من قاع المعبد البركاني المحترق ليطالب بدينٍ قديم. قال بصوت خشن: "ابتعدي عن الحجر." لم تتحرك نايرا: "أي حجر؟" خفض الرجل نظره نحو الرمز المحفور خلفها: "الحجر الذي أطفأ نار معبدنا." ارتفعت همهمات المحاربين، وتحركت الرماح في أيديهم. أدركت "نايرا" أنهم لا يرون أمامهم فتاة ضلت طريقها، بل دخيلة سبقتهم إلى شيء يعتقدون أنه يخصهم. عدّلت "نايرا" وقفتها بثبات، وضغطت بكعب إبهامها على خشب القوس القاسي. كانت أعصابها مشدودة كوتَر قوسها المشدود تماماً. لم يكن خوفها ينبع من طعنة رمح أو ضربة سيف، بل من أن تخفق في إيصال السهم الأول إلى جفن ذلك الكاهن المتكبر قبل أن تُقطع أوصالها. كانت تعلم أن سِهامها الأولى يجب أن تكون حاسمة، وأن الثمن الذي تدفعه القبال في مثل هذه المواقف لا يُقاس بالعدل بل بالسرعة. قالت: "لم ألمسه إلا بعد أن ناداني." تغير وجه الكاهن: "ناداكِ؟" لم تجبه. لم تكن تعرف إن كان إخبارهم بما قاله الحجر حكمة أم خطأً سيكلفها حياتها. لكنها لاحظت أن النار السوداء داخل الوعاء مالت نحوها، مع أن الريح كانت تهب في الاتجاه المعاكس. لاحظ الكاهن ذلك أيضًا. اقترب خطوة، فرفعت "نايرا" قوسها وصوبت السهم نحو صدره. في اللحظة نفسها، انخفضت رماح بني "زاهان" باتجاهها. ساد السهل صمت مشدود. قال الكاهن: "إن أطلقتِ سهمكِ، فلن يبلغني قبل أن تمتلئ عظامكِ برماحهم." أجابته من دون أن تخفض القوس: "لكنه سيبلغك." اختلج جفن الكاهن الأيسر، وتبدلت ملامحه القاسية بحيرة مكتومة. لم تكن المرة الأولى التي يواجه فيها الموت، لكنها المرة الأولى التي يرى فيها الموت يتربص به في عيون فتاة وحيدة تتنفس بثبات بين مئات الرماة المصطفيّن. تأملها الرجل لحظات، ثم ارتسم على فمه شيء لم يكن ابتسامة كاملة: "مَن أنتِ؟" — "نايرا، ابنة زعيم أبناء الغبار.“ اختفت النظرة الساخرة من عينيه: "إذن سبقتنا قبيلتكِ." — "جئت وحدي.“ استدار الكاهن نحو محاربيه، وكأنه ينتظر أن يجد ما يكذب قولها. ساد التردد بين صفوف بني "زاهان"، وتبادل المحاربون الأقوياء النظرات المستنكرة عبر خوذهم الحديدية ثقيلة الوزن. هل يُعقل أن "أبناء الغبار" الذين طالما اعتبروهم قبيلة من الهاربين وسكان الخيام الذابلة- قد جشّأوا أنفسهم للوصول إلى العهد قبلهم؟ كان هذا التصور كفيلاً بإهانة كبرياء أشداء الجبال الذين يظنون أن الأرض لا تطأها قدمٌ قبل أقدامهم الثقيلة. لم تكن هناك رايات أخرى، ولا دواب، ولا آثار لقافلة عبرت السهل. مجرد آثار قدمين بدأ الغبار يمحوها. وقبل أن يسألها سؤالًا آخر، ارتفع صوت من الشرق؛ صوت عميق يشبه احتكاك جذوع الأشجار في عاصفة. التفت الجميع. تحرك خط الغابة البعيد. في البداية ظنته "نايرا" خدعة صنعتها حرارة السهل، ثم أدركت أن الأشجار نفسها كانت تتقدم. سارت جذورها فوق التراب كأصابع ملتوية، وتحت ظلالها ظهر رماة "السروان"، يرتدون أردية خضراء تتخللها خيوط فضية. لم يحملوا رايات؛ فقد كانت الأشجار راياتهم. تقدمت امرأة في مقدمتهم، طويلة القامة، ينسدل شعرها الأبيض حتى خصرها. أمسكت عصًا نمت من طرفها أوراق حية، وعلى كتفها وقف طائر أسود بثلاث عيون. توقفت الأشجار عند حافة السهل. حدقت المرأة في كاهن "زاهان"، ثم في "نايرا"، وأخيرًا في الدائرة المحفورة بين الصخرتين. قالت: "إذن لم يكن النداء لنا وحدنا." أجاب الكاهن ببرود: "لم يقل أحد إنكم مدعوون." رفعت المرأة عينيها إليه: "ولا أتذكر أن الجبال أصبحت تتكلم باسم الأرض." تحرك بعض محاربي "زاهان" غاضبين، بينما رفع رماة "السروان" أقواسهم من بين الجذوع. وخلال لحظات، صار السهل المحرّم على حافة معركة جديدة، قبل أن يعرف القادمون لماذا استُدعوا إليه. شعرت "نايرا" بالحرارة تعود إلى كفها. نبضة واحدة. اهتزت الدائرة السوداء خلفها، وتسرب من شقوقها الضوء الأخضر. انطفأت النار في وعاء كاهن قبيلة "زاهان"، وتساقطت أوراق الأشجار دفعة واحدة. ثم جاء صوت الحجر، قويًا هذه المرة حتى سمعه الجميع: «لم يكتمل الجمع.» تراجعت الصفوف مذعورة. أما "نايرا"، فبقيت في مكانها. كانت تنظر نحو الغرب، حيث بدأ الغبار يرتفع تحت أقدام قبيلتها القادمة، ونحو الجنوب، حيث حملت الريح رائحة البحر. قبيلتان وصلتا. وقبيلتان في الطريق. وبينهما ثارات تكفي لإغراق السهل بالدماء قبل حلول الليل.