الفصل الأول: رايات الرمال
القسم الأول_ الفجر الصامت____________________
لم يطلع الفجر على الصحراء كما اعتاد أهلها. جاء باهتًا، بطيئًا، كأن الليل لم يقرر بعد إن كان مستعدًا للرحيل. بقيت زرقة داكنة عالقة فوق أطراف السماء، فيما تمدد خيط من الضوء الشاحب خلف الكثبان الشرقية، عاجزًا عن تبديد الظلال التي ملأت الوادي. وكان الصمت لا يزال قائمًا. لم تنبح كلاب الحراسة عند تبدّل النوبات، ولم تتعالى أصوات النساء قرب مواقد الخبز. حتى الجمال المربوطة عند أطراف المضارب بدت ساكنة على غير عادتها، ترفع رؤوسها بين حين وآخر وتشم الهواء كأنها تترقب رائحة لا يعرفها البشر. خرجت "ماوية" من خيمتها قبل أن ينادي الحارس حلول الصباح. وقفت لحظة عند المدخل، وأسندت كفها إلى العمود الخشبي، ثم رفعت عينيها نحو السماء. لم تكن النجمة هناك. اختفت كما لو أنها لم تعبر الليل قط، غير أن الفراغ الذي تركته بدا أوضح من بقية النجوم الباهتة. كأن السماء نُزِعَت منها قطعة، أو كأن عينًا كانت ترقب القفار وأُغمضت فجأة. في صحراءٍ تعوّد أهلها أن يقيسوا بها أعمارهم ومسارات قوافلهم، لم يكن اختفاء نجمةٍ مجرد حادثةٍ فلكية عابرة؛ بل كان يشبه اقتلاع حجارة الزاوية من بناءٍ لم يكتمل بعد. ظلت تنظر إلى موضعها طويلًا. كان ينبغي لغيابها أن يطمئنها. لكنه لم يفعل. قال صوت خلفها: "لن تعود لمجرد أنك تراقبين مكانها." لم تلتفت "ماوية". عرفت صاحب الصوت من وقع خطواته الثقيلة ومن رائحة الجلد والزيت التي كانت تسبق حضوره دائمًا. أجابت: "ومن قال إنني أنتظر عودتها؟" وقف "سُهيل" إلى جوارها، حاملًا رمحه القصير على كتفه. كان أكبر منها ببضعة أعوام، عريض المنكبين، ذا وجه لوّحته شمس القفار حتى بدا منحوتًا من خشبٍ داكن. تولى حراسة خيمتها منذ عودتها إلى مضارب أبيها، لكنه لم يعاملها يومًا كما يعامل الحراس بنات الملوك. ولهذا أبقاه "المنذر" قريبًا منها. قال "سهيل" وهو يتطلع إلى السماء: "خرج نصف المضارب ليلًا لمشاهدتها، ثم عادوا إلى خيامهم وهم يتظاهرون بأن الأمر لا يعنيهم." _ "والنصف الآخر؟" _ "ظل داخل خيامه يتظاهر بأنه لم يرها." التفتت إليه أخيرًا" "وأنت؟" هز كتفيه: "أنا رجل حراسة. أخاف الأشياء التي تستطيع طعني." نظرت "ماوية" إلى يده القابضة على الرمح، ثم قالت: "كنت ترتجف حين ظهرت." أنزل الرمح عن كتفه وقطّب حاجبيه: "كان البرد شديدًا." _ "نحن في آخر القيظ." _ "لهذا كان الأمر غريبًا." نظر "سهيل" نحو الأفق الأغبر وتابع بنبرةٍ خفيضة: "يا أميرة، البدو لا يخشون الريح لأنهم يعرفون وجهتها، ولا يهابون الذئاب لأن السهام تكفيها.. لكن حين تتغير لغة السماء، تشعر أن الأرض تحت قدميك لم تعد ملكًا لك." كادت تبتسم، لكنها سمعت حركة عند طرف المضارب. جاء صوت حافرٍ واحد يضرب الأرض، ثم احتكاك حبلٍ مشدود بخشبة. أدارت رأسها فرأت فرسها الرمادية واقفة خلف سياج منخفض من الأغصان اليابسة. كانت تضرب الرمل بحافرها الأمامي، نافرةً من شيء لا يظهر أمامها. اقتربت "ماوية" منها. رفعت الفرس رأسها فورًا، وشدت الحبل حتى انغرس في عنقها. لم تكن تخشى "ماوية"، ولم يسبق لها أن تراجعت عن يدها، لكنها في ذلك الصباح كانت تحدق إلى الجنوب بعينين واسعتين. مررت "ماوية" كفها على عنقها وهمست: "اهدئي يا رملة." لم تهدأ. اقترب "سهيل"، فتوقفت "ماوية" عن التربيت على الفرس وأصغت. لم تسمع شيئًا في البداية، ثم وصل إليها صوت خافت متقطع، أقرب إلى خشخشة حجر يُجر فوق حجر. قال سهيل: "إنها الريح." لكن الهواء كان ساكنًا. رفعت ماوية بصرها نحو الجنوب. امتدت الكثبان بلا نهاية، تتخللها بقع صخرية داكنة ومسالك رفيعة تركتها القوافل. لم يتحرك شيء فوقها، ولم يظهر غبار يدل على اقتراب فرسان. ومع ذلك، ظلت الفرس تحدق إلى الجهة نفسها. قالت "ماوية": "هل أبي مستيقظ؟" أجاب "سهيل" بعد تردد قصير: "لم ينم." تركته واتجهت نحو الخيمة الكبرى القائمة في منتصف المضارب. كانت راية أبيها معلقة فوقها بلا حركة؛ قطعة طويلة بلون الرمل تتوسطها علامة شمس سوداء. وحولها ارتفعت رايات العشائر الأخرى، متباعدة حتى داخل المضرب الواحد، كأن كل راية تخشى أن يمسها ظل الأخرى. كانت تلك الرايات المتباعدة تحكي تاريخًا طويلاً من الشك المتبادل؛ قبائل جمعتها قسوة الصحراء وقرابة الدم، وفرقها الخوف من الآتي. لم يوحّدها سوى مهابة "المنذر بن قابوس"، غير أن التوتر كان يترقرق تحت السطح كطبقة رملٍ متحركة تنتظر أول هبة للريح كي تنهار. أمام الخيمة، وقف حارسان مسلحان. انحنيا لماوية وأفسحا لها الطريق، لكنها توقفت حين سمعت أصواتًا مرتفعة في الداخل. قال رجل: "ظهور ضوء في السماء لا يستحق جمع المجلس." وجاءه صوت آخر أشد خشونة: "لم يكن ضوءًا عابرًا، وقد رأيته الحيوانات قبلنا." _ "وهل نترك شؤون القبيلة لخيولٍ مذعورة؟" عرفت "ماوية" الصوت الأول. كان ل"رباح بن جابر"، شيخ إحدى أكبر عشائر قومها، ورجلًا لا يؤمن بشيء لا يستطيع امتلاكه أو بيعه. كان رباح يضع كفيه على جلبابه الأغبر، وأصابعه تعبث بثنايا الحزام الجلدي بعصبية مكتومة. بالنسبة لرجلٍ يقيس قدر الملوك بعدد الرؤوس من الإبل وطول القوافل، كان الخوف من ظاهرةٍ في السماء أو جمرٍ متهمج مجرد ضعفٍ لا يليق بسادة القفار. أما الصوت الثاني فكان للشيخ "هلال"، أكبر رجال المجلس سنًّا وأقلهم كلامًا. رفعت "ماوية" ستار الخيمة ودخلت. كان الملك "المنذر" جالسًا في صدر المجلس، لا فوق عرش، بل على بساطٍ سميك تحيط به وسائد جلدية. لم يكن في القفار عرش يمكن حمله كلما ارتحلت القبيلة، وكان "المنذر" يقول إن الملك الذي يحتاج إلى كرسي ليبدو ملكًا لا يستحق أن يقف الرجال من أجله. جلس ستة من الشيوخ أمامه في نصف دائرة. وُضع بينهم وعاء صغير امتلأ برمادٍ أسود، وفي وسطه استقرت قطعة حجر لم ترها "ماوية" من قبل. رفع "المنذر" عينيه إليها. لم يبدُ غاضبًا من دخولها، لكن نظرته كانت كافية لتخبرها أن وجودها لم يكن متوقعًا. قال: "استيقظتِ مبكرًا." أجابته وهي تنظر إلى الحجر: "لم ينم أحد كي يستيقظ." تحرك "رباح" في مجلسه وقال ساخرًا: "حتى خيمة النساء أصبحت تعرف ما يدور في السماء." التفتت إليه "ماوية"، غير أن "المنذر" سبقها: "ابنتي لا تحتاج إلى إذن السماء كي تعرف ما يدور فوق أرضي." ساد الصمت. تقدمت "ماوية" وجلست إلى يمين أبيها. لم تكن عضوًا في المجلس، وكان بعض الشيوخ لا يزال يرى أن مكانها خلف الستار مع النساء، لكن "المنذر" لم يأمرها بالخروج. أشارت إلى الوعاء: "ما هذا؟" أجاب الشيخ "هلال": "وُجد عند بئر السَّمْر قبل الفجر." نظرت إليه. كانت بئر السمر تبعد مسيرة نصف يوم إلى الجنوب، ويستعملها الرعاة والقوافل الصغيرة القادمة من أطراف القفار. سألت: "من وجده؟" تبادل الرجال النظرات. ثم قال المنذر: "لم يجده أحد." قطبت "ماوية" حاجبيها. تابع أبوها: "وصل فرس إلى البئر قبيل الفجر. كان يحمل هذا الوعاء مربوطًا إلى سرجه." _ "وفارسه؟" أجاب الشيخ "هلال": "لم يكن فوقه فارس." تقدمت "ماوية" نحو الوعاء. كانت قطعة الحجر صغيرة، سوداء خشنة الحواف، يقطع سطحها خط أحمر رفيع يشبه عرقًا متجمدًا في قلبها. وقبل أن تمد يدها إليها، أمسك "المنذر" بمعصمها: "لا تلمسيها." نظرت إلى يده ثم إلى وجهه. للمرة الأولى منذ دخولها، رأت في عينيه شيئًا لم تره حين ظهرت النجمة ولا حين سمع الشيوخ وقع الخيول البعيد. لم يكن خوفًا. كان معرفةً يحاول إخفاءها. ساد الخيمة صمتٌ ثقيل يُسمع فيه همس الرمال وهي تتدحرج خارج الستار. كانت يد "المنذر" دافئة، وقبضته تحمل ثقل سنوات من الحكمة والحروب، لكن عروق كفه البارزة كانت مشدودة بصرامة، كأنه لم يكن يمنع ابنته من لمس الحجر فحسب، بل يمنع القدر نفسه من الامتداد إليها. سحبت يدها ببطء وسألته: "ماذا تعرف عن هذا الحجر؟" لم يجب "المنذر". وفي الخارج، دوّى صهيل فرسها عاليًا، ثم تبعته أصوات الخيول في المضارب كلها، كأن فزعًا واحدًا انتقل بينها في اللحظة نفسها. اتجهت الوجوه نحو باب الخيمة. وعندها فقط تحرك الخط الأحمر داخل الحجر الأسود. مرة واحدة. كما لو أن قلبًا صغيرًا بدأ ينبض في أعماقه.