مملكة السحرة « أستاريا »

الفصل 1: الفصل الأول_ القسم الأول

الفصل الأول_ الرماد الأزرق

القسم الأول_ نبوءة الخيانة__________________________________

لم تكن مملكة السحرة "أستاريا" تشبه المدن التي عرفها البشر في بقية الممالك، ولم يكن الوصول إليها يشبه السفر إلى أي مكان آخر في العالم. كانت المملكة تبدو وكأنها لا تسمح لأحد بأن يراها كاملة، كأنها تخفي جزءًا من نفسها خلف ستارٍ غير مرئي، فلا يراها القادمون إليها كما تُرى القلاع والمدن... بل يشعرون بها أولًا. حتى الطريق المؤدي إليها كان غريبًا. كل من اقترب من حدود "أستاريا"كان يشعر بأن الهواء يتغير تدريجيًا، يصبح أكثر برودة، وأكثر كثافة، كأن الريح تحمل معها أسرارًا قديمة لم تُنسَ تمامًا. الأشجار الممتدة على أطراف الطريق لم تكن تتحرك مع الرياح مثل بقية الأشجار، بل كانت ترتجف ببطء، وكأنها تنصت. أما الضباب الذي يغطي التلال المحيطة بالمملكة، فكان أزرق باهتًا في الليل، حتى إن بعض المسافرين كانوا يقسمون أنهم رأوا داخله ظلالًا تتحرك ثم تختفي عندما يقتربون منها. وكان هناك شيء آخر. الهمس. ذلك الهمس الخافت الذي يسمعه الغرباء عند اقترابهم من بوابات أستاريا، همسات غير مفهومة، كأن الريح تنطق أسماءً بلغة ماتت منذ قرون. كثيرون حاولوا تجاهله، لكن أحدًا لم ينجح في نسيانه. أما القلعة الملكية، فكانت ترتفع في قلب العاصمة مثل قطعة من الليل نفسه. جدرانها من حجرٍ أسود لامع، تتخلله خطوط زرقاء دقيقة تشبه العروق داخل جسدٍ حي. وفي الليالي الهادئة، كان الضوء الأزرق داخل تلك العروق يخفق ببطء، حتى ليخيّل للناظر أن القلعة تتنفس. وفوقها، كانت السماء مختلفة. في "أستاريا" لم تكن النجوم مجرد زينة بعيدة تملأ الليل، بل كانت جزءًا من المملكة نفسها. كان السحرة يقولون إن النجوم تراقب أستاريا منذ تأسيسها، وإنها تحفظ أسماء الملوك والخونة والقتلى في ضوئها البارد. ولهذا لم يكن أحد يرفع عينيه نحو السماء في تلك المملكة دون شعورٍ خفي بالرهبة. وفي تلك الليلة بالتحديد... كانت السماء مضطربة. في أعلى أبراج العاصمة، داخل "مرصد الأفق التاسع"، وقف عراف النجوم "نيريون" أمام العدسة البلورية العملاقة المعروفة باسم "عين الليل". كان المرصد دائريًا، واسعًا، تحيط به نوافذ طويلة مفتوحة على السماء مباشرة، حتى إن الرياح الباردة كانت تدور داخله ببطء، تحرّك أطراف العباءات المعلقة على الجدران. الضوء داخل المرصد كان خافتًا، مصدره دوائر نحاسية محفورة في الأرض، تتوهج بخطوط زرقاء باهتة كلما بدأت الطقوس.وقف "نيريون" بصمت طويل قبل أن يرفع يده ببطء فوق الدوائر. كانت أصابعه ترتجف قليلًا، ليس خوفًا... بل إرهاقًا. فمنذ أيام والنجوم ترسل إشارات غير مفهومة، إشارات لم يرَ مثلها منذ سنوات طويلة. أغمض عينيه للحظة، ثم بدأ التراتيل القديمة بصوت منخفض يشبه الهمس:

"يا نجوم الميثاق... يا حروف القدر... افتحي صفحة الغد."

في البداية لم يحدث شيء. ثم بدأ الضوء داخل العدسة البلورية يتحرك ببطء، كأن شيئًا يستيقظ داخلها. ارتفعت حرارة الدوائر النحاسية تحت قدميه، وتحولت الخطوط الزرقاء إلى توهج أقوى، حتى انعكس الضوء على وجه "نيريون" الشاحب. فتح عينيه ببطء. وفجأة... تشقّق الضوء داخل العدسة كما يتشقق البرق داخل الماء. شهق "نيريون" خطوة إلى الخلف. الرؤية بدأت. رأى القصر الملكي. رأى أعلام "أستاريا" تسقط. رأى نارًا زرقاء تلتهم أحد الأبراج. ثم... رأى التاج الملكي وهو يهوي من فوق درجات العرش. تسارعت أنفاسه. حاول قطع الطقس، لكن الرؤية كانت أقوى منه. ظهرت بوابة المملكة الشمالية. مغلقة. صامتة. ثم... بدأت تُفتح ببطء من الداخل. لا جيش يهاجمها. لا سحر يحطمها. بل يد خفية تفتحها بهدوء، كأن الخيانة نفسها تعرف الطريق. اتسعت عينا "نيريون" أكثر عندما ظهر الظل. شخص يقف في العتمة، ملامحه غير واضحة، لكن شيئًا واحدًا كان ظاهرًا بوضوح مرعب... خاتم ملكي. الخاتم نفسه الذي لا يجب أن يوجد إلا في يد الملكة. تراجع "نيريون" بعنف حتى اصطدمت ساقه بالطاولة الحجرية خلفه. شعر فجأة بأن حرارة المرصد اختفت بالكامل، وأن البرد تسلل إلى عظامه نفسها. حتى أنفاسه تحولت إلى ضباب أبيض أمام وجهه. همس بصوت بالكاد خرج من حلقه: "خيانة..." لكن الكلمة لم تكتمل. لأن "عين الليل" أطلقت ومضة حادة، قوية لدرجة أن الضوء الأزرق ملأ المرصد بالكامل. رفع "نيريون" ذراعه أمام عينيه، وعندما خفّ الضوء أخيرًا... ظهر الرمز. رمز لم يكن أي عراف يتمنى رؤيته طوال حياته. "الرماد الأزرق." شعر قلبه يهبط داخل صدره. ذلك الرمز لم يكن مجرد إشارة سحرية... بل لعنة قديمة مرتبطة بأسطورة محظورة. كتاب لا يُذكر اسمه داخل أستاريا إلا همسًا. كتاب قيل إن من يقرأه لا يعود كما كان أبدًا. "كتاب الرماد الأزرق." ظل "نيريون" يحدق في الرمز بصمت، بينما العرق البارد ينزل ببطء على جانب وجهه. كان يعرف شيئًا واحدًا فقط. شيئًا جعله يشعر لأول مرة منذ سنوات بالعجز الحقيقي. المستقبل الذي رآه... قد بدأ بالفعل. في الجهة الأخرى من العاصمة، داخل القصر الملكي، كانت قاعة الميثاق السحري تغرق في هدوء ثقيل يشبه انتظار العاصفة.القاعة كانت واسعة بشكل مهيب، أعمدتها العالية محفور عليها رموز السحر القديم. وسقفها الزجاجي يعكس ضوء النجوم فوق المجتمعين كأن السماء نفسها تراقب المجلس. في منتصف القاعة امتد بساط أزرق داكن يقود مباشرة إلى العرش الملكي. وعلى ذلك العرش جلست الملكة "سيرافينا". كانت تجلس باستقامة هادئة، لكن ملامحها لم تكن مرتاحة. الضوء القادم من المشاعل الزرقاء انعكس على تاجها الفضي، بينما بقيت عيناها مثبتتين على باب القاعة الكبير. عرشها لم يكن مصنوعًا من الذهب مثل بقية عروش الممالك. بل من خشب شجرة قديمة جدًا. شجرة تقول الأساطير إنها قُطعت من الغابة الأولى قبل ألف عام... لكنها لم تمت بالكامل. ولهذا كان العرش دافئًا دائمًا، كأن شيئًا حيًا ما زال يسكن داخله. على يمين الملكة وقفت الوزيرة الأولى "دالميرا"، بوجهها الهادئ المعتاد، وعينيها الحادتين اللتين تراقبان كل شيء دون أن تكشفا شيئًا. أما على يسار العرش، فوقف المستشار "فايرُن"، ساكنًا كعادته، يداه خلف ظهره، ورأسه منخفض قليلًا وكأنه يفكر بأشياء لا يسمعها الآخرون. لكن التوتر كان واضحًا حتى عليه. الجميع كانوا ينتظرون وصول الرسولة. الرسالة القادمة من الحدود الشمالية لم تكن طبيعية، وهذا وحده كان كافيًا ليجعل الصمت داخل القاعة أثقل من المعتاد. ثم... انفتح الباب أخيرًا. دخلت "أزرين". كانت خطواتها متعبة، غير مستقرة، وعباءتها الرمادية ممزقة عند الأطراف، مغطاة بالغبار والطين. ذراعها ملفوفة بقماش محترق الحواف، حتى إن رائحة الدخان كانت ما تزال عالقة بها. ركعت أمام العرش بسرعة، لكنها كادت تسقط من شدة الإرهاق. لاحظت الملكة ذلك فورًا. قالت بهدوء: "ارفعي رأسكِ." رفعت "أزرين" وجهها ببطء، وكانت عيناها مليئتين بشيء أسوأ من الخوف... الصدمة. قالت بصوت متقطع: "مولاتي... البوابة الشمالية..." توقفت للحظة كأن الكلمات نفسها أصبحت ثقيلة: "...لم تُكسر." عقدت "سيرافينا" حاجبيها ببطء: "إذن ماذا حدث؟" ابتلعت "أزرين" ريقها، ونظرت للحاضرين حولها، ثم قالت الكلمة التي غيّرت كل شيء: "فُتحت... من الداخل." في تلك اللحظة بالذات، بدا وكأن القاعة كلها توقفت عن التنفس. حتى المشاعل المعلقة على الجدران بدت أضعف. تقدمت "راغنيرا" — قائدة الجيش — خطوة للأمام، وصوت درعها المعدني دوّى داخل القاعة: "هذا مستحيل." كانت نبرتها حادة، لكنها لم تكن واثقة تمامًا: "حارسة البوابة "ميرال" لا تسمح بحدوث شيء كهذا." لكن الملكة قاطعتها فورًا، وصوتها هذه المرة أصبح أبرد: "أين ميرال؟" خفضت "أزرين" عينيها: "...لم نجدها." ساد صمت قصير. ثم أخرجت شيئًا من داخل عباءتها المرتجفة. قطعة معدنية سوداء صغيرة. وضعتها فوق الأرض أمام العرش: "وجدنا هذا فقط." انعكس ضوء المشاعل على القطعة، فظهر نقش قديم محفور عليها بخطوط دقيقة تشبه الحروق. تقدم "فايرُن" ببطء. انحنى نحو القطعة. ولأول مرة منذ بداية الاجتماع... تغير وجهه فعلًا. لم يكن تغيرًا واضحًا، مجرد لحظة قصيرة جدًا ضاقت فيها عيناه، لكن "دالميرا" لاحظتها فورًا. قال بصوت منخفض: "...ختم الطقوس." وفي اللحظة نفسها... دخلت امرأة طويلة ترتدي رداءً أبيض مائلًا للفضة. خطواتها كانت صامتة تمامًا، حتى إن بعض الحاضرين لم ينتبهوا لدخولها إلا عندما أصبحت في منتصف القاعة. الكاهنة العظمى. "إيليثرا." كانت ملامحها هادئة بصورة مخيفة، كأنها لا تنتمي تمامًا إلى العالم حولها. اقتربت من القطعة المعدنية، ثم قالت دون مقدمات: "هذا الختم لا يخرج من المعبد... إلا بأمر من يملك حق الطقوس." ثبتت الملكة نظرها فيها: "ومن يملك هذا الحق؟" رفعت "إيليثرا" عينيها ببطء: "إما أنتِ يا مولاتي..." ثم سكتت لحظة قصيرة: "...أو من سرق اسمكِ في الميثاق." وانخفض الصمت فوق القاعة مرة أخرى، أثقل من السابق، بينما بدأت "أستاريا" كلها... تقترب ببطء من الليلة التي ستغيّر تاريخها إلى الأبد.

يتبع...