القسم الخامس
سقوط التاج____________________________________________
لم يكن التغيير ظاهرًا في البرج الأزلي ولا الأبراج العالية التي ظلت شامخة فوق العاصمة، ولا في الأسوار السحرية التي أحاطت بالمملكة منذ قرون طويلة، بل كان شيئًا أعمق من الحجر والخشب والحديد. كان شيئًا تسلل إلى النفوس نفسها، إلى النظرات، إلى الهمسات التي أصبحت تتردد في الأسواق والممرات والأروقة الملكية. المدينة التي اعتادت السهر تحت ضوء المشاعل الزرقاء لم تعد تنام مطمئنة كما كانت من قبل، لكنها أيضًا لم تعد تستيقظ بالثقة نفسها. كان الناس يخرجون إلى أعمالهم، ويفتح التجار حوانيتهم، ويتحرك الجنود في الشوارع، لكن الجميع كانوا يشعرون أن شيئًا خفيًا يتحرك تحت سطح الأحداث. الخوف. ذلك الخوف الذي لا يعرف أحد مصدره الحقيقي. كان الحراس ينتشرون عند البوابات بأعداد مضاعفة، وكانت الدوريات العسكرية تجوب الأحياء حتى ساعات الفجر الأولى. الأبواب تُغلق مبكرًا، والنوافذ تُقفل بإحكام، والأحاديث التي كانت تُقال بصوت مرتفع أصبحت تُقال همسًا. كل شخص صار يراقب جاره. كل خادم صار يشك في خادم آخر. كل جندي صار يتساءل إن كان الرجل الذي يقف بجانبه ما يزال وفيًا للتاج. أما داخل القصر الملكي، فقد كان الوضع أكثر توترًا. الممرات الطويلة التي اعتادت استقبال الوزراء والقادة والرسل تحولت إلى متاهة من الشكوك. الحراس المنتشرون عند الأبواب لم يعودوا يكتفون بمراقبة الغرباء، بل أصبحوا يراقبون أبناء المملكة أنفسهم. فالخطر لم يعد يأتي من خارج الأسوار. الخطر أصبح داخلها. وكانت "أوريانا" تدرك ذلك أكثر من أي شخص آخر. وقفت حارسة التاج في ساحة القصر الداخلية تحت ضوء مشاعل الليل المتراقصة. كان الهواء باردًا، والسماء مغطاة بغيوم رمادية حجبت جزءًا من ضوء النجوم. حولها اصطف عدد من الحراس المختارين بعناية. وجوه متجهمة. أيدٍ فوق مقابض السيوف. ونظرات لا تعرف الراحة. في منتصف الساحة كانت تقف "أزرين". رسولة المملكة أو على الأقل... المرأة التي اعتقد الجميع أنها أزرين. كانت الرسولة الملكية قد عادت قبل أيام وهي تحمل الأخبار والرسائل والتحذيرات القادمة من أطراف العالم، ولم يشك أحد في أمرها. فقد عرفت المملكة "أزرين" لسنوات طويلة، وعرفت شجاعتها وإخلاصها. لكن "أوريانا" لم تكن من الأشخاص الذين يثقون بسهولة. كان هناك شيء صغير. تفصيل ضئيل جدًا. لم يلاحظه معظم الناس. لكنه كان كافيًا لإيقاظ شكوك حارسة التاج. اقتربت "أوريانا" ببطء. كانت خطواتها ثابتة ومقصودة. حتى وصلت إلى المرأة الواقفة أمامها. ثم أمسكت يدها بقوة. تفاجأ بعض الحراس. أما "أزرين" نفسها فحاولت التراجع نصف خطوة. لكن قبضة "أوريانا" كانت أقوى من أن تسمح لها بذلك. ساد الصمت. صمت ثقيل جعل الجميع يشعر أن شيئًا مهمًا سيحدث خلال لحظات. رفعت "أوريانا" يدها الأخرى ببطء. ثم نزعت الغطاء السحري عن الوجه. وفي لحظة واحدة... تجمدت الساحة كلها. شهقات خرجت من عدة حراس. أحدهم تراجع خطوة إلى الخلف دون وعي. آخر شد قبضته على سيفه. أما الشخص الذي وقف أمامهم فلم يكن "أزرين" إطلاقًا. بل شاب مجهول الملامح. عيناه امتلأتا بمكر بارد. وشفتيه ارتسمت عليهما ابتسامة مستفزة. عندها فقط قالت "أوريانا" بصوت بارد كحد السيف: "من أنت؟" ورغم القيود... ورغم انكشاف أمره... ورغم عشرات السيوف الموجهة نحوه... ابتسم الشاب. ابتسامة شخص لم يشعر بالخوف. بل بدا وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة. ثم قال بهدوء أثار قشعريرة في الحاضرين: "أنا أدعى أدميز." توقف لحظة قصيرة. ثم رفع رأسه نحو "أوريانا" مباشرة. وقال: "لقد تأخرتم." ابتسامة "أدميز" لم تكن طبيعية. لم تكن ابتسامة رجل أُلقي القبض عليه بعد سنوات من التسلل والخداع، ولا ابتسامة شخص يواجه مصيره المحتوم بين عشرات الحراس المدججين بالسلاح. بل كانت ابتسامة شخص يعرف شيئًا لا يعرفه الآخرون. ولهذا السبب بالتحديد شعرت "أوريانا" بانقباض داخلي لم تعتد الشعور به. بقيت تحدق في وجهه للحظات. ثم قالت ببرود: "قيدوه." تحرك الحراس فورًا. لكن في اللحظة نفسها... سحب أحد الواقفين بين الصفوف خنجرًا قصيرًا من داخل ثيابه. حدث الأمر بسرعة. سريعة لدرجة أن معظم الموجودين لم يدركوا ما يحدث إلا بعد أن لمع النصل تحت ضوء المشاعل. اندفع الرجل نحو "أدميز". أو هكذا بدا للجميع. لكن "أوريانا" أدركت الحقيقة قبل غيرها. لم يكن يحاول قتل "أدميز". بل كان يحاول إسكاتَه. إلى الأبد. انطلقت حارسة التاج كالسهم. ارتطم سيفها بذراع المهاجم قبل أن يصل إلى هدفه. دوّى صوت المعدن في الساحة. سقط الخنجر. واختل توازن الرجل. ثم وجد نفسه مطروحًا أرضًا تحت أقدام الحراس. في تلك اللحظة صرخت "أوريانا" بصوت دوّى في أرجاء القصر: "خيانة داخل القصر!" تجمد الجميع. حتى الجنود أنفسهم تبادلوا نظرات مرتبكة. فالأمر لم يعد يتعلق بجاسوس متنكر. بل بوجود شبكة كاملة تعمل من الداخل. وذلك كان أخطر بكثير. أما "أدميز"... فلم يتوقف عن الابتسام. بل بدا أكثر ارتياحًا من السابق. كأن كشفه لم يكن سوى خطوة صغيرة في خطة أكبر.بعد ساعات... كانت قاعة الحكم الكبرى مكتظة. انتشرت الأخبار بسرعة غير مسبوقة. الجميع أراد أن يرى الخائن. الجميع أراد أن يعرف كيف استطاع رجل مجهول أن يعيش بين أبناء "أستاريا" متنكرًا في هيئة رسولة المملكة. الجميع أراد إجابات. لكن أحدًا لم يحصل عليها. وقف "أدميز " مقيدًا في منتصف القاعة. السلاسل الثقيلة تحيط بذراعيه. الحراس يطوقونه من كل جانب. أما هو فبقي رافع الرأس. كأن المقيدين هم الآخرون لا هو. جلست الملكة "سيرافينا" فوق العرش. وجهها كان جامدًا. لكن عينيها لم تكونا كذلك. كانت تدرك أن القضية أكبر من مجرد جاسوس. وأكبر من مجرد خيانة. كان هناك شيء يتحرك خلف الستار. شيء لم يظهر بعد. وقفت "راغنيرا" أمام السجين. درعها الفضي يعكس ضوء القناديل. وسيفها الطويل بين يديها. قالت بصوت واضح: "اعترف." لم يجب. _ "من أرسلك؟" لم يجب. _ "لمن تعمل؟" رفع عينيه إليها. ثم ابتسم. مرة أخرى. ابتسامة باردة أثارت غضب كثيرين داخل القاعة. قال: "أنتم تسألون الأسئلة الخطأ." ساد الصمت. ثم أكمل: "اسألوا من سمح لي بالدخول." شعرت القاعة كلها بالبرودة. حتى الملكة رفعت رأسها ببطء. أما "راغنيرا" فلم تسمح للكلمات بالتأثير عليها. قالت بصرامة: "حكمك واضح." ثم نظرت نحوه مباشرة. "...الموت." لم يتغير وجه "أدميز". ولم يتوسل. ولم يطلب الرحمة. كأنه كان يعرف منذ البداية أن نهايته ستكون هنا. في ساحة المملكة. أمام الجميع. مع حلول المساء... اجتمع الناس في الساحة الكبرى. كانت المشاعل تملأ المكان. والصمت أثقل من الضجيج. في مقدمة الساحة وقفت "راغنيرا." خلفها الحراس. وأمامها "أدميز." مقيدًا. ساكنًا. غريب الهدوء. رفع رأسه نحو السماء للحظة. كانت الغيوم تتحرك ببطء فوق العاصمة. ثم نظر إلى القصر. إلى الأبراج. إلى الرايات. إلى الناس.وكأنه يودع شيئًا يعرف أنه لن يراه مرة أخرى. لكن عندما اقتربت "راغنيرا"... مال برأسه قليلًا. وهمس بصوت لم يسمعه إلا القريبون منه: "لقد بدأ كل شيء بالفعل." ثم ابتسم. للمرة الأخيرة. رفعت "راغنيرا" سيفها. كانت يدها ثابتة. لا ترتجف. ولا تتردد. فقد عاشت عمرها كله وهي تؤمن بأن التردد في مواجهة الخيانة أخطر من الخيانة نفسها. تجمعت أنظار الناس. واختفت الأصوات. حتى الريح بدت وكأنها توقفت. ثم... هوى السيف. بضربة واحدة. قاطعة. حاسمة. سقط الجسد. وتدحرج الرأس فوق الأحجار. وعمّ الصمت. صمت ثقيل. صمت جعل الجميع يشعر أن النهاية لم تكن نهاية. بل بداية. بداية شيء أكبر. وأخطر. وأقدم. لكن ذلك... لم يكن أخطر ما حدث في تلك الليلة. ففي الوقت الذي كان سكان العاصمة يتحدثون عن إعدام "أدميز"... وفي الوقت الذي كانت الحاميات العسكرية تغلق البوابات وتفتش الداخل والخارج... كان "نيريون" يقف وحده داخل قاعة الميثاق. كانت القاعة فارغة. هادئة. باردة. أكثر من المعتاد. اقترب من النافذة العالية. ورفع عينيه نحو السماء. لطالما عرف النجوم. قرأها. فسر إشاراتها. وحذر الملوك من نبوءاتها. لكن الليلة... لم تعد السماء كما يعرفها. كانت النجوم تتحرك. تتبدل. وتعيد رسم نفسها فوق العالم. ابتسم ببطء. ابتسامة رجل يرى شيئًا انتظره طويلًا. ثم همس: "...أخيرًا." لكن الباب انفتح خلفه. استدار ببطء. فرأى "دافني". قاضية الميثاق. دخلت بخطوات هادئة. وجهها خالٍ من المشاعر. لكن عينيها حملتا قرارًا خطيرًا. قالت: "حان الوقت." نظر إليها "نيريون" طويلًا. ثم قال: "...هل الجميع مستعد؟" هزت رأسها ببطء. وقالت: "...المجلس سيسقط الليلة."
ختام الفصل الثاني