القسم السادس
انقلاب الميثاق__________________________________________
وفي تلك اللحظة... لم تكن أي منهما تدرك أن "أستاريا" كانت على وشك دخول أكثر لياليها ظلامًا منذ تأسيسها. وفي لحظة واحدة... انهار كل شيء. لم يحدث الأمر بصوت انفجار. ولم تسقط جدران القصر. ولم تحترق أبراج "أستاريا". لكن ما انهار كان أخطر من الحجر والنار. انهارت السلطة. انهارت الثقة. وانهار النظام الذي حكم المملكة لعقود طويلة. في قلب قاعة الميثاق، حيث تشكلت قوانين "أستاريا" وصدرت أحكامها عبر الأجيال، بدأ الضوء الأزرق المنبعث من الرموز القديمة يتوهج بصورة غير طبيعية. ارتجفت النقوش المحفورة في الأرض. وتحركت الحروف القديمة فوق الجدران. كأن القاعة نفسها استيقظت. وقف "نيريون" و"دافني" أمام الميثاق. لم يتبادلا الكلمات. فلم يعد هناك ما يجب قوله. كل شيء أصبح في يد الكتاب. وفي يد القوة الأقدم من الملوك والوزراء والجنرالات. الميثاق. بدأت الصفحات تتحرك وحدها. واحدة تلو الأخرى. سريعة. عنيفة. حتى بدا وكأن عاصفة تضرب داخل الكتاب. ثم... توقفت. وانتشر الضوء. خرجت الحروف من الصفحات. ارتفعت في الهواء. وتحولت إلى كلمات مضيئة فوق القاعة. كلمات لم يكتبها بشر. ولم يستطع بشر إيقافها. وفي اللحظة نفسها... بدأت الرسائل السحرية تصل إلى أنحاء القصر. إلى المكاتب. إلى الثكنات. إلى القاعات الملكية. إلى كل شخص يحمل سلطة باسم "أستاريا". قرار واحد. مختوم باسم: الميثاق. كانت "سيرافينا" لا تزال داخل القصر عندما وصلها الخبر. دخل أحد الحراس مسرعًا. وجهه شاحب. وأنفاسه متقطعة. انحنى أمام العرش بسرعة. لكن الكلمات بدت وكأنها ترفض الخروج من فمه. قال أخيرًا: "مولاتي..." ثم توقف. "صدر قرار." عقدت "سيرافينا" حاجبيها: "أي قرار؟" رفع الحارس رأسه ببطء. وكان الخوف ظاهرًا في عينيه: "قرار من الميثاق." ساد الصمت. في البداية ظنت الملكة أن الأمر يتعلق بقانون جديد. أو بإجراء أمني. أو حتى بحكم ضد أحد المتهمين. لكن عندما فتح الحارس اللفافة السحرية... شعرت أن الهواء اختفى من القاعة. كانت الكلمات واضحة. باردة. مختصرة. وقاطعة. تم تجريد الملكة من سلطتها. في مكان آخر من القصر... كان "فايرُن" يقرأ الرسالة نفسها. لم يتحرك. لم يغضب. لم يبدُ مصدومًا. قرأها مرة. ثم مرة أخرى. وأعاد لفها بهدوء. تم تجريد المستشار الملكي من منصبه. بقي صامتًا. وكأن الأمر لم يفاجئه. بل كأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ زمن طويل. أما "راغنيرا"... فقرأت القرار وهي داخل مقر القيادة العسكرية. حولها خرائط المملكة. وقوائم الجنود. وأختام الحملات العسكرية. ثم وصل الحكم. تم تجريد قائدة الجيش من قيادتها. ساد الصمت في القاعة. نظر الضباط إليها. ينتظرون غضبًا. أو اعتراضًا. أو أمرًا. لكنها لم تقل شيئًا. كانت تحدق فقط في الورقة. ثم وضعتها على الطاولة. وبقيت واقفة. كتمثال من الفولاذ. وفي الجهة الأخرى من القصر... وصل القرار إلى "أوريانا". حارسة التاج. المرأة التي كرست حياتها كلها لحماية العرش. المرأة التي لم تعرف يومًا معنى الحياة خارج الواجب. المرأة التي وقفت بين الموت والملكة عشرات المرات. لكن الميثاق لم يهتم بكل ذلك. صدر الحكم. تم تجريد حارسة التاج من منصبها.أغلقت "أوريانا" الرسالة ببطء. وشعرت لأول مرة منذ سنوات طويلة بشيء يشبه الفراغ. ليس خوفًا. وليس غضبًا. بل فراغ. كأن جزءًا من هويتها انتُزع منها دفعة واحدة. ووصل القرار إلى "دالمير"ا أيضًا. الوزيرة الأولى. العقل السياسي للمملكة. المرأة التي أمضت سنوات وهي تبني التحالفات وتحافظ على توازن القصر. لكن القرار لم يترك لها شيئًا. تم تجريد الوزيرة من نفوذها. بقرار واحد. وباسم واحد. وبتوقيع واحد. سقط كل شيء. الميثاق. وقفت "سيرافينا" داخل القاعة الملكية. الرسالة بين يديها. والصمت يحيط بها من كل جانب. لم تصرخ. لم تكسر شيئًا. لم تطلب اعتقال أحد. ولم تنهار. بل رفعت رأسها ببطء. ونظرت إلى الفراغ أمامها. وقالت بهدوء جعل الموجودين يرتجفون أكثر من أي صرخة: "...إذن بدأتم." كانت تعرف. هذا لم يكن تمردًا عاديًا. ولم يكن خلافًا سياسيًا. كان انقلابًا. انقلابًا أُعد له منذ زمن طويل. وفي أرجاء القصر... كانت "دالميرا" تركض بين الممرات. من قاعة إلى أخرى. ومن جناح إلى آخر. تحاول جمع من بقي من الحلفاء. تحاول فهم ما حدث. تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه. لكن كل باب كانت تفتحه كان يحمل خبرًا أسوأ من السابق. الجنود مرتبكون. الوزراء منقسمون. الموظفون خائفون. والأوامر تتغير كل دقيقة. توقفت أخيرًا عند أحد الممرات. استندت إلى الجدار للحظة. وأغلقت عينيها. ثم همست لنفسها: "...تأخرنا." لأول مرة شعرت أن الخطر الذي حذرت منه سنوات طويلة قد وصل بالفعل. لكن كان هناك شخص آخر يراقب كل شيء. شخص لم يركض. ولم يصرخ. ولم يحاول إيقاف الفوضى. "فايرُن". وقف في أحد أروقة القصر المظلمة. بعيدًا عن الضجيج. بعيدًا عن الفوضى. وبعيدًا عن الأنظار. كان ينظر إلى المشاعل المعلقة على الجدران. إلى الظلال التي تتحرك فوق الحجر. وإلى المملكة التي بدأت تتغير أمام عينيه. ثم قال بهدوء: "...الآن." وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة. أو يخشاها. أو كلا الأمرين معًا. وفي قاعة العرش الكبرى... بدأ اجتماع جديد. اجتماع سيحدد مصير "أستاريا." اجتماع سيقرر من يبقى. ومن يسقط. ومن سيحمل اسم المملكة في الأيام القادمة. لكن أحدًا داخل القاعة لم يكن يدرك أن هذه الليلة لم تكن سوى بداية الانقسام. وأن الحرب الحقيقية... لم تكن قد بدأت بعد. رفعت قائدة الجيش رأسها، ونظرت إلى "أوريانا" ثم إلى أعضاء المجلس. قالت بصوت ثابت: "لقد رأيتها في مهمات عديدة." ساد الصمت بينما واصلت: "رأيتها تسير في طرق لا يجرؤ كثيرون على عبورها. ورأيتها تعود برسالتها حتى عندما كان الموت أقرب إليها من النجاة." ثم وضعت يدها فوق الطاولة ولهذا أؤيد سلامار." بعدها تحدثت "دالميرا." كانت تبدو مرهقة من أحداث الساعات الماضية، لكن صوتها بقي هادئًا كما عرفه الجميع. قالت: "المملكة لا تحتاج إلى رسول يحمل الرسائل فقط." ثم نظرت نحو الحاضرين: "بل إلى شخص يستطيع بناء الثقة بين الممالك." وأكملت: "وسلامار تمتلك هذه القدرة." بدأت الهمسات تنتشر بين أعضاء المجلس. لكن هذه المرة لم تكن همسات شك. بل همسات موافقة. وبعد دقائق قليلة حُسم القرار. ضرب "فايرُن" عصاه بالأرض معلنًا: "بموافقة المجلس.. نُعلن تعيين سلامار رسولةً جديدةً لمملكة أستاريا." في تلك اللحظة انفتح باب القاعة. ودخلت "سلامار". بدت متفاجئة أكثر مما بدت سعيدة. لكنها تقدمت بثبات حتى وقفت أمام العرش. انحنت باحترام. فقال "فايرُن": "من هذه اللحظة... أنتِ صوت المملكة خارج حدودها." رفعت "سلامار" رأسها. وفي عينيها ظهر مزيج من المسؤولية والعزم. ثم قالت: "سأحمل رسالتها حتى آخر نفس." لكن الهدوء لم يدم طويلًا. ففي اللحظة نفسها تقريبًا كانت "أوريانا" و"راغنيرا" تتحركان وفق خطة أخرى. خطة وُضعت بعيدًا عن أعين معظم الحاضرين. خلال دقائق قليلة فقط تحرك الحراس نحو قاعة الميثاق. أُغلقت الممرات. وأُقفلت الأبواب. ثم بدأت المداهمة. لم تستغرق العملية طويلًا. فقد تم القبض على: "نيريون" — عراف النجوم. و"دافني" — قاضية الميثاق. قُيدا بالسلاسل السحرية. وأُخذا إلى أعمق سجون القصر. وعندما وقفت "أوريانا" أمام زنزانتهما قالت ببرود: "الآن تتكلمان."لكن "نيريون" لم يجب. بل ابتسم فقط. أما "دافني" فنظرت إليها بهدوء وقالت: "تأخرتم." بدأت التحقيقات. وبدأت محاولات كشف الحقيقة. لكن كل سؤال قاد إلى أسئلة أكثر. وكل إجابة فتحت بابًا جديدًا من الغموض. في الجهة الأخرى من القصر كانت "إيليثر"ا تراقب كل شيء بصمت. منذ البداية لم تدافع عن أحد. ولم تتهم أحدًا. بقيت تراقب. وتنتظر. حتى جاء الليل. وهناك... اختارت جانبها. كان السجن هادئًا بصورة غير طبيعية. وقفت "أوريانا" أمام الزنازين في جولتها المعتادة. لكن فجأة... انطفأت المشاعل. وغرق الممر في الظلام. توقفت "أوريانا" فورًا. وشعرت بموجة سحر قوية تمر عبر المكان. استدارت بسرعة. لكن باب السجن انفتح خلفها. ظهرت "إيليثرا". كانت ملامحها هادئة. هادئة أكثر مما يجب. قالت بصوت منخفض: "اعذريني." ثم انفجرت الطاقة السحرية. خلال دقائق قليلة فقط... كانت الزنازين فارغة. اختفى "نيريون." واختفت "دافني." وفي الظلام خارج القصر... كانت هناك امرأة ثالثة تنتظر. امرأة تلمع عيناها كالأفاعي. ترتسم على شفتيها ابتسامة ساخرة. قالت وهي تراقب الهاربين: "تأخرتم." نظرت إليها "إيليثرا". وقالت: "سولو." ضحكت المرأة بخفة. "اشتقت للفوضى." ومع شروق اليوم التالي... لم تعد "أستاريا" مملكة واحدة. بل أصبحت مملكتين داخل المملكة نفسها. فريق بقي مع العرش: الملكة "سيرافينا." و"فايرُن." و"أوريانا"و "راغنيرا" و"دالميرا" و"سلامار". وفريق آخر اختار طريقًا مختلفًا: "نيريون" و"دافني" و"إيليثرا"و"سولو". وقف كل طرف مستعدًا لما هو قادم. ولم يعد بالإمكان العودة إلى ما كان عليه الحال سابقًا. وقفت "سيرافين"ا على شرفة القصر. تنظر إلى مدينتها. إلى الأبراج. إلى الناس. إلى المملكة التي بدأت تتغير أمام عينيها. وقالت بصوت خافت: "...لم تعد هذه مملكتي وحدي." وفي مكان بعيد... كان "نيريون" يقف فوق تلة صخرية يراقب الأفق. وقال: "...الآن تبدأ الحرب." أما "فايرُن"... فكان ينظر إلى السماء البعيدة. ثم ابتسم ابتسامة صغيرة غامضة. وقال: "...بل بدأت منذ زمن طويل."
ختام الفصل الثاني