الفصل الثالث_ انقسام الممالك
القسم الأول_ رياح التحالفات_________________________________
لم يكن الاجتماع في جزيرة السادة "برافوس" مجرد لقاء بين حكام... بل كان لحظة نادرة يتوقف فيها التاريخ قليلًا، كأنه يتردد قبل أن يقرر اتجاهه التالي. القاعة الحجرية المطلة على البحر بدت في ظاهرها هادئة، لكن تحت هذا الهدوء كان هناك توتر كثيف، أشبه بصمت يسبق الانفجار.لم يكن أحد ممن جلسوا داخل تلك القاعة يجهل أن هذا الاجتماع قد يكون الأخير الذي يجمعهم قبل أن تبتلعهم الحروب. فالتحالفات التي استغرقت سنوات طويلة لبنائها أصبحت تتصدع خلال أيام، والعهود التي أقسمها الملوك فوق موائد السلام بدأت تفقد معناها أمام الخوف الذي انتشر في أنحاء القارة. حتى الجدران الحجرية العتيقة التي شهدت عشرات المجالس السابقة بدت وكأنها أكثر صمتًا من المعتاد، كأنها تحفظ في شقوقها ذكريات اجتماعات انتهت هي الأخرى بحروب لم ينجُ منها أحد. الأمواج كانت تضرب جدران الجزيرة بإيقاع ثابت، كأن البحر نفسه يحاول أن يذكّرهم أن العالم خارج هذه القاعة لا ينتظر قراراتهم... بل يستعد لنتائجها. من خلف النوافذ العالية، كانت أسراب الطيور البحرية تدور فوق الجزيرة في دوائر واسعة قبل أن تختفي باتجاه الأفق، بينما ارتفعت سحب رمادية خفيفة فوق سطح البحر، فحجبت جزءًا من ضوء الشمس. لم يكن المشهد مخيفًا بحد ذاته، لكنه منح المكان شعورًا غريبًا، وكأن الطبيعة كلها تراقب بصمت ما سيُقال داخل تلك القاعة، منتظرة الكلمة التي ستحدد مصير الممالك في السنوات القادمة. وقفت ملكة "أسترال" بثبات، وعباءتها الداكنة تتحرك مع نسيم البحر، بينما كانت عيناها تمسحان الوجوه واحدًا تلو الآخر. لم تكن هنا لتفاوض فقط، بل لتفهم من يمكن الوثوق به... ومن يجب الحذر منه. كانت ملكة "ماوية" قد اعتادت قراءة الوجوه أكثر من قراءة الرسائل. ففي الصحراء، قد يخدع الكلام، أما العين فلا تكذب طويلًا. لذلك لم تكن تنظر إلى التيجان ولا إلى الرايات المرفوعة خلف الحكام، بل إلى التردد الذي يظهر للحظة في النظرات، وإلى الأصابع التي تتحرك فوق الطاولة، وإلى الصمت الذي يسبق كل إجابة. كانت تؤمن أن الخيانة تبدأ غالبًا قبل أن تُنطق، وأن أكثر الأسرار خطورة تكشفها لحظة صمت قصيرة. أما ملك "السنديان"، فقد كان واقفًا قرب الطاولة الكبيرة، يمرر أصابعه فوق الخريطة المنتشرة أمامه، وكأنه لا يقرأ الحدود... بل يقرأ ما بينها. كانت نظرته عميقة، فيها قلق قديم يعرفه من تعامل طويل مع النجوم والكتب. كان ملك "حارث"، معروفًا بين بقية الحكام بأنه لا يتخذ قرارًا متسرعًا. فقد قضى سنوات طويلة يدرس تاريخ الممالك القديمة، ويقارن بين الحروب التي اندلعت بسبب الطمع، وتلك التي اشتعلت بسبب الخوف. ولهذا السبب كان ينظر إلى الخريطة بطريقة مختلفة؛ لم يكن يرى حدود الدول فقط، بل يرى طرق القوافل، ومصادر المياه، وخطوط التحالف التي إن انكسرت، سقطت بعدها الممالك واحدة تلو الأخرى. لكن أكثر ما جذب الانتباه لم يكن الحضور... بل الغياب. مقعد "أستاريا." حتى الحراس المنتشرون حول القاعة لاحظوا ذلك المقعد الفارغ. كانوا يتجنبون النظر إليه طويلًا، لكن أعينهم كانت تعود إليه دون إرادة. فمنذ سنوات طويلة لم يحدث أن غابت "أستاريا" عن مجلس للممالك، وكانت المملكة تُعد دائمًا أول الحاضرين وآخر المغادرين، لأنها كانت تمثل مركز التوازن بين الجميع. أما اليوم، فقد بدا الفراغ الذي تركه مقعدها وكأنه يتحدث أكثر من أي خطاب يمكن أن يُلقى. كان فارغًا. فارغًا بشكل يثير القلق أكثر من أي وجود. ولم يكن الفراغ يخص المقعد وحده، بل امتد إلى نفوس الحاضرين أيضًا. فكل واحد منهم بدأ يتساءل في داخله: هل ما يحدث داخل "أستاريا" مجرد أزمة عابرة؟ أم أن المملكة التي حفظت توازن العالم طوال قرون بدأت هي الأخرى تنهار؟ وإذا سقطت "أستاريا"... فمن سيمنع بقية الممالك من السقوط بعدها؟ قال ملك العرب أخيرًا بصوت منخفض لكنه واضح بما يكفي ليصل للجميع: "إذا كانت أستاريا لم ترسل ممثلًا... فهذا ليس تجاهلًا... بل علامة." لم يجب أحد فورًا. بقيت الكلمات معلقة في الهواء، بينما تبادل الحكام النظرات في صمت. لم يكن اعتراضهم على كلامه، بل لأن كل واحد منهم كان قد وصل إلى النتيجة نفسها قبل أن ينطق بها. غياب "أستاريا" لم يكن صدفة، ولم يكن تأخرًا في السفر، بل رسالة صامتة تقول إن المملكة التي كانت تجمع الآخرين أصبحت منشغلة بقتال يدور داخل أسوارها. لم ترد ملكة البدو مباشرة، لكنها اقتربت من الطاولة، ووضعت يدها فوق منطقة في الخريطة خالية من أي اسم. بقيت لحظة صامتة، ثم قالت: "بعض الأماكن تختفي من الخرائط... ليس لأنها غير موجودة، بل لأن أحدهم لا يريد لها أن تُرى." رفعت نظرها إليه: "ومملكة الأشباح... واحدة منها." مرّ صمت قصير، ثقيل. ساد المجلس لحظات من الهدوء الثقيل، ذلك النوع من الهدوء الذي لا يعني انتهاء الحديث، بل انتظار الشخص الذي يعرف الجميع أنه سيغير اتجاهه. كانت الأنظار تتحرك بين أبواب القاعة الكبيرة دون أن يعترف أحد بأنه ينتظر القادم. حتى خرير البحر الذي كان يتسلل من النوافذ المفتوحة بدا وكأنه خفت قليلًا، كأن الجزيرة نفسها تستعد لاستقبال ضيف لا يحمل معه السلام. ثم دخل رسول مملكة "غورموث". لم يكن الرسول يرتدي تاجًا ولا يحمل شارة ملكية كبيرة، لكن عباءته السوداء الطويلة والمطرزة بخيوط حمراء قاتمة كانت كافية لتعريف هويته. وعلى صدره تدلّى ختم معدني يحمل شعار "الشعلة السوداء"، ذلك الشعار الذي عرفته الممالك كلها منذ الحروب القديمة، وأصبح ظهوره وحده يوقظ ذكريات الدم والتحالفات المنهارة. كانت خطواته بطيئة، محسوبة، لا تحمل ترددًا ولا استعجالًا، وكأنه يسير داخل قاعة يعرف أنها ستنصت لكل كلمة يقولها. لم يرفع صوته، ولم يعلن عن نفسه، لكن وجوده وحده غيّر الجو في القاعة. كأن الهواء أصبح أثقل، أبرد، وأكثر حذرًا. لاحظ الحاضرون أن الحراس المنتشرين عند المداخل شدوا قبضاتهم على رماحهم دون أوامر. لم يكن ذلك خوفًا من رجل واحد، بل من الدولة التي يمثلها. فمملكة "غورموث" لم تكن تعتمد على كثرة الجيوش وحدها، بل على قدرتها في زرع الشك داخل خصومها قبل أن تبدأ المعركة. ولهذا كان وصول رسولها إلى أي مجلس سياسي يعد حدثًا بحد ذاته، لأن كلماته كثيرًا ما كانت تسبق تحرك جيوشها. توقف في منتصف القاعة، ونظر إلى الجميع، ثم قال بهدوء لا يحمل تهديدًا مباشرًا... لكنه أخطر من التهديد: "ملكنا لا يسأل عن التحالفات." ساد صمت قصير داخل القاعة. لم يكن أحد مستغربًا من غرور مملكة "غورموث"، لكنها المرة الأولى التي يُقال فيها هذا الكلام أمام جميع الممالك دون محاولة لإخفائه خلف لغة الدبلوماسية. كانت الرسالة واضحة؛ لم تعد "مملكة غورموث" تنظر إلى بقية الحكام كشركاء محتملين، بل كأطراف في لعبة بدأ عدّها التنازلي بالفعل. ثم أضاف، بعد لحظة قصيرة: "...بل عن من سيبقى بعدها." شعر بعض الحاضرين بأن الكلمات لم تكن موجهة إلى المجلس كله، بل إلى شخص أو جهة بعينها. حتى الملكة "ماوية" ضيقت عينيها قليلًا، بينما بقي الملك "حارث" يراقب الرسول بصمت، محاولًا أن يقرأ ما يخفيه وجهه أكثر مما يسمع ما ينطق به لسانه. أما ممثل مملكة "إندورال"، فقد ظل ساكنًا تمامًا، لكن أصابعه انطبقت بهدوء فوق عصاه السوداء، في حركة صغيرة لم يلاحظها سوى القليل. تبادلت الأنظار. لم يكن هذا عرضًا... بل إعلان. اقترب ملك العرب خطوة، وقال: "وهل جاء رسول الأشرار ليخبرنا بالنهايات؟ أم ليصنعها؟" كان السؤال يحمل أكثر من معنى. فملك "حارث" لم يكن يستفسر عن نية الرسول وحدها، بل كان يحاول اختبار حدود ما ستكشفه مملكة "غورموث" في هذا الاجتماع. أحيانًا تكون الإجابة نفسها أقل أهمية من الطريقة التي تُقال بها، وكان يعلم أن السياسيين الحقيقيين يكشفون أسرارهم بين الكلمات، لا داخلها. لم يبتسم الرسول، لكنه رد بهدوء: "النهايات... تبدأ عندما يعتقد الجميع أنهم ما زالوا في البداية." بقيت الجملة معلقة في القاعة، كأنها لم تكن مجرد رد، بل نبوءة قصيرة. لم يعقب أحد مباشرة، لأن كل من سمعها وجد نفسه يفسرها بطريقة مختلفة. بعضهم رأى فيها تهديدًا، وبعضهم اعتبرها إعلان حرب، بينما شعر آخرون بأنها إشارة إلى أن ما يجري في "أستاريا" لم يكن سوى أول حجر يسقط في سلسلة طويلة من الانهيارات. في زاوية القاعة، بعيدًا عن الضوء، كان وزير الفتنة يقف صامتًا. لم يتدخل. لم يعترض. فقط كان يراقب. عيناه تتحركان بين الوجوه، بين الكلمات، بين الصمت نفسه. وكأنه يجمع خيوطًا لا يراها غيره. كان "مرثاد فالكور". وزير الفتن يتابع الحوار بعينين هادئتين تخفيان أكثر مما تظهران. لم يكن ينظر إلى المتحدثين فقط، بل إلى ردود أفعالهم، إلى لحظات التردد، وإلى الكلمات التي امتنعوا عن قولها. وبين حين وآخر كانت ترتسم على شفتيه ابتسامة صغيرة لا تكاد تُرى، ابتسامة رجل يدرك أن الاجتماع لم يعد يبحث عن حل، بل بدأ يرسم خطوط الحرب القادمة. ثم قال أخيرًا، بصوت هادئ كعادته: "أنتم تفكرون في حماية ممالككم." توقف لحظة: "...لكنكم لا تدركون أن ما يحدث في أستاريا... لن يبقى فيها." نظر إلى الخريطة، ثم إلى المكان الفارغ: "...بل سينتشر." اقترب قليلًا من الطاولة، وأشار إلى البحر المحيط بالجزيرة:"والبحر لا يمنع النار... بل يحملها." ساد صمت. هذه المرة لم يكن صمت تردد... بل صمت فهم. كل واحد منهم أدرك أن ما يحدث لم يعد شأن "أستاريا" وحدها. بل بداية شيء أكبر. شيء لن يمكن إيقافه بسهولة. وفي تلك اللحظة، بعيدًا عن الجزيرة، بعيدًا عن السياسة والكلمات... كانت "أستاريا" نفسها تتحول. ليس بسبب هجوم خارجي... بل بسبب ما انكسر داخلها.